مسألة (المكاتب)
قال: والمكاتب يرث ويورث على قدر ما أدَّى من مال الكتابة وهذا مما بيناه في كتاب العتق وبينا فيه أنَّه يسر في باب الإرث والدية والحد في حكم الحد في مقدار ما أدَّى وذكرنا فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <إذا أصاب المكاتب ميراثاً أو حداً فإنه يرث على مقدار ما عتق منه ويقام عليه الحد بمقدار [بقدر] ما أعتق منه>، وما روي من قوله: <يود المكاتب بحصته ما أدَّى دية حر وما بقي دية عبد واستوفينا الكلام فيه ولا معنى لإعادته.(126/4)


(الكلام في الملل المختلفة)
مسألة
قال ولا يرث الكفار أحد من المسلمين ولا المسلمون يرثون أحداً م الكفار إلاَّ لمرتد فإن ميراثه لورثته من المسلمين؛ لا خلاف بين المسلمين في أن الكفار لا يرث المسلم، والمسألة وفاق واختلفوا في المسلم هل يرث أهل الذمة؟ فذهب الإمامية والناصر إلى أن المسلم يرث الذمي وروى ذلك عن معاذ ومعوية، وذهب سائر العلماء إلى أن المسلم لا يرث الذمي والأصل فيه ما ذكرناه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم>.
فإن قيل: روي عن معاذ قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <الإسلام يزيد ولا ينقص نرثهم ولا يرثوننا>، وروي: <الإسلام يعلو ولا يعلا>.
قيل له: قوله يزيد ولا ينقص ويعلوا ولا يعلى لا يدل على استحقاق الإرث، ألا ترى أنا قد نخلي بين الكفار وبين كثير من الأحوال الدنيا كنكاح الأخوات والبنات وليس الحرير وما جرى مجراه ونمنع منه المسلمين ولا يدل هذا على أن الإسلام نقص منهم وكذلك نحد المسلم على شرب الخمر وإتيان الأمهات والأخوات ولا نحدهم، فإذا كان ذلك كذلك لم يكن في منع الإرث نقص كما ذكرنا بل ذلك أرفع الإسلام؛ لأن فيه قطع الولاية للإسلام ممن ليس بسلم، فأما قوله نرثه مولاه يرثوننا يجوز أن يكون المراد به المرتد ليكون ذلك استعمالاً للأخبار كلها ولا نكون تركنا المشهور من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا توارث بين أهل ملتين>، وقوله: <لا يرث المسلم الكافر>، على أن قطع الموارثة لو كان نقصاً لوجب أن يوارث الحربي.
فإن قيل: لا يرثوننا ونرثهم كما لا ينكحون إلينا وننكح إليهم.
قيل له: لسنا نجوز للمسلمين نكاح الذميات فبطل هذا السؤال على أن النكاح لم يوضع على الإرث؛ لأن القاتل ينكح امرأة المقتول ولا يرث ماله وكذلك العبد ينكح ولا يرث.
ميراث المرتد:(127/1)


فأما المرتد فقد اختلف العلماء في ميراثه فذهب أبو حنيفة إلى أن ما اكتسبه قبل الرد ورثه ورثته المسلمون وما اكتسب بعد الردة كان لبيت المال وأبو يوسف ومحمد لم يفصلا بين ما اكتسبه قبل حال الردة وبعدها، وقالا: هو يورثه وبه قال يحيى بن الحسين عليه السلام؛ لأنَّه أطلق القول في ذلك ولم يخص، قال الشافعي: ما اكتسبه قبل الردة وبعدها هو في بيت مال المسلمين، قلنا: أن ميراثه لورثته من المسلمين لعموم قوله عز وجل: {يُوصِيْكُمُ اللَّهُ فِيْ أَوْلاَدِكُمْ}. وسائر آيات المواريث، ولما روي عن علي عليه السلام أنَّه قتل المستورد العجلي حين ارتد وجعل ميراثه لورثته من المسلمين.
فإن قيل: يخصه حديث أسامة لا يرث السلم الكافر.
قيل له: أما الحديث لا يتوارث أهل ملتين له ولا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم فهو منع توارث أهل الملك المختلفة، ولا خلاف أنَّه لا ملة للمرتد وأنه ليس من أهل الملك يبين ذلك أن المرتد لا يرث من أهل الدين الذي انتقل إليه.
فإن قيل: فقد روي مطلقاًً من غير ذكر الملة.(127/2)


قيل له: هو خبر واحد سامه بعض من رواه على وجه وحذف البعض على أن تخصيصه بالقرآن ألوى من تخصيص القرآن به؛ لأن تخصيص الأضعف بالأقوى أولى وجميع آيات المواريث توجب ما ذهبنا إليه وأيضاً ورثته قد ساووا المسلمين في الإسلام وحصل لهم مزية الرحم أو السبب فكانوا أولى من سائر المسلمين كما قلنا ذلك في ذوي الأرحام وكما أجمعوا عليه في الأخ من الأب والأم أنَّه أولى من الأخ للأب؛ لأنَّه حصل له سببان فكان أولى ممن حصل له سبب واحد، وأيضاً وجدنا المرتد ينتظر بماله الموت وما يجري مجرى الموت من القتل أو للحوق بدار الحرب؛ فوجب أن يكون له مال لورثته دليله مال المسلم ومال الذمي وعكسه مال الحربي ومال الوثني ويشهد لذلك مال الزاني الذي يجب به ومال من يلزمه القصاص وذلك القول هو المشهور عن علي وعبدالله وأبي بكر وعمر، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنَّه كان ليستتيب المرتد ثلاثاً فإن تاب وإلا قتله وقسم ميراثه بين ورثته من المسلمين، فعم ولم يخص ما اكتسبه في حال الردة فأما روي عن أبي بكر أنَّه غنم أموال أهل الردة فوجه أنَّه صارت لهم منعة صاروا بمنزلة أهل الحرب وكذلك نسبي ذراريهم وأما أبو حنيفة فيقال له لا خلاف أن المرتد لو رجع إلى الإسلام لكان ما اكتسبه قبل الردة أو في حال الردة يكن أجمع ماله وملكه، فكذلك إذا قتل يجب أن يكون حكم الحالين حكماً واحداً وتحرير العلة فيه أن يقال هو مال لو أسلم وعليه ورجع عن الردة كان كما له فوجب أن يكن إذا مات أو قتل لورثته دليله ما اكتسبه قبل حال الردة ويشهد له أولاد المرتد؛ لأه لا يسئ منهم م ولد قبل ردته ولا في حال ردته بل حكمهم حكم واحد، فكذلك لا يغنم من ماله إلا ما اكتسبه قبل الردة ولا ما اكتسبه في حال الردة ويكشف ما قلناه في ذلك أنَّه إذا ظفر بمال الحربي لا يرجع إليه إن أسلم كما يرجع مال المرتد إليه الذي هو مكتسب في حال الردة.
فصل:(127/3)


والذي يجيء على مذهب يحي أن ديون المرتد ووصاياه منفذ مما اكتسبه قبل الردة وفي حال الردة وبه قال أبو يوسف ومحمد، قال أبو حنيفة وزفر لا يقضى بشيء من ذلك مما اكتسبه في حال الردة؛ لأنَّه فيّ وقد دللنا على أنَّه ماله دانه ليس بفيء؛ فوجب أن تقتضي منه ديونه وتنفذ وصاياه ويقال للشافعي في أصل المسألة ولأبي حنيفة فيما خالفانا أن مال المرتد إن استحقه لبيت المال لم يخلا استحقاق من إن يكون على سبيل الغنيمة أو على سبيل الإرث ولا يجوز أن يستحقه على سبيل الغنيمة؛ لأنَّه لو كان مستحقاً على سبيل الغنيمة لم ينتظر موته؛ لأن سائر ما يغنم متى ظفر به كان غنيمة ولا يعبر فيه موت المالك الأول ولا حياته ولو كان يستحقه على سبيل الإرث كان لا يجوز أن يستحقه وهناك ذوو السهام وعصبات فبطل أن يستحقه بيت المال.
مسألة
قال: ولا توارث بين اليهود والنصارى ولا بين اليهود والمجوس ولا بين النصارى والمجوس ولا بينهم وبين عبدة النجوم؛ لأن مللهم مختلفة ولا توارث بين أهل ملتين مختلفتين والأصل فيه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا توارث بين أهل ملتين>، إلاَّ أن كثيراً من العلماء ذهبوا إلى أن الكفر كله ملة واحدة ونحن قد استقصينا الكلام في أن الكفر ملل مختلفة في كتاب النكاح وذكرنا فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: <لا تقبل شهادة ملة على ملة إلاَّ ملة الإسلام فإن شهادة المسلمين جائزة على أهل الملل>، وبينا أن ذلك يوجب أن تكون ثلاث ملل؛ لأن أقل الجمع ثلاثة فيقتضي أن الكفر أكثر من ملة واحدة وبينا فيه أيضاً أن اسم الملة يتناول الشريعة وأن شرائعهم مختلفة فوجب أن تكن مللهم مختلفة واستقصينا الكلام فيه استقصاء شافياً لا وجه لإعادته فوجب أن تكون مللهم مختلفة واستقصينا الكلام فيه استقصاء شافياً لا وجه لإعادته.
مسألة(127/4)

45 / 122
ع
En
A+
A-