قال: وإن كان في مسألة يسقط فيها الذكر فله نصف نصيب الأنثى وإن كان في مسألة يسقط فيها الأنثى فله نصف نصيب الذكر فالأولى ما نذهب إليه في المشتركة وهي زوج وأم وأخت لأب وأم وأختان لأم فيقدر الذي من الأب والأم خنثى يكون له الربع ونقول المسألة بسهم ونصف؛ لأنَّه لو كان أنثى كان لها النصف ولو كان ذكر السقط؛ لأن الأخ للأب والأم لا سهم له وإنما يأخذ بالتعصيب وإذا لم يبق شيء عن السهام هو وهم فيه؛ لأنَّه لو كان ذكراً لكان لسائر الورثة دونه ولو كان أنثى كأن يترك الرجل ابن عم ومعه خنثى يجعل له نصف نصيب الذكر؛ لأنَّه لو كان أنثى كان ساقطاً لا شيء له، ولو كان ذكراً لكان له نصف جميع المال فجعلنا له ربع المال للوجه الذي بيناه وهو نصف نصيب الذكر.
فصل:
اعتبر يحيى بن الحسين عليه السلام في الخنثى المبال فإن خرج بوله من الذكر حكم بأنه ذكر وإن خرج بوله من الفرج حكم بأنه أنثى وإن خرج منهما معاً اعتبر أيهما أسبق وهذا قول عامة العلماء، وحكي عن بعض أنَّه إن استويا اعتبر الكثرة؛ والأصل فيه ما روي عن علي عليه السلام أنَّه اعتبر المبال وقال: (إنه إن بال من حيث يبول الرجل فهو رجل، وإن كان يبول من حيث تبول المرأة فهو امرأة)، روى ذلك زيد بن علي، عن أبيه، عن جده عليه السلام، وروي أيضاً غيره ذلك عنه واعتبرنا السبق؛ لأنَّه إذا خرج من أي الفرجين صار له به حكم فلم يجب أن يبطل بخروجه عن موضع آخر، وروي عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه سئل عن مولود يولد في قوم وله ما للمرأة وما للرجل كيف يورث؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: <من حيث يبول>، وروي عن علي عليه السلام أنَّه اعتبر الأضلاع وقال: أن أضلاع الرجل من جانب اليسار تكون أنقص وأضلاع المرأة تكون من الجانبين سواء.
فصل:(122/3)
حكي عن أبي يوسف أنَّه قال فيمن ترك ابناً وخنثى على قياس قوله من يقول له نصف نصيب الذكر ونصف نصيب الأنثى: أن المال بينهما على سبعة للابن أربعة وللخنثى ثلاثة، وقال محمد فيه مثل ما نص عليه يحيى؛ وهو أن المال بينما على اثني عشر للابن سبعة وللخنثى خمسة وبه قال عامة الفقهاء ممن قال بنصف نصيب الذكر ونصف نصيب الأنثى وهو الصَّحيح وذلك أن اعتبار أبي يوسف فاسد من وجهين أحدهما أنَّه جعل للابن أربعة وجعل للخنثى ولو كان بيناً سهمين ثُمَّ جعل له نصف نصيبه لو كان... وهو سهم واحد ونصف ونصيب الذكر وهو سهمان من أربعة فصار ثلاثة فاعتبر نصف نصيبه لو كان أنثى ولم يعتبر نصف نصيبه لو كان ذكراً؛ لأنَّه لو كان ذكراً لكان له ثلاثة ولأخته ثلاثة ونصفه سهم ونصف وهو قولنا وإنما اعتبر حال الذكورة بنصيب أخيه والواجب اعتبار ما كان يستحقه لو كان ذكراً دون ما كان يستحقه أخوة كما اعتبر نصف نصيبه لو كان أنثى، والوجه الثاني: الذي من أجله قلنا: أن له نصف نصيب الأنثى ونصف نصيب الذكر على ما بيناه فيما تقدم وهو أنا وجدنا الابن يستحق النصف على التحقيق واليقين والخنثى تستحق الثلث على اليقين بقي ثلث مشكوك فيه فجعلناه بينهما؛ لأنَّه ليس أحدهما أولى به من الآخر على ما تقدم بيانه؛ وجعل أبو يوسف أربعة أسباع هذا السدس المشكوك فيه وهو أربعة دوانق من درهم ودانق للخنثى وثلاثة أسباعه وهو نصف درهم من درهم ودانق للابن وهذا فاسد لا وجه له؛ لأنَّه لم يجعله بينهما على السوية كما قلنا في سائر نظائره ولا اعتبرما يعتبره في الرد من رده على قدر سهامهما بل جعل للخنثى أكثر مما جعل للابن فقد ابن فساد اعتباره وصحة اعتبارنا في هذا الباب.
مسألة(122/4)
قال: وإذا غرق قوم أو انهدم عليهم بيت فلم يدر أيهم مات قبل صاحبه ورث الأموات بعضهم من بعض ثُمَّ يورث الأحياء من الأموات ما كان لهم في الأصل وما ورثوه ولا يورث الأموات بعضهم من بعض ما ورثوه، وفسر يحيى عليه السلام العمل في ذلك فقال: يجب أن يمات الواحد منهم أيهم كان ويحيى الباقون حتى يرثوه ثُمَّ يحيى الذي يميت ويمات من الباقين آخر حتى يرثوه يعمل ذلك بكل واحد منهم واحداً بعد واحد ولا يجب أن يمات اثنان منهم في حالة بل الميت في كل حال واحد والباقون أحياء حتى يصح العمل، فإذا أفرغ من ذلك أميتوا جملة معاً فورثهم الأحياء ولم يورث بعضهم من بعض في الإمامة الثاينة ولا يمات أحد منهم ثلاث دفعات بل لا يمات إلا مرتين مرة ليورث بعضهم من بعض مع الأحياء ومرة ليرثهم الأحياء منفردين، فأيهم العمل في ذلك ثُمَّ مثل بثلاث مسائل ذكرها، نحن نبينها إن شاء الله في آخر المسألة، أختلف العلماء في مسألة الغرقى، فروي عن علي عليه السلام أنَّه ورث بعضهم من بعض، وروث عنه أيضاً أنَّه ورث بعضهم من بعض وإلا ظهر أنَّه جماع أهل البيت عليهم السلام، وروي ذلك عن عمر وابن مسعود وبه قال شريح وإبراهيم النخعي والشعبي وبان أبي ليلى وجماعة من أهل الكوفة، وروي عن أبي ببكر أنَّه لم يورث بعضهم من بعض، وروي ذلك عن زيد بن ثابت وابن عباس والحسن بن علي عليهما السلام وبه قال الحسن في عدة من التابعين وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ومالك، وحكي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسبب، ووجهه ما روي أن قوماً من خثعم قتلهم خالد بن الوليد وقد كانوا اجدوا حين رواه فوداهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نصف الدية؛ لأنهم جائز أن يكونوا سجدوا لله؛ لأنهم كانوا كفاراً فاحتاط بذلك مع العلم بأنهم لو كانوا مسلمين لاستحقوا دية كاملة ولو كانوا كفاراً لم يستحقوا شيئاً ولم ينظر في أمرهم اليقين بحصول الإسلام بل احتاط فصار ذلك أصلاً في مثل هذه(122/5)
الأحوال في باب الاحتياط؛ فذلك قلنا في الغرقى: أنَّه يحتاط في توريث بعضهم من بعض للالتباس الواقع وأيضاً نفرض المسألة في أخوين مات أحدهما في أول الشهر والثاني في آخره وعرفنا ذلك على القطع والتبس أيهما الميت أولاً وأيهما الميت ثانياً فنقول يجب أن يورث كل أحد منهما من صاحبه؛ لأنا لو لم نفعل ذلك كنا قد أبطلنا حقاً ثابتاً من الميراث، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <من أبطل ميراثاً فرضه الله أبطل الله ميراثه من الجنة>، ولا يمكن الخروج من عهدة هذا الحديث إلاَّ بتوريث بعضهم من بعض، وإذا ثبت ذلك فيما ذكرنا ثبت في الغرقى إذ لم يفصل أحد بينهما.
فإن قيل: كيف يكون الواحد في حالة واحدة وارثاً موروثاً؟
قيل له: لا يمتنع أن يكون ذلك حكماً كما أنا نعلم أنَّه لا يجوز أن يكون الواحد مسلماً كافراً في حالة واحدة فإن جعلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم كذلك حكماً للالتباس فكذلك الغرقى، وأيضاً لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة وأصحابه فيمن أعتق أحد عبديه ومات ولم يبين الحر منهما أن العتق يقع عليهما ويسعى كل واد منهما في نصف قيمته ولا وجه إلاَّ الإلتباس؛ لأن المعتق لا سعاية عليه والذي لم يعتق لا يجوز أن يجعل مراًّ بالسعاية، وإنما جاز ذلك للإلتباس وكذلك إذا بان إحدى نسائه ومات يجعل الربع والثمن بينهن للإلتباس وإن كان المعلوم أن التي بينت لا حق لها في الإرث وكذلك الخنثى يجري فيها وإن اختلف في وجه التحري على أنا قد بينا أن الصَّحيح ما ذهبنا إليه من أن له نصف نصيب الذكر ونصف نصيب الأنثى.
فإن قيل: الأصل في كل أمرين لم يعرف تاريخهما أن يجعلهما في الحكم واقعين معاً.(122/6)
قيل له: ذلك يكون فيما لم يبعد وقوعهما معاً فأما فيما يبعد وقوعهما معاً حتى لا يتفق ذلك إلاَّ ندراً فلا نقول فيه ذلك بل نحتاط فيه ويبعد في الغرق أن يكون موتهم معاً حتى يصادف آخر جزء من حيوة أحدهم آخر جز من حيوة الآخر؛ لأن ذلك إن اتفق كان نادراً والنادر لا حكم له.
فإن قيل: روي عن علي عليه السلام أنَّه لم يورث قتلا الجمل وصفين بعضهم من بعض.
قيل له: وقد روي أنَّه ورث فيحمل ما روي أنَّه لم يورث أنَّه كان فيمن وقعت الشهادة أنهما قتلا معاً وما روي أنَّه وري فيمن التبس أمرهما ولا يمكن غير ما ذكرنا إذا حمل الخبران على الصدق، وإذا ثبت ذلك ثبت قولنا دون قول مخالفنا، وروى الناصر عليه السلام بإسناده أن رجلاً وابنه وأخوين قتلوا يوم صفين وما يدري أيهم قتل أولاً فورث على عليه السلام من بعض، وروي أيضاً بإسناده عن الحرث، عن علي في قوم غرقوا في سفينة؛ فورث بعضهم من بعض.(122/7)