قال: وإذا تنصر يهودي أو تيهود نصراني أو مجوسي أقر على ما صار إليه، فإن مات وخلف ورثة على الملك التي انتقل اليهادن ورثته الذين هم على الملة التي انتقل عنها، قد بينا في كتاب الحدود أن اليهودي إذا تنصر أو تمجس خلى بينه وبين ما صار إليه، وهذا معنى قولنا: أقر عليه، وبينا أنَّه لا يجب قتل من بدل دينه إلاَّ أن يبدل الإسلام بالكفر فإذا صح ذلك وصح أن ملل الكفر مختلفة صارت ملته ما انتقل إليها؛ لأنَّه انتقل إلى ملة وجب أن يخلى بينه وبينها وإذا صارت تلك ملته وجب أن نوارثهم ولم يجز أن نوارث أهل الملة التي انتقل عنها؛ لأنها ليست ملة.(127/5)


كتاب القضاء والأحكام
باب القول في أدب القاضي
قال أيده الله: يحتاج أن يكون القاضي عالماً بما يقضي ورعاً في دينه عفيفاً عن أموال المسلمين حليماً وثيق العقل جيد التمييز صليباً في أمر الله، فإن نقص شيء من هذه الخصال كان ناقصاً، اختلفت العلماء في القاضي هل يجب أن يكون عالماً على الإطلاق حتى تكن منزلته منزلة المجتهدين أو يجوز أن يكون مقلداً فيما يحكم ولم يختلفوا في أن الأولى أن يكون عالماً قد بلغ نزلة المجتهدين، وذهب كثير من العلماء إلى أن يكون منزله منزلة المجتهدين وذكر أبو بكر الجصاص في شرح مختصر الطحاوي ما يدل على أنه يجوز أن يكون مقلداً، وذكر الطحاوي في المختصر ا يدل أن محمداً كان يجوز حكم المقلد ولم يصرح يحيى عليه السلام أن كونه عالماً على الحد الذي ذكرنا شرط في صحة قضائه، أم هو على أن يكون ذلك أولى؛ لأنَّه قال: يحتاد أن يكون القاضي عالماً، إلاَّ أنَّه لما قال في آخر الفصل: فإن نقص شيء من هذه الخلال كان ناقصاً، نبه على أنَّه هو ما ذكر من ذلك على سبيل الكمال وعلى انه هو الأولى ولم يجعله شرطاً فيجب أن يدل ذلك على أنَّه يجوز حكم المقلد، والأصل في القضاء قول الله تعالى: {إِنَّآ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ}، وقوله عز وجل: {وَأَن احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ}، وقوله جل جلاله: {يَا دَاوُد إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيْفَةً فِيْ الأَرْضِ}، وروي عن عقبة بن عام قال: جاء خصمان إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: <اقض بينهما يا عقبة، قلت يا رسول الله أقضي بينهما وأنت حاضر؟ قال: اقض بينهما فإن أصبت فلك عشر حسنات وإن أخطأت فلك حسنة واحدة>، وروي أنَّه بعث معاذ إلى اليمن قال: كيف أقضي بينهم؟ قال: <تقضي بينهم بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: ففي سنة رسول الله، قال: فإن لم يكن في سنة النبي؟ قال: اجتهد رابي لا آلوا فضرب(128/1)


صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله>، وروي عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران وإن اجتهد فأخطأ كان له أجر واحد>، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: (أوّل القضاء ما في كتاب الله عز وجل، ثُمَّ ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثُمَّ ما أجمع عليه الصالحون، فإن لم يوجد ذلك في كتاب الله ولا في السنة ولا فيما أجمع عليه الصالحون اجتهد الإمام في ذلك>، لأنا لو احتاطا واعبر وقاسم الأمور بعضها ببعض، فإذا تبين له الحق أمضاه ولقاضي المسلمين في ذلك ما لإمامهم، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن فقلت يا رسول الله تبعثني وأنا شاب لا علم لي بالقضاء، فضرب بيده في صدري ودعى لي فقال: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه ولقه الصواب وبته بالقول الثابت)، فكل ذلك يدل على أن الحاكم يجب أن يكون عالماً بالكتاب والسنة والإجتهاد وإن لم يدل على أن ذلك شرط في صحة قضاؤه، قولنا: إن حكم المقلد جائز؛ لأن التقليد هو طريق من قصر عن الإجتهاد يتوصل به إلى امتثال مراد الله عز وجل منه في فروع الأحكام كما أن الإجتهاد طريق يتوصل به المجتهد إلى امتثال مارد الله عز وجل منه في ذلك وكما أن الوحي طريق يتوصل به النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى امتثال مراد الله عز وجل منه في ذلك فكما جاز للمجتهد أن يحكم بالإجتهاد مع قصور حاله عن حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كذلك ويجوز للمقلد أن يحكم مع قصور حاله عن حال المجتهد؛ لأن كل ذلك هو تكليف من ذكرنا.
فإن قيل: من شأن الحاكم أن يقطع إجتهاد المجتهد، فكيف يقطع التقليد الإجتهاد مع أنَّه دون الإجتهاد وأضعف منه؟(128/2)


قيل له: لا يمتنع ذلك لأنا بالإجتهاد وخبر الواحد نرفع موجب العقل إذ يبيح بهما ما خطره العقل ويخطر بها ما أباحه العقل وإن كان كل وأحد منهما أضعف من موجب العقل وكذلك يخص بكل واحد منهما كتاب الله تعالى، ومن مذهبنا أن نسخ كتاب الله تعالى بخبر الواحد كان جائزاً لولا الإجماع على أن تقليد المقلد يستند إلى اجتهاده في تقليد من تقليده أولى وذلك جهة يغلب في ظنه حكم الحادثة كما أن الإجتهاد يغلب في ظن المجتهد حكم الحادثة فقد استويا من هذا الوجه، وإنما قلنا: أنَّه يجب أن يكون ورعاً؛ لأنَّه لا خلاف فيه؛ لأنَّه شرط العدالة في الشهود وأقل منزلة الحاكم أن يكون بمنزلة الشهود فما يجب أن يرعى في حال الشهود يجب أن يراعى في حالة الحاكم أو الحكام، وقلنا: يجب أن يكو عفيفاً عن أموال المسلمين للتأكيد؛ لأن عامة الحكام تتعلق بالأموال وإلا فالورع يشتمل عليه؛ لأنَّه لا ورع إلاَّ وهو عفيف عن أموال المسلمين، وقلنا: يجب أن يكون حليماً وثيق العقل جيد التمييز؛ لأن بالحلم والعقل وصحة التمييز يمكن التوصل إلى الفرق بين الحق والباطل والصحيح والفاسد؛ لأن من يستفره الغضب والخفة يضطرب عليه رأيه وإذا اضطرب رأيه اختل تبيين اشتبه عنه الحق والباطل، ويؤكد ذلك ما روي عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: <يا علي لا تقض بين اثنين وأنت غضبان؛ ولأن صحة التمييز شرط في العدالة>، وحكي عن بعض المتقدمين أنَّه قال: (كنا نستسقي بمن لا تقبل شهادته أشار إلى أنَّه كان ورعاً ضعيف التمييز)، وقلنا أنَّه يكون صليباً في أمر الله؛ لأن لا يهن ويضعف فيه فيؤدي إلى أن يجتري القوي على الضعيف والشريف على المشروف، وقد قال الله تعالى: {يُجَاهِدُونَ فِيْ سَبِيْلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُوْنَ لَوْمَةَ لاَئِم}، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <إياك والإقراد، قالوا يا رسول الله وما(128/3)


الإقراد؟ قال: يكون أحدهم أميراً وعاملاً فيأتي الأرملة واليتيم والمسكين فيقول اقعد حتى ننظر في حاجتك يتركون مقردين لا تقضى لهم حاجة، ويأتي الرجل الغني أو الشريف يقعده إلى جنبه فيقول: ما حاجتك؟ قال حاجتي كذا وكذا، فيقول: اقضوا حاجته وعجلوا بها>، وإذا كان الرجل صليباً في أمر الله أمنت هذه الأحوال من جنته فمتى استكمل هذه الخلاف كان كاملاً وإن نقص منها شيء كان ناقصاً، قال: ويجب على القاضي أن يتعاهد من تقدم إليه من البلدان فيفصل أمره ولا يطيل احتباسه، وذلك أن الضرر عليهم في ذلك يكثر؛ لأن الغريب ليس كالقاطن فيما يلزمه من المون فلذلك خصه، والحاكم منصوب لدفع الضرر والأذى عن الناس فيلزمه أن يتوقا ما يدخل الضرر عليهم على أن فصل أمر القاضي أيضاً مما يجب ولا يجوز فيه تأخير إلاَّ أن الغريب أولى بذلك لئلا يعظم ضرره فإن كان الغريب ممن لا ضرر عليه في المقام لا في أهله ولا في حسب هو سوى بينه وبين القاطن بالتقديم والتأخير بت.
مسألة(128/4)

46 / 122
ع
En
A+
A-