فأما المسائل التي ذكرها يحيى فالأولى أنَّه قتال في أخوين غرقا معاً ولم يدر أيهما مات أولاً وخلف كل واحد منهم ابنتين العمل في ذلك أن تميت أحدهما وتحيي الآخر فالذي أمته ترك ابنتين وأخاً فللبنتين الثلثان وما بقي فللأخ، ثُمَّ أمتهما جميعاً وورث ورثة كل واحد منهما ما في يده من ماله وميراثه من أخيه، ويكشف ذلك بأن تقدر أن الأكبر مات عن ثلاثة دنانير ولأخيه الميت ديناراً، ثُمَّ تقدر أن الأصغر مات أولاً فلابنته درهمان ولأخيه درهم، ثُمَّ تقدر أنهما ماتا جميعاً فيكون لابنتي الأكبر صاحب الدنانير ديناران ودرهم ولابنتي الأصغر صاحب الدراهم درهمان ودينار، والمسألة الثانية ولو أن مول مات هو ومولاه غرقاً ولم يدر أيهما مات أولاً وترك كل واحد منهما معاً ابنتين فإنك تميت المعتق أولاً فلابنتيه الثلثان ولمولاه المعتق الثلث، ثُمَّ متهما معاً فلابنتي المعتق الثلثان من مال أبيهما والثلثان من الثلث الذي ورثه من عبده المعتق والباقي للعصبة إن كان عصبة وإن لم يكن عصبة رد عليهما ولابنتي العبد الثلثان من مال أبيهما فقط؛ لأن العبد المعتق لا يرث من مال مولاه المعتق شيئاً، والمسألة الثالثة: قال: فإن كانت المسألة بحالها وكان مع ابنتي المعتق أخوهما فلابنتي العبد الثلثان على كل حال من مال أبيهما العبد وفي حال ما يكون السيد مات أولاً الثلث الباقي لابن السيد دون ابنتيه وفي حال ما يكون السيد مات أولاً الثلث الباقي لابن السيد دون ابنتيه، وفي حال ما يكن العبد مات أولاًً يكون لابنتيه الثلثان وليسده الباقي وهو الثلث ثُمَّ يكون الثلث لابنه وابنتيه على أربعة أسهم للذكر مثل حظ الأنثيين.(122/8)
اعلم: أنَّه عني بقوله لابن المعتق المولى الثلث إن كان مات أبوه أولاً ثُمَّ مات العبد على تقدير أنَّه قد علم ذلك أو صح بالبينة وهو في ذلك خارج عن تقدير ميراث الغرقى وتوريث بعضهم من بعض، وأما إذا التبس فالجواب ما ذكره أخيراً من أن الثلث من تركة العبد بين أولاد السيد للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأنا قد بينا في صدر هذه المسألة أن الأمانية تكون مرتين مرة مرة واحداً بعد واحد مرة حين يماتان معاً، والقول الذي نقول فيه أن الثلث لابن المعتق يؤدي إلى أن تكون الإماتة ثلاثاً ويؤدي إلى أن يكون التوريث على الأحوال؛ وذلك على أن المراد به إذا ارتفع اللبس وذهب بعض المتأخرين من أصحاب أبي حنيفة إلى توريث الغرقى بعضهم من بعض على أصح الأحوال في القياس؛ لأنا لا نتحقق أيهم مات أولاً فنقول: أنَّه في حال يرث وفي حال لا يرث ويجعل له نصف الإرث كمال نقول ذلك في العبدين إذا أعتق أحدهما والتبس، وكما نقول: في الخنثى وهذا وإن كان صحيحاً من جهة القياس فهو قول ساقط بالإجماع؛ لأن المسلمين أحد رجلين رجل لا يرى توريث الغرقى وبعضهم من بعض فهذا القول عنده باطل، ورجل يرى توريث بعضهم من بعض فيسلك في العمل الطريقة التي ذكرنا ولا يقول بريقه الأحوال ويرى أنها غير صحيحة؛ فوجب سقوطه بالإجماع وثبت أن الطريقة في عمله ما قدمنا ذكره لإطباق القائلين بالتوريث عليها.
مسألة
قال: وإن مات الرجل وترك حملاً فاستعجل الورثة للقسمة فينبغي أن يتركوا نصيب أربعة ذكور ثُمَّ يقسموا ما بقي فإذا وضعت المرأة صححوا القسمة على حسب ما يضع؛ ووجهه أن حمل أربعة قد يتفقوا في مجرى العادات واختار أن يؤخذ أنصباؤهم للإحتياط، فيكون في مسألة يفضل فيها الذكور على الإناث وإن كان في مسألة يستوي فيها الذكور والإناث تركوا نصيب أربعة ولم يشترط فيها الذكور.
فإن قيل: فهلا ترك أكثر م ذلك فإنه يحتمل في قدرة الله عز وجل أن تحمل المرأة بخمسة أو أكثر.(122/9)
قيل له: رأي هو أن ذلك لم يتفق ولم يعرف فلم يحمل الحكم عليه على أن أحداً فيما بلغنا لم يقل بذلك؛ فوجب سقوطه.
مسألة
والمفقود لا يورث ماله ولا تتزوج امرأتين حتى يضح الخبر بموته، وهذا قد مضى الكلام فيه في الكتاب النكاح.
مسألة
قال: فإن اقتسم الورثة ماله بخبر ورد عليهم بموته ثُمَّ انكشف أن الخبر كان كذباً رد كل واحد منهم ما أخذ وكذلك إن كانت امرأته تزوجت بطل النكاح وكان الرجل الذي لم يثبت خبر موته أولى بالنكاح، كذلك إن كان ورثته ورثوا مملوكاً واعتقوه رد في الرق؛ وهذه الجملة لا خلاف فيها؛ لأن النكاح كان ثاباً ولم يعرض ما يزيله ولأن الورثة لا يملكون ماله إلاَّ بموته فإذا لم يكن موت فهو على ملكه.(122/10)
فصل (ذكر في باب المفقود):
في كتاب النكاح من الأحكام أن امرأته لا تتزوج حتى تعلم خبر موته وتوقن يقيناً بموته، فإن أخطأت وتزوجت على أنَّه قد مات وكان ذلك الخبر بلغها، وقال في كتاب الفرائض من الأحكام: لا يقسم ماله ولا يورث حتى يعلم خبره فإن جهل الورثة أو أتاهم خبره فصرح أن موته لا يثبت إلاَّ باليقين والعلم وذلك لا يكون إلاَّ بأحد الوجهين: إما أن يعلم ذلك بخبر يوجب العلم أو بينة توجب الشريعة قبولها، فأما بخبر لا يوجب العلم فليس يجوز أن يحكم بذلك وقد نبه على ذلك بقوله: فإن أخطأت فتزوجت الخبر كان بلغها من وقاته فبين أن التزويج قد يرد خطأ لا يجوز، وقال: فإن جهل الورثة وأتاهم خبر فكان كذباً فتبين أيضاً أن العمل على الخبر جهل ولا شك أن المراد به إذا لم يوجب العلم ولا يكون شهادة يقتضيها الشرع؛ ووجهه أن تلك حقوق متعلق بالمفقود لا يجوز قطعها إلاَّ بما يجوز قطع سائر الحقوق به وذلك لا يكون إلاَّ بالبينة والخبر الموجب للعلم قطعها إلاَّ بما يجوز قطع سائر الحقوق به؛ وذلك لا يكون إلاَّ بالبينة والخبر الموجب للعلم.
فإن قيل: هلاّ أجريتموه مجرى أخيار الهدايا المتفق على جواز قبولها والعلم بها وكذلك خبر من في يده شيء فيقول أن صابه قد وكلني مبيعة.
قيل له: إن حالم الهداية إذا كان بالغاً ومن في يده الشيء ويدعي أن صاحبه وكله فإنما يقبله؛ لأن من في يده الشيء قوله مقبول لا فيه، وهذا أصل في الشريعة والخبر بموت المفقود ليس في يده شيء فيقبل قوله فيه وحامل الهدية إذا كان صبياً كان ذلك خلاف القياس وإنها أخبر استحساناً لا تباع عرف المسلمين وعادتهم في ذلك.(123/1)
مسألة ذكر الأقارب في الفرائض
قال: ولو أن وارثاً أقرب وارث آخر معه لزمه أقداره فيما في يده ولا أحفظ خلافاً في أن نسب القربة لا يثبت بإقرار بعض الورثة؛ لأن الإقرار بالنسب يضمن الإقرار على غيره وإقرار على غيره وإقرار الإنسان على غيره غير مقبول فأما الميراث فقد اختلف فيه فذهب الشافعي إلى أن لا ميراث للمقر له كما لا يثبت نسبه وحكاه الطحاوي في اختلاف الفقهاء عن الليث بن سعد، وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري وملك وعبيد الله بن الحسن أن المقري يقاسم المقر له ما في يده واختلوا في القسمة على ما نبينه، ووجه ما ذهبنا إليه من وجوب المقاسمة أن إقراره يتضمن أمرين أحدهما إقرار النسب والآخر إقرار ببعض ما يده فلما لم يثبت النسب؛ لأنَّه إقرار على الغير وجب أن يثبت وجوب المقاسمة؛ لأنَّه لا يتعداه كالعبد يقر بسرقة ما في يده أن أراده بالشرقة مقبول؛ لأنَّه إقرار على نفسه وإقراره بما في يده غير مقبول؛ لأنَّه إقرار على سيده؛ لأن ما في يده يكون ملكاً لسيده وكذلك المسألة التي اختلفنا فيها وكذلك لا يختلفون أن من مات عن اثنين فاقد أحدهما بزوجة كانت لأبيه أه يعطيها ما تستحقه مما في يده من الميراث وإن لم تثبت الزوجية فكذلك في إقرار أحد الأخوين بأخ ثالث، وأيضاً لو أن رجلاً شرى عبداً فقبضه ثُمَّ أقر أن البائع أعتقه وجحده البائع نفذ العتق ولم ينفسخ البيع، وكذلك لو أقر رجل أنَّه باع داره من رجل وأنكره المشتري وحلف كان للشفيع أن يأخذها بالشفعة وإن لم تثبت وكذلك لو أقر أحد الوارثين بدين على الميت جاز إقراره على نفسه دون صاحبه فكل ذلك يشهد لصحة ما قلناه من أن المقر إذا تضمن إقراره أمرين أحدهما؛ يصح ويثبت، والآخر لا يصح ولا يثبت أن الإقرار بما يصح ويثبت يلزم دون غيره وإن كان أحد
الإقرارين مستنداً إلى الآخر والعلة في الجميع أنَّه أقر بجوفي يده محتمل ومعلوم أن ذلك كذب والإقرار المعلوم أنَّه كذب لا حكم له.(124/1)