غنم كل ما لهم من قليل وكثير وياع وعقار وسبي صغرهم وكبارهم ذكورهم وإناثهم وجعل ذلك كله غنيمة، وإذا ظفر بأهل البغي غنم من أموالهم ما أجلبوا به في عساكرهم على المسلمين دون ما سوه من سائر أموالهم، ولا خرف أن أموال أهل الحرب كلها مغنومة، وبذلك سار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أهل الطائف وخيبر وغيرهما من المواضع المفتتحة، وهكذا سار المسلمون بعده صلى الله عليه وآله وسلم، قال الله تعالى: {وَأَوْرَثَكُمُ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ}، فأما أهل البغي فقد ذكرنا في أموالهم ما وجب، وذكرنا الخلاف فيه.
مسألة
قال: وإذا قال الإمام لرجل من أصحابه: إن قتلت فلاناً فلك سلبه فقتله كان سلب المقتول له، وهذا ما لا خلاف فيه؛ لأن الإمام إذا قال ذلك ثُمَّ قتله استحقه، وإنَّما الخلاف في القاتل هل يستحق السلب إذا كان الإمام لم يقل له ذلك، وسيأتي الكلام فيه، قال: والسلب ما ظهر من الثياب والمنطقة والدرع والسيف والفرس والسرج وحليته وما أشبه ذلك، فإن كان مع المقتول جوهر أو دراهم أو ما أشبه ذلك مما يخفى لم يدخل في السلب وكان غنيمة له ولسائر المسلمين، ووجهه أن السلب يستعمل فيما يظهر ويتصل به؛ لأنَّه لا خلاف أن ما لم يكن معه من سائر أمواله لا يدخل في السلب، فكذلك الخفي، ومنه يقال: شجرة سليب إذا أخذ ورقها وأغصانها ذكره الخليل، فدل ذلك على أن هذا الاسم يتناول ما ظهر عليه من أموال المسلمين.
مسألة(147/17)


قال: فإن كان قال له الإمام إن قتلت فلاناً فلك سلبه، فقتله غيره معه لم يكن السلب له ولا لصاحبه، فهذه المسألة مبنية على أن السلب لا يستحق بنفس القتل وإنَّما يستحق بأن يقول الإمام قبل التناوش من قتل قتيلاً فله سلبه أو يقول ذلك في معين، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك، وقال الشافعي: السلب للقاتل، ووجه قولنا ما روي عن عوف بن مالك الأسجعي أن مدرباً رافقهم في غزوة مؤتة وإن روميا كان يشتد على المسلمين ويغرى بهم فتلطف له ذلك المدري فقعد له تحتا صخرة، فلما مر به عرقب فرسه وخر الرومي لقفاه وعلاه بالسيف فقتله فأقبل بفرسه وسرجه ولجامه ومنطقته وسلاحه مذهب بالذهب إلى خالد بن الوليد، فأخذ منه خالد ونقله بعيبه فقلت يا خالد: أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفل القاتل السلب كله، قال: بلى، ولكن استكثرته، فقلت أما والله لأعرفنكها عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال عوف: فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبرته خبره، فدعاه وأمره أن يدفع إلى المدري بقية سلبه، فولى خالد ليفعل، فقلت كيف رأيت يا خالد أولم أوف لك بما وعدتك، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: <يا خالد لا تعطيه>، وأقبل علي وقال: <هل أنتم تاركوا أمر أبي لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره>، فمنعه صلى الله عليه وآله وسلم القاتل السلب حين تكلم عوف بما تكلم، دليل على أنَّه لم يكن مستحقاً للسلب بالقتل، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنَّما كان أمر خالداً بأن يعطيه على سبيل التنفيل دون الاستحقاق؛ لأن الذي يستحق القاتل لا يجوز أن يمنع لجناية غيره، وأيضاً أخذ خالد منه بعض سلبه مع قول عوف: ألم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفل القاتل السلب كله، فقال: بلى، ولكن استكثرته، يدل على أنَّه عرف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يفعل ذلك على سبيل التنفيل لا على أنَّه حق القاتل؛ لأن خالداً لم(147/18)


يكن يجوز أن يخالف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيمنعه ما جعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم استكثاراً، لأن من فعل ذلك مستحلاله يلزمه الكفر، فدل ذلك على أن الظاهر عندهم في ذلك أنَّه على سبيل التنفيل لا على سبيل الاستحقاق.
فإن قيل: فقد روي في بعض الأخبار أن عوفاً قال لخالد: ألم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى بالسلب للقاتل؟
قيل له: يجوز أن يكون المراد بقول من قال قضى راجعاً إلى التنفيل سيما وقد دللنا عليه، ويدل على ذلك ما روي عن عبد الرحمن بن عوف، أن معاذ بن عفان اجتمعا يوم بدر على قتل أبي جهل ـ في حديث طويل ـ فيه: أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخبراه، فقال: <كلاكما قتله>، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، فدل ذلك على أن السلب لا يستحق بالقتل فقط؛ لأنَّه لو كان مستحقاً بالقتل لم يكن يجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأحد القاتلين ويمنع القاتل الآخر حقه.
فإن قيل: هذا الخبر لا يصح استدلالكم به؛ لأن القصة كانت يوم بدر، وقد روي أن الغنائم لم تكن أحلت يومئذ؟
قيل له: هذا يقتضي فسخ ما فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ، وإذا أمكن الجمع بني الأخبار لم يجز نسخ بعضها، وأيضاً روي عن مكحول عن قتادة بن أبي أمية، قال: نزلنا دا.. علينا أبو عبيدة بن الجراح، فبلغ حبيب بن مسلمة أن صاحب فرس خرج يريد إذ ربيجان فخرج في خيل حتَّى قتله وجاء بما كان معه إلى أبي عبيدة، فأراد أن يخمسه فقال حبيب لا تحرمني رزقاً رزقنيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعل السلب للقاتل، فقال معاذ بن جبل مهلاً يا حبيب أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <إنما لكم ما طابت به نفس الإمام>، وفي بعض الألفاظ ليس له إلا ما طابت به نفس إمامه ففيه وجهان من الدلالة:(147/19)


أحدهما: أن معاذاً ذكره في شأن السلب، فكأنه قال: ليس لكم من السلب إلاَّ ما طابت به نفس الإمام.
والثاني: أن عمومه يقتضي ذلك، وأيضاً في حديث عبادة بن الصامت، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بدر فلقي العدو فلما هزمهم الله اتبعهم طائفة من المسلمين يقتلوهم، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واستولت طائفة على المعسكر والنهب فلما انصرفوا، قال الذين طلبوهم لنا النفل: نحن طلبنا العدو وبنا نفاهم الله وهرمهم، وقال الذي أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما أنتم بأح منا بل هو لنا نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينال العدو منه غره، وقال الذين استولوا على العسكر والنهب، والله ما أنتم بأحق منا نحن حويناه واستولينا عليه، فأنزل الله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ..} الآية، فقسمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهم عن فواق، فلم يخص القاتل منهم بشيء دون ما سواه، فثبت بطلان استحقاق القاتل السلب، وأيضاً روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل بوادي القرى، فقيل يا رسول الله: لمن المغنم؟ فقال: <لله سهم، وله ولاء أربعة أسهم>، فقيل فهل أحد أحق بشيء من المغنم، فقال: لا حتَّى السهم يأخذه أحدكم من جنبه، فليس بأحق منه من أخيه، فدل هذا على أن الغنائم يستوي فيها الجميع من أهل الحرب القاتل وغيره، فبطل استحقاق القاتل للسلب، وعن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <أدو الخيط والمخيط وما دون ذلك وما فوق ذلك، فإن الغلول عار على أهله يوم القيامة وشنئان>، فدخل السلب في ذلك وغيره.(147/20)


فإن قيل: فقد روي عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعل السلب للقاتل، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفل أبا قتادة سلب قتيل قتله، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قتل قتيلاً له عليه بينه، فله سلبه، وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم حنين: <من قتل قتيلاً فله سلبه>، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين قتيلاً فأخذ أسلابهم.
فإن قيل: في حديث أبي قتادة أنَّه قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام حنين في حديث طويل يذكر فيه أنَّه قتل قتيلاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بعد ذلك من قتل قتيلاً عليه بينه فله سلبه وأخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما فعلت وصدقني رجل من القوم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لي بسلب ذلك فعلت وصدقني رجل من القوم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لي بسلب ذلك المقتول، قالوا: فهذا كان بعد القتال؟(147/21)

119 / 122
ع
En
A+
A-