قيل له: يحتمل أن يكون القول في ذلك ؛لأن إنساً قد ذكر قصة حنين، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال فيها: <من قتل قتيلاً فله سلبه، ويمكن أيضاً أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك على سبيل التنفيل، ويلد على ذلك أن غير السلب من غير القتيل لا يستحقه بالاتفاق، فكذلك السلب والعلة أن كل واحد منهما لم يوجد فيه من الإمام القاسم بأمر الجيش أو من ينوب منابه إذن في استحقاقه فوجب أن لا يستحقه بقتله، يبين ذلك أن الإمام لو قال عند حضور القتال من قتل قتيلاً فله جميع ماله استحق القاتل كغير السلب كما استحق السلب، فبان أن الاعتبار بقوله عند حضور الوقعة، وأيضاً لا خلاف لو قتل مستدبراً لم يستحق سلبه، فكذلك لو قتله مستقبلاً، والعلة أنَّه قتله في الحب من غير تقدم قول صاحب الجيش، فوجب تمليكه أيضاً إياه، وأيضاً الرد والمقاتل في الغنيمة سواء، والعلة أن المقاتل يقاتل بمعونة الردء، فكذلك القاتل وغير القاتل يجب أن يكون في السلب سواء؛ لأنَّه بمعونة غيره يقتل، ويدل على ذلك أن سائر وجوه التمليك لا تفصل بين أن يكون التمليك عليه مقبلاً أو مدبراً كالبيع والهبات، فوجب أن يكون ذلك حكم القاتل في استحقاق السلب، ويمكن أن يقال: أن سلب القتيل الذي لا يعرف قاتله على أصل الشافعي لا يجب أن يكون غنيمة، ويجب أن تكون بمنزلة اللقطة إلاَّ أن المحكي عن بعض أصحاب الشافعي أنهم يلتزمونه إلاَّ أن يكن أن يقال لمن يلتزمه لو كان ذلك حكمه لظهر في مغازي المسلمين، طلب القاتل وأن يجري السلب مجرى اللقطة، فلما لم يظهر ذلك علم أن الإجماع على خلافه، وإذا ثبت ذلك ثبت ما قلناه من أن الإمام إذا قال: لو أحد إن قتلت فلاناً فلك سلبه فقتله مع آخر لم يستحق سلبه؛ لأنَّه جعل له بشرط أن يكون هو القاتل فلما لم يكن هو القاتل فقط لم يستحق سلبه؛ لأن ذلك إنَّما يتوله الإمام تحريضاً وحثاً فلو كان حكمه إذا قتله مع غيره حكمه إذا(147/22)
قتله منفرداً به زال معنى التخصيص، وهذا لا يشبه القصاص؛ لأن القصاص لا يحصل فيه المعنى الذي ذكرنا بأمر التحريض يكشف ذلك أن القصاص يكون عليهما والسلب على هذا يجب أن يكون له وحده؛ لأن الشريك لأحواله فيه، وهذا ما لا يقول به أحد، فوجب صحة ما قلناه.
مسألة
قال: وإن قال الإمام قولاً مطلقاً من قتل قتيلاً فله سلبه فقتله هو وغيره كان السلب بينهما، وذلك أن الغر في هذا أن يكون المشار إليه مقتولاً ولا يختص بتحريض واحد بعينه، قال: فإن قال احتل في قتل فلان فإن قتلته فلك سلبه فاستعان بغيره على قتله كان السلب له دون من استعان به، وذلك أن السلب جعل له بشرط أن يحصل قتل فلان بسبب يكون من جهته، فإذا استعان هو بغيره فقد تم الشرط، فيجب أن يكون مستحقاً بالقتل، قال: إذا قال الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه كان سلب كل قتيل لمن قتله، وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء فلا وجه للاشتغال بذكر وجهه، قال: وإذا قال إن قتلت فلك كذا وكذا درهماً فقتله، وج على الإمام أن يعطيه ذلك من الغنيمة، فإن لم تكن غنيمة أعطاه من بيت المال، قال في الأحكام: فإن لم يكن بيت مال أعطاه من الصدقات وذلك مستقيم على أصله بأن يعطي من سهم السبيل، وذلك يجري مجرى أن يجعل السلب له.
فإن قيل: السلب هو حق الغانمين وهو أحدهم فلا يمتنع أن تحصل له مزية بكونه له؟
قيل له: وما في بيت مال المسلمين حق للمسلمين فلا يمتنع أن يصرف ذلك القدر إليه للمزية الَّتِي حصلت له كالسلب، وكذلك إن أعطى من سهم السبيل؛ لأن ذلك السهم عنده مرصد لمصالح المسلمين فلا يمتنع صرفه إليه، وهذا لا يجري عندنا مجرى الإجارة وإنَّما يجري مجرى المعونة والحث على القتل والقتال وعلى هذا يجب أن يجرى الكلام في الجعل على الغزو إذا كان من الإمام فيقال أنَّه جائز؛ لنه معاونة وحث على ما بيناه كالتنفيل، وجعل السلب للقاتل.
مسألة(147/23)
قال: وإذا اجتمعت الغنائم وحيزت فللإمام أن يأخذ منها الصغي لنفسه وهو شيء وأخذ شيف أو درع أو فرس، وذهب سائر العلماء إلى أن الإمام ليس له ذلك، والأصل فيه ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يأخذ السفي لنفسه من المغنم وأنه أخذ من بني قريضة ريحانة بنت عمرو بن حذافة وأنه صلى الله عليه وآله وسلم لما افتتح خيبر أخذ صفية بنت حيي بن أخطب على سبيل الصفي، وروي عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر، وروي عن ابن عباس، قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: إن بيننا وبينك هذا الحي من مضر وأنا لا نستطيع أن نأتيك إلاَّ في الشهر الحرام فمرنا بأمر نأخذ به ونحدث به من بعدنا، قال: <أمركم بأربع: شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأني محمد رسول الله، وأن تقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتعطوا سهم الله من الغنائم والصفي>، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإيتاء الصفي، فدل على أن ذلك ثابت، فإذا صح ذلك وجب أن يكون ذلك للإمام بعده؛ لأنَّه القائم مقامه بتحمل أعباء الأمة وتدبير أمرها والنظر في أمورها كان بينا ذلك في سهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الخمس، وأيضاً إذا ثبت التنفيل مما نبينه بعد ثبت الصفي؛ لأنَّه إذا جاز أن ينفل الإمام غيره جاز أن ينفل نفسه؛ لأن التنفيل للعناء، وعناء الإمام أعظم من عناء غيره، وروى أبو العباس الحسني رضي الله عنه بإسناده، عن عمر، أن ابن حصين ـ في حديث طويل ـ قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جيشاً واستعمل عليهم علياً عليه السلام، فمضى فأصاب جارية لنفسه فأنكروا عليه فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <والغصب يعرف في وجهه، تريدون من علي ثلاثاً أن علياً مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن من بعدي>، فتريره علياً على(147/24)
أخذ الصفى دلالة على أن للإمام أخذه.
مسألة
قال: وله أن ينفل من رأى تنفيله على ما يراه، وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه: النفل إحراز الغنيمة، والأصل في ذلك قوله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ..} الآية، فدل ظاهر الآية على أن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يتصرف فيها على ما يراه، ويدل على ذلك حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان ينفل بالخمس والربع والثلث، ويدل على ذلك حديث حبيب بن مسلمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفل في بدايته الربع، وفي رجعته الثلث، وليس لهم أن يقولوا أن التنفيل بعد الرجعة يجوز أن يكون كان من الخمس؛ لأن في بعض ما روي عن حبيب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ينفل في البداية الربع وفي الرجعة الثلث بعد الخمس، وعنه أيضاً أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم نفل الثلث بعد الخمس، وهذا مسقط تأويلهم، وروي أيضاً عن عبادة بن الصامت، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينفلهم إذا خرجوا بادئين الربع، وينفلهم إذا قفلوا الثلث، وعن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث سرية فيها ابن عمر فغنموا غنائم كبيرة، فكانت غنائمهم لكل إنسان اثني عشر بعيراً ونفل كل إنسان منهم بعيراً بعيراً سوى ذلك، وكل ذلك دال على صحة ما قلناه، وقد روي الخلاف في ذلك عن عدة من الصحابة، فلم يحتج بما روي عنهم مما يوافق قولنا.
فإن قيل: فما تقولون فيما روي عن علي عليه السلام أنَّه قال: (النفل قبل الغنيمة، فأما بعد الغنيمة فلا نفل)؟
قيل له: ظاهر هذا الحديث لا يقول به المخالف؛ لأنهم يجوزون النفل بعد الغنم قبل الإحراز في دار الإسلام، ويجوزونه أيضاً من المس بعد الغنيمة فلا بد لهم أيضاً من التأويل وتأويله عندنا ـ والله أعلم ـ بعد القسمة.
فإن قيل: فد تعلق بها حق الغانمين، فلا يجوز للإمام قطعه؟(147/25)
قيل له: الغانمون لا يملكونه إلاَّ بعد القسمة وللإمام ، يتصرف فيه قبل أن يملكوا؛ لأنَّه لا خلاف بيننا وبينهم أن العبيد والنساء يرضع لهم منه، وأن له قتل الأسير إن رأى ذلك مع تعلق حق الغانمين به قبل القسمة، وكذلك لا خلاف بيننا وبينهم أن أرض المشركين للإمام يده أولاً في كل ذلك، دلالة على أن للإمام التصرف في الغنيمة قبل القسمة، وأيضاً هو مشبه بالمال الذي يكون في بيت المال في أ، للإمام التصرف فيه بحسب اجتهاده؛ لأنَّه مال لم يملكه مالك بعينه.
فإن قيل: التنفيل يكون للحظ والحث على القتال، وذلك تكون قبل القتال فلا وجه له بعد القتال؟
قيل له: وجه صحيح بعد القتال؛ لأنَّه إذا صخ به أهل العناء رغبهم في الاستمرار عليه فيما يستقبل من الحروب، ورغب غيرهم ف مثل فعلهم، وعلى هذا يجوز عندهم التنفل من الخمس بعد القتال، ومن المشهور تنفيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريشاً وسائر قبائل العرب بالأموال العظيمة دون الأنصار، حتَّى كادوا يؤثر ذلك في نفس بعضهم حتَّى قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <أما ترضون أيذهب الناس بالأموال وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: رضينا ـ في حديث طويل ـ على أنى لا أحفظ خلافاً في أن لبعض الغانمين الانتفاع بما يوجد من الطعام والعلف، وقد نص عليه القاسم في مسائل النيروسي، وهذا أيضاً يدل على جواز التصرف فيه على بعض الوجوه مع تعلق حق الغانمين به، والإمام أولى بذلك.
مسألة(147/26)