قال: وقد يحجب الوارث منهم نفسه بنفسه ومثاله ما ذكر يحيى في مجوسي أولد ابنتين فماتت إحدى الابنتين بعد أبيها وخلفت أختها لأبيها وأمها التي هي أختها من أبيها فلأختها من أبيها وأمها النصف ولأختها من أبيها التي هي أمها السدس تكملة الثلثين ولها السدس دون الثلث؛ لأنها حجبت نفسا بنفسها مع بنتها التي هي أخت المتوفاة لأبيها وأمها، وهذا ما لا خلاف فيه بين القائلين بتوريثهم من وجهين لما بيناه من أن القرابتين في الحكم كالشخصين فكأنه هذه المرأة تركت أختين إحداهما لأبيها وأمها والأخرى لأبيها وتركت أمها.
فإن قيل: إن الله تعالى حجبها عن الثلث بغيرها فكيف حجبتموها بنفسها؟(125/3)


قيل له: لسنا نسلم أن الله تعالى لم يحجبها عن الثلث بغيرها، وإن حجبها في مواضيع بغيرها؛ لأن الله حجبها بالأخوة وهي إذا كانت أختاً فقد حصل لها الاسم الموجب للحجب على أن النص وإن ورد بحجبها بغيرها فلنا أن نقيسها على الغير إذا ثبت أن نفسها في الحكم كأنها نفسان فما الذي يمنع من ذلك، قال: ويحكم بين أهل الذمة في المواريث وغيرها بأحكامنا وذلك لقول الله تعالى: {فَإِنْ جَاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}، إلى قوله: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ}، بينهم بالقسط والحكم بالقسط هو إحكام المسلمين، ولقوله: {وَأَنِ احْكُمْْ بَيْنَهُمْ بَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}، وذلك هو حكم الإسلام الذي أنزل الله على نبيه ولئن كل ما خالف حكم الإسلام من أحكام أهل الذمة وسائر المشركين باطل؛ لأنَّه إما أن يكون وضع في الأصل باطلاً من جهة رؤسائهم أو يكون حكماً صحيحاً قد نسخ بشريعتنا والمنسوخ باطل لا يجوز الحكم به فثبت أنَّه لا يجوز أن يحكم فيه فيهم إلاَّ بأحكامنا، وأما قوله عز وجل: {وَإِنْ حَكَمْتَ بَيْنَهُمْ}، فالمراد به والله أعلم أنهم إن ترافعوا إليك؛ لأنَّه ليس يلزمنا أن نتبعهم فيما لم يترافعوا إلينا وإنما نحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا لقوله عز وجل: {فَإِنْ جَاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ}، وقوله: {أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}، معناه والله أعلم أن لم يترافعوا إليك ويؤكد ذلك أن الله تعالى قد ذم من لم يحكم بما أنزل الله بقوله عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُلَئِكَ هُمُ الكَافِرُوْنَ}، والظالمون والفاسقون على أني لا أحفظ في المسألة خلافاً.(125/4)


باب القول في الذين لا توارث بينهم
لا يرث قاتل العمد من المقتول شيئاً ويرث قاتل الخطأ من مال المقتول دون ديته؛ لا خلاف بين المسلمين أن قاتل العمد على وجه المعصية لا يرث لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <لا ميراث لقاتل>، ولا خلاف أيضاً أعرفه أن القاتل عمداً كان أو خطأً لا يرث من دية المقتول، فأما المال فقد اختلفوا فيه فذهب أبو حنيفة وأصحابه والشافعي الثوري وعامة الفقهاء العلماء إلى أنهلا يرث منه كقاتل العمد، وذهب مالك إلى أنَّه لا يرث الدية مثل قولنا وبه قال الأوزاعي والحجة فيه الحديث الذي رواه داود القطبي بإسناده عن محمد بن سعيد الطائي، وليس هو محمد بن سعيد الشامي إذ الشامي قيل أنَّه كان ملحداً وأنه صلب ويعرف بالمصلوب، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام يوم فتح مكة فقال: <لا توارث بين أهل ملتين والمرأة ترث من دية زوجها ومال وهو يرث من ديتها ومالها ما لم يقتل أحدهما صاحبه عمداً، فإن قتل أحدهما صاحبه عمداً لم يرث من ديته وماله شيئاً وإن قتله خطأ ورث ماله ماله ولم يرث من ديته>، فما ذهبنا إليه هو الذي صرح به النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فإن قيل: روي عن علي رواه حلاس أن رجلاً رمى بحجراً فأصاب أمه فقتلها فغرمه علي عليه السلام الدية ونفاه من الميراث وقال: (إنما حظك من ميراثها الحجر).
قيل له: يجوز أن يكون الرجل تعمد رميها بالحجر والحجر ما تقتل مثله غالباً ومثله عندنا يوجب القود ولا يمتنع أن يكون عدل به عن القود على سبيل المراضاة لسائر الورثة فمنعه الميراث أنَّما كان؛ لأنَّه كان قاتل عمد، ويدل على ذلك أنَّه غرمه الدية ولو كان القتل خطأ لزمت الدية العاقلة.
فإن قيل: روي أن رجلاً حذف ابنه بالسيف فأصاب رجله فقتله فغرمه عمر الدية مغلظة ونفاه من الميراث وجعل ميراثه لأخيه وأمه.(126/1)


قيل له: هذا كان عمداً، فكذلك أسقط ميراثه ووجه رد القود أنَّه كان أبا وعندنا أن الأب لا يقتل بالابن، وروى الناصر بإسناده، عن علي عليه السلام في رجل قتل ابنه قال: إن كان خطأ ورث وإن كان عمداً لم يرث ويقال لأبي حنيفة عندك أن الصبي والمجنون إذا قتلا لم يجر ما الميراث، حكى ذلك عنه الطحاوي في اختلاف الفقهاء فكذلك قاتل الخطأ والعلة أن القتل كان خطأ أو أن القتل وقع معرى من المآثم فكل قتل وقع من المآثم لم يجرم القاتل الميراث فيجعل ذلك أصلاً ويقاس عليه ما اختلفنا فيه بعلة تعري القتل عن الإثم وأصحاب الشافعي ربما عللوا منع القاتل الميراث بالتهمة في التوصل إلى تعجل الإرث وذلك بعيد؛ لأنهم يحرمون الميراث حيث تبعد التهمة؛ لأن الأب لو قتل خطأ ابنه الصغير الذي ليسله من الإرث إلاَّ اليسير منعوه الإرث فلا نتوجه التهمة أنَّه قتل ابنه لإرث يسير مثله لأبويه له مع الغنى وكثرة المال الذي يكون للأب على أن موضوع الإرث ليس أنَّه ممنوع عنه للتهمة كدرء الحدود أو الشهادة فلا وجه لما قالوه والصحيح ما نعلله به من أنَّه على سبيل العقوبة فلا يجب أن يحرم الابن حصل منه القتل على وجه يقتضي التآثم، وذلك أنا وجدنا المرتد يحرم الميراث على وجه العقوبة بدلالة أنه إذا ارتد حرم وإذا تاب منه عاد الإستحقاق، وبمثله يعرف أن الشيء على طريق العقوبة فإذا ثبت أن للعقوبة مدخلاً في المنع من الميراث صار ما عللناه به أولى فأما الدية فحرمناها للإجماع والنص؛ ولأنا لو لم نفعل كنا جعلنا الجناية سبباً للغنم وذلك خلاف موضوع الشرع، ألا ترى أنه لو ورثها لكان قد غنم بالجنائي؛ لأنَّه لو لم يجن لم يصل إلى الدية.
مسألة(126/2)


ولا توارث بني الأحرار والمماليك وهذا مما لا أحفظ فيه خلافاً؛ ولأن العبد عندنا لا يملك فلا يجوز أن يورث ولا يجوز أيضاً أن يرث؛ لأنَّه ممن لا يستقر له ملك فلو ورث لكان المولى هو الذي يرث ولا يصح أن يرث من ليس بينه وبينه رحم ولا سبب، قال: وإن مات الحر وله ابن مملوك واعتق قبل أن يحاز المال ورثه وهذا المراد به إذا لم يخلف وارثاً سواه وكان المال جهته بيت المال وقد بين ذلك يحيى في الأحكام، ووجهه أن المال إذا لم يحز وأعتق المملوك كان هو كواحد من المسلمين يتعلق حقه بذلك وتحصل له مزية الرحم فيجب أن يكون هو أولى بمال الميت من سائر المسلمين؛ لأنَّه واحد منهم وقد تعلق حقه به وحصلت له مزية الرحم، فوجب أن يكون المال دون بيت المال ومثل هذا نقول في المسلم إذا وجد في غنائم المشركين ماله بعينه أنَّه يكون أولى به قبل القسمة؛ لأنَّه واحد من المسلمين وتحصل له مزية الملك فأما إذا كان له وارث سواه فإنه لا يستحق شيئاً إذا اعتق بعد موته؛ لأنَّه إذا مات صار المال ملكاً للوارث وبهذا قال في نصراني أسلم بعد موت أبيه المسلم بساعة لا حق له في الميراث؛ لأن الميراث يصير ملكاً لغيره من الورثة ساعة موت الميت وذكر يحيى بن الحسي في الأحكام أنَّه روى عن أمير المؤمنين عليه السلام في مثله أنَّه اشتراه بمال الميت ثُمَّ أعتقه وورثه باقي المال.
مسألة
قال: وإذا أعتق نصف المملوك ثُمَّ مات كان نصف المال لمولاه ونصفه لورثته وإن مات له قريب حر ورث نصف نصيبه لو كان حراً وهذا له أحد الوجهين إما أن يكون أراد به المكاتب الذي أدَّى نصف كتابته؛ لأن حكمه في باب الإرث وغيره يكون حكم من عتق نصفه وإن كان هو في الحقيقة عنده مملوكاً أو يكون حكم من عتق نصفه وإن كان و في الحقيقة عنده مملوكاً أو يكون أراد يبين الحكم على قول من يجوز أن يكون نصف العبد حراً ونصفه مملوكاً؛ لأن ذلك لا يصح على مذهبه على ما بيناه في كتاب العتق.(126/3)

44 / 122
ع
En
A+
A-