قال: ويستحب للقاضي أن يحرض على الصلح بين الناس ما لم يبن له الحق فإذا بان الحق وجب امضاؤه وذلك إن الله تعالى ندب إلى الصلح فقال عز وجل: {وَالصَّلْحُ خَيْرٌ، وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُس الشُّح}، وقال: {إِنْ يُرِيْدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}، وقال: {لاَ خَيْرَ فِيْ كَثِيْرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ}، ولا خلاف في جواز الصلح بين المسلمين، وروي أن كعب بن مالك تقاضى ديناً كان له على إنسان في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في بيته فخرج إليهما فقال: <يا كعب، فقال: لبيك يا رسول الله، فأشار إليه بيده أتضع الشطر من دينك؟ قال: قد فعلت يا رسول الله>، وهذا إنَّما رآه للحاكم ما دام الأمر ملتبساً وما لم يصح الحق ولم يبن؛ لأنَّه بعد أن بين الحق ويظهر ويطلب الخصم إمضاء الحكم لا يحل تأخيره بوجه من الوجوه وإطلاقه القول بأنه إذا بان له الحق وجب عليه إمضاؤه من غير أن يشترط أن يكون بأن له بالبينة والإقرار يوجب أن يلزمه إمضاء الحكم بعلمه؛ لأنَّه إذا علمه فقد بان له وعلى هذا الإطلاق لا يجب أن يفصل بين ما علمه قبل القضاء أو بعد القضاء، وقد اختلف فيذلك، فذهب أبو حنيفة إلى أن الحاكم يتحكم بعلمه إذا علمه بعد القضاء وحيث هو قاض فيه ولا يحكم بعلمه على قبل القضاء أو حيث لا ينفذ فيه حكمه، وقال أبو يوسف ومحمد: يحكم ... بعلمه على أي وجه حصل قبل القضاء وبعد وهو تقتضيه إطلاق يحيى عليه السلام، وقال مالك: لا يحكم علمه على وجه من الوجوه، وحكى أنَّه للشافعي على قولين وقرأت فيما علق ابن أبي هريرة إن أصح القولين هو القول: بأنه يحكم بعلمه ولم يشترط أن يكون علمه قبل القضاء أو بعده، ويدل على ذلك قول الله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعِ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ}، فإذا علم الشيء فعلمه به حق قد(128/5)


جاءه فيجب أن يحكم به، وقال: وإن حكمت {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ}، ولا قسط أوضح من أن يعلم أن المحكوم له محق، وقال: {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ}، فمتى علم أنَّه الحق لإنسان لزمه الحكم به، لا خلاف أنَّه يحكم بالظن الذي يحصل له عند شهادة الشاهدين فأولى أن يحكم بعلمه الذي علمه بالمشاهدة؛ لأن العلم أقوى من الظن، ولا خلاف أن لغير الحاكم أن يمنع الظالم من ظلمه إذا عرف ذلك وتحققه على سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأولى أن يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه وأيضاً لا خلاف أنَّه جائز الاقتصار على حاكم واحد، فدل ذلك على أن قوله فيه مقبول، ألا ترى أن الشاهد لما لم يكن قوله مقبولاً وحده لم يكن بد من إنضمام شاهد آخر فإذا ثبت أن قوله فيه مقبول فمتى قال اعلم يجب أن يكون مقبولاً منه ومتى كان مقبولاً جاز امضاؤه، وأيضاً لا خلاف أنَّه يجوز له الحكم بما يراه فيما يختلف فيه وبما يعلمه فيما لا يختلف فيه بل لا يجوز غيره فكذلك يجوز له أن يحكم بما علمه من حال الخصومة والمعنى أنه حكم بما علم.
فإن قيل: علمه قبل القضاء لم يكن يجوز أن يحكم به إلاَّ مع آخر فكذلك إذا تقلد القضاء لم يجب أن يتغير.
قيل له: يجب أن يتغير وذلك أنَّه قبل القضاء، النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يحكم بعلمه حين جحده الأعرابي بيع فرس له منه حتى شهد له خزيمة.
قيل له: ذلك لم يكن على سبيل الحكم، ألا ترى أن الحاكم لا يحكم لنفسه وإنما كان والله أعلم ليتعرف بصائر أصحابه أو ليعرفهما من حميت عليه، فإذا ثبت ذلك لم يكن للفصل بين ما علمه قبل القضاء وبعده وجه كما ذهب إليه أبو حنيفة، ألا ترى الشاة لما جاز أن يشهد بعلمه لم يكن فصل ما علمه قبل حال العدالة وجواز شهادته وبين ما علمه قبل ذلك وإنما المعتبر كان بحصول العلم.
فإن قيل: علمه قبل القضاء لم يكن يجوز أن يحكم به إلاَّ مع آخر فكذلك إذا تقلد القضاء لم يجب أن يتغير.(128/6)


قيل له: يجب أن يتغير وذلك أنَّه قبل القضاء لم يجز هل أن يحكم به؛ لأنَّه كان ممن لا يصخ حكمه فإذا صار ممن يصح حكمه جاز أن يحكم به، ألا ترى أن من عل الشيء في حال صغره أو فسقه أو كفره لم يجز أن تقع به الشهادة حتى إذا بلغ وصار عدلاً صح أن تقع به الشهادة بتغير حكمه؛ لأن العلة في ذلك أنَّه ممن لا تصح شهادته فكذلك الحاكم، وأيضاً لا خلاف أن القاضي إذا علم الشيء بخلاف ما وقعت الشهادة سوى علمه قبل القضاء أو بعده لم يجز له الحكم بتلك الشهادة فبان أن علمه أقوى من الشادة على أي حال حصل العلم له.
مسألة
قال: ويجب على القاضي إذا تقاضى إليه خصمان ألاّ يقض أحدهما حتى يسمع كلامهما ويفهمه ويتثبت في حججهما والأصل في ذلك ما رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له حين بعثه إلى اليمن: <يا علي إذا جلس بين يديك الخصمان فلا تعجل بالقضاء بينهما حتى تسمع ما يقول الآخر>، وقد قيل: إن الذي تاب منه داود صلى الله عليه وسلم أنَّه حكم بتظليم أحد المتداعيين قبل إسماع كلامه على ما حكى الله عز وجل حين قال: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ}، إلى قوله: {وَعِزَّنِيْ فِيْ الْخِطَابِ}، قال: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ}، فنبهه الله على الخطأ بقوله: {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ}، فجعل الحكم بالحق، بعد سماع قول الخصم؛ ولأنه لا يجوز له أن يحكم حتى يتبين له الحق ولا يتبين له الحق حتى يسمع كلامهما ويثبت في حججهما مع التمكن من ذلك؛ لأن عليه الاحتياط وبذل المجهود في التوصل إلى معرفة الصحيح من الفاسد.
مسألة(128/7)


قال: ويجب أن يسوي بين الخصمين في المجلس والإقبال والتسليم والإصاخة، والأص فيه ما رواه زيد بن علي، عن أبي، عن جده، عن علي عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <لا يضعن أحد الخصمين دون صاحبه فأمر بالتسوية بينهما>، وروى الجصاص بإساده عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <من ابتلى بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظة وإشارته ومقعده ومجلسه ولا يرفع صوته على أحد الخصمان ما لم يرفع على الآخر>، يدل على وجوب التسوية وروي أن رجلاً أتى علياً ع فأضافه تقرب إليه في خصومة، فقال علي عليه السلام: (أخصم أنت؟ قال: نعم، قال: فتحول عنا فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهانا أن نضيف الخصم إلاَّ ومعه خصمه)، فكل ذلك موجب للتسوية، وروي أن علياً خاصم نصرانياً في درع وجده في يده ورافعه إلى شريح فلما حضره جلس إلى جنب شريح وقال: لولا إن خصمي ذمي ما جلست إلاَّ جنبه لكن أمرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن نذلهم ونلقاهم بالصغار أو كلاماً، هذا معناه ومن التسوية بينهما إلاَّ يكلم واحداً منهما إذا حضره بل يخلي حتى ينك ما أو يقول: مالكما، أو ما الذي جاء بكما، ولا يفرد أحدهما بالكلام.
مسألة
قال: ويستحب أن يبدأ بالإستماع من أضعفهما إلاَّ أن يكون القوي هو المستعدي، وهذا إذا كان كل واحد منهما يستدي على صاحبه، فأما إذا كان المستعدي أحدهما فيجب أن يسمع كلام المستعدي قوياً كان أو ضعيفاً وإنما استحب أن يبدأ بالإستماع من أضعفها؛ لأنَّه لا يمكن أن يستمع كلاهما معاً؛ لنه يمنع من تفهم ما يورد أن فلا بد من استماع كلام أحدهما فرأي أن استماع كلام الأضعف أولى؛ لأنَّه يخبر بذلك ضعفه ويكسبه بعض القوة حتى تكون نفسه تقوى على مخاصمة من هو أقوى منه إذ لو ابتدى باستماع كلام الأقوى كان قد زاد هذا ضفعاً وذلك خلاف التسوية فأما إذا كان المستعدي هو الأقوى فلا بد من استماع كلامه وإلا كان ظالماً.
مسألة(128/8)


قال: ويكره أن يقضي وهو غضبان أو جائع شديد الجوع أو مستغل القلب بأمر من الأمور سوى ما هو فيه وذلك لما رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له حين بعثه إلى اليمن: <يا علي لا تقض بين اثنين وأنت غضبان>، وروى غيره أيضاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان>، وعن أبي سعيد الخدري فيما رواه الجصاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يقضي القاضي إلاَّ وهو شبعان ريّان>، فدل ذلك على أن كل ما يشغله ها هو فيه من التأذي بالبول والنعاس والسبع المفرط يجب أن يكون مجانباً له في حال الحكم وعلى هذا إن كان حضور العلماء يورثه الضجر واشتغال القلب نحاهم عن نفسه وإن كان ذلك فالأولى أن يحضروه ليوبهوه على ما يجب تنبيهه عليه من هفوة أو زلة وكذلك للحكم ما لم يلحقه الضجر الشاغل ولفكرة ويتخير له أوقاتاً يعلم أن درعه فيها يكون أخلى؛ ولأن جميع ذلك مما يبلج الخاطر ويفسد الفهم ويمنع عن شدة التميز ويختلط عليه الأمر ويلتبس الحق بالباطل فلذلك وجب للقاضي أن يتوقى في حال قضائه كلما يوجب شغل الفكر واختلاط الأمر.
مسألة
قال: ولا يجوز له أن يقبل الهدايا من الناس فإن قبل كان لبيت مال المسلمين وهذا قد بينا ما ورد فيه في كتاب الزكاة من الآثار؛ ولأنه نهم وجار مجرى الرشوة، وعن علي عليه السلام من طريق زيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: <يا علي لا تقبل هدية مخاصم ولا تضيفه دون خصمه>، وروي: <هدايا الأمراء غلول>، قال أبو العباس الحسني: يجيء على مذهبه من كان يهاديه قبل القضاء يجوز أن يقبل هديته بعد القضاء وكذلك هدية ذي الرحم؛ لأنَّه نع قبولها إذا كانت الهدية لمكان الولاية والهمة والذي ذكرناه لا مسرح فيه لهذه العلة.
مسألة(128/9)

47 / 122
ع
En
A+
A-