فإن قيل: لو أن رجلاً أقر أن عليه لصاحبه عشرة دراهم من ثمن هذا الثوب الذي في يد صاحبه لم يستحقها إن لم يسلم الثواب.
قيل له: ليس هذا عروضاً لما قلناه؛ لأن إقراره تضمن ثبوت المال عليه على وجه يكون عوضاً للثوب فلا يسلم ذلك إلاَّ بتسليمه الثوب العوض وليس كذلك الإقرار بالأخ؛ لأنَّه لا يتضمن عوضاً للمال الذي يجب أن يقاسمه وهذا عندي فيه بعض النظر أنَّه لا يبعد أن يقال أن الإقرار بالعشرة يثبت دون الثوب؛ لأنَّه يجوز أن تكون العشرة لزمنه من ثمن ذلك الثوب بأن كان قد قبض الثوب ثُمَّ عاد إلى يد البائع فيسقط هذا السؤال وإلى الجواب الذي اخترته، أشار يحيى في الفنون.
مسألة
قال: فإن كان المقر له يحجب المقر حجبه وأخذ كل ما في يده وهذا ما لا خلاف فيه بين الذين أوجبوا المقاسمة؛ لأنَّه مقر أن ما في يده للمقر له وأنه لا حق له فيه، قال: فإن كان يشاركه شاركه فيما في يده ومثاله أن يكون رجل مات وترك أخوين لأب وأم فأقر أحدهما بأخ لهما في ميراثهما فللمنكر النصف وللأخ المقر له السدس سدس المال، قال أبو حنيفة وأصحابه: يقاسم المقر المقر له بنصف ما في يده، ما ذهبنا إليه قال به ابن أبي ليلى وعبيد الله بن الحسن، ووجه ما ذهبنا إليه أن المقر أقر أن له ثلثاً شائعاً في جميع المال فوجب أن لا يلزم إلاَّ ثلث ما في يده وهو سدس جميع المال؛ لأن ذلك القدر هو الذي تناوله الإقرار، ألا ترى أنَّه لو أقر لآخر أنَّه أوصى له بثلث المال لم يلزمه إلاَّ ثلث ما في يده؛ لأنَّه أقر له بثلث شائع في جميع المال، فكذلك ما اختلفنا فيه.
فإن قيل: أنَّه أقر أنَّه مثله في إسحاق ما يستحقه فوجب أن يسلم إليه نصف ما في يده.(124/2)


قيل له: إقراره بأنه مثله إقرار بالنسب وذلك لم يثبت وإنما الإقرار الذي حكمنا بصحته هو الإقرار بما بيناه وهو مثل الإقرار بالوصية؛ لأنَّه إقرار بثلث شائع في جميع المال فوجب أن لا يقضى عليه إلاَّ بذلك، روى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام في رجل يموت وخلف ابنين فيقر أحدهما بأخ له قال: (يستوفي الذي أقر حقه ويدفع الفضل)، وهذا نصا ذهبنا إليه، وليس يحفظ عن الصحابة خلافه، قال: فإن كانت المسألة بحالها وأقر أحد الأخوين بابن الميت كان نصف المال للأخ المنكر والنصف الباقي للمقر له وليس للأخ المقر شيء وقد مضى وجهه وهو أنَّه يقر أنَّه لا حق له فيما في يده وأنه للمقر له.
مسألة(124/3)


قال: وابن الملاعنة لا يرث الملاعن وعصبته عصبة أمه يرثونه ويعقلون عنه، لا خلاف أنَّه لا يوارث الملاعن؛ لأن اللعان قد قطع ما بينهما من النسب فيسقط التوارث بينهما فأما موارثته لأمه وقرابة أمه فقد أجمعوا على حملها واختلفوا في كيفيتها، والمشهور عن علي عليه السلام مما رواه محمد بن منصور بإسناده، عن ابن أ[ي ليلى، عن الشعبي، عن علي عليه السلام في ميراث ابن الملاعنة قال: (ميراثه لأمه إن لم يكن غيرها، فإن كان معها أخوة أو زوج أو امرأة أعطي كل وارث الذي سمي له، فإن فضل من الميراث شيء رده على أمه وعلى الورثة إلاَّ الزوج والمرأة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وروي نحوه عن زيد بن ثابت إلاَّ في الرد وبه قال الشافعي، وعمل أبو العباس الحسني قول يحيى رضي الله عنهما؛ عصبة عصبة أمه على ما روي عن علي عليه السلام، المراد به صعبة أمه إذا لم يكن غيرها وهو الصَّحيح عندي ويحتمل أن يكون المراد به الموالي إذا كانت أمه لها ولا وذلك مما لا خلاف فيه فظاهر ا قاله يحيى بن الحسين مروي عن عبد الله بن مسعود وغيره من علماء التابعين، وروى ذلك أيضاً عن علي والمشهور ما ذكرناه أولاً وعن ابن عباس مثل قول عبد الله وربما قاسوا سائر عصبتها على مواليها وهذا ضعيف؛ لأن حكم عصبها لو كان كذلك لوجب قديمهم على الموالي؛ لأن سائر العصبات أولى منهم وذلك خلاف الإجماع؛ لأنَّ الموالي لا خلاف أنهم أولى من سائر عصبات الأم والصحيح ما ذكرناه؛ لأنَّه بمنزلة ولد الزنا في أنَّه لا موارثة بينه وبين أبيه وأقرباء أبيه وأن مواريثه مقصورة على أمه ولا خلاف فإن حكمه موارثة أمه ما ذكرنا فكذلك ابن الملاعنة فعلى هذا يجب أن يجري الباب فيه.(124/4)


مسألة في ميراث المجوس لعنهم الله
المجوس يرث بعضهم من بعض من جهة الأنساب من وجهين ولا يرثون من جهة الزوجية إلاَّ إذا كان النكاح صحيحاً، أختلف العلماء من الصحابة وغيرهم في تورثهم من وجهين؛ فذهب علي وعمر إلى توريثهم من وجهين واختلفت الرواية عن ابن مسعود فروي عنه التوريث من وجهين، وروى التوريث بأقرب النسبين وبه قال الشافعي، قال أبو حنيفة وأصحابه مثل قولا عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنَّه كان يورث المجوس بالقرابة من وجهين ولا يورثهم بنكاح ولا تحل في الإسلام، قال يحيى بن الحسين وتفسيره ذلك أن مجوسياً وثب على ابنته فأولدها ثلاث بنات ثُمَّ مات فورث البنات الأربع الثلثين والباقي للعصبة ثُمَّ ماتت إحدى البنات الثلاث وتركت أخيها لأبيها وأمها وهي أختها لأبيها فللأم السدس ولأختيها لأبيها وأمها الثلثان فإن ماتت إحدى الابنتين الباقيتين فلأختها لأبيها وأمها النصف ولأختها لأبيها التي هي الأم السدس تكملة الثلثين ولها أيضاً السدس؛ لأنها أمها فقد ورثت من وجهين وحدبت نفسها بنفسها عن الثلث إلى السدس؛ لأنا أخت ثانية للميت، قال: وكذلك لو وثب مجوسي على ابنته فأولدها ابناً ثُمَّ مات الابن بعد أبيه كان لأمه الثلث؛ لأنها أمه ولها أيضاً النصف؛ لأنها أخته من أبيه فقد ورثت من وجهين، فإن كان له عصبة ورث الباقي وهو السدس فإن لم يكن رجع عليها الباقي على سبيل الرد وعند الشافعي لها الثلث بالأمومية ولا شيء لها؛ لأنَّها أخت؛ لأن نسب الأم أقوى؛ لأنَّها لا تسقط بحال، ووجه ما ذهبنا إليه أنَّه لا خلاف بيننا وبينهم في ابني عم إذا كان أحدهما أخ لأم أنَّه يأخذ السدس؛ لأنَّه أخ لأم ويأخذ النصف الباقي؛ لأنَّه ابن عم وكذلك إذا أخلفت المرأة زوجاً وهو ابن العم يأخذ النصف؛ لأنَّه زوج ويأخذ الباقي؛ لأنَّه ابن العم وكذلك المعتق إذا أعتق جارية ثُمَّ تزوج بها ثُمَّ ماتت فله النصف بالزوجية والنصف الباقي(125/1)


بالولاء فصح بما ذكرناه أن القرابتين والسببين بمنزلة الشخصين، فكذلك يجب أن يكون حكم المجوسي في هذا الكتاب.
فإن قيل: وجدنا الأخت لأب وأم لا ترث من جهتين؛ لأنها لا ترث مورث الأخت من الأم.
قيل له: لأن الإرث يتعلق بالنسب والقراب أو بالسبب لا بجهات النسب والأخت من الأب والأم ليس لها إلاَّ نسب واحد وقرابة واحدة فلم تؤثر فيها الجهات، ألا ترى أن ابني العم لما كان أحدهما أخاً لأم ورث من جهتين لما حصلت له قرابتان فكذلك ما اختلفنا فيه وليبس يؤثر فيما قلناه أن ابن العم الذي هو أخ لأم يأخذ أحد النصيبين غير مقدر وهو نصيب التعصيب؛ لأن المقدر وغير المقر في هذا سواء وربما قالوا: إن الله غز وجل لا يجعل الحرام طريقاً إلى القرابتين فثبت بذلك أن فرض المجوس لم يؤخذ من طريق الاسم وهذا بعيد لا يقوله م يفهم؛ لأنَّه إذا جاز أن يجعل الله عز وجل طريقاً إلى القرابة الواحدة جاز أن يجعله طريقاً إلى قرابتين فما الذي يمنع فوضح سقوط التعلق به المخالف، وقلنا: أن النكاح لا يورث به إلاَّ أن يكون صحيحاً وهو الذي لو أسلما أقر عليه في الإسلام؛ لأنَّه لا خلاف فيه فيما أحفظ، ولأن الزوجية بينهما غير ثابتة إذ هي باطلة وإن خلينا بينهم وبينها للعهد والذمة كما يخلى بينهم وبين سائر الأنكحة المحظورات التي هي في مداهم مباحة وإذا بطل التزويج لم يقع التوارث به دليله سائر الأنكحة الفاسدة بين المسلمين وقد ذكرنا ما رواه زيد بنعلي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنَّه كان لا يورثهم بنكاح لا يحل في الإسلام، وحكى ابن أبي هريرة، عن أبي شريح أنَّه قال: إذا كانت أخته زوجته ورثناها بأنها زوجة؛ لأن الأخت قد سقط في الإرث والزوجة لا تسقط بحال، قال ابن أبي هريرة: وهذا خلاف ما أجمع عليه أهل الفرائض؛ فوجب أن يكون قول ابن شريح ساقطاً، ووضح أن ما ذكرناه هو الإجماع.
مسألة(125/2)

43 / 122
ع
En
A+
A-