قال: وإذا ظفر إمام الحق بأئمة الجور أخذ كل ما في أيديهم من قليل أو كثير أو جليل أو دقيق من الضياع والعقار وغيرهما إلاَّ أن تكون جارية قد أولدها أحدهم، قال القاسم عليه السلام: وكذلك يؤخذ ما في أيدي أعوانهم من الظلمة، وعلل القاسم ويحيى عليهما السلام ذلك بأن قالا: إن ما استهلكوه من مال الله أكثر من ذلك، فإن أٌم إنسان بينة على شيء بعينه أنَّه غصب عليه سلم إليه، والأصل في هذا الباب، الإمام منصوب لاستيفاء الحقوق وممن وجب عليه وضعها في أهلها إذا تقاع من إيفاء بها لذمته، يدل على ذلك قول الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتَزَكِيْهِمْ بِهَا}، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: <أعلمهم أن في أموالهم حقوقاً تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم>، والإمام قائم مقامهم، فوجب أن يفعل ذلك، وهذا مما لا خلاف فيه، ولهذا قال أبو بكر لو منعوني عقالاً بما أعطوه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاتلتهم عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبعث مصدقه لأخذ الصدقات، و كذلك أمير المؤمنين والأئمة من بعده، ولا خلاف أن من كان عليه دين فتقاعد عن إيفائه ووجد الإمام له عيناً أو ورقاً أنَّه يأخذه ويوفي ما عليه غريمه، فأما عندنا وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي فله أن يبيع عليه عقاره وعروضه إن لم يجد له عيناً أو ورقاً فيقي حق غريمه، وكذلك الحاكم يأخذ من المشتري ما استحقه الشفيع عليه بشفعته فيدفعه إلى الشفيع، فإذا ثبت ذلك وثبت أن الظلمة قد أخذوا أموالاً كثيرة على سبيل الظلم من أربابها وخلطوا بعضها ببعض حتَّى صار في حكم المستهلك، ولم يمكن التوصل إلى معرفة أربابها المأخوذة منهم على وجه الظلم، وكذلك قد أخذوا كثيراً من أقوال الله واستهلكوها وصرفوها في وجوه لا يحل صرفها فيهم، صاروا الجميع ذلك ضامنين وصار جهة جميع ذلك للفقراء ومصالح المسلمين، فإذا(147/12)


لم يفعلوا ذلك لزم الإمام أخذ أملاكهم وآمالهم على سبيل التضمين لهم ووضعها فيما يراه من مصالح المسلمين لزم الإمام أخذ أملاكهم وأموالهم على سبيل التضمين لهمن ووضعها فيما يراه من مصالح المسلمين وفي الفقراء والمساكين.
فإن قيل: فقد أمر أمير المؤمنين يوم الجمل أن يؤخذ ما في المعسكر وما في بيوت أموالهم مما حبوه ولم يتعرض لما في بيوتهم ومنازلهم من سائر أموالهم، فكيف قلتم أن الإمام يأخذ كل ما يجد لهم ولأعوانهم؟
قيل له: لأن أصحاب الجمل لم يكونوا تصرفوا في تلك الأموال تصرفاً يلزمهم ضمانها، وكانت أموال الجناية حاصلة في بيت المال؛ لن مدتهم قصرت وليس كذلك أموال الظالم اليوم؛ لأنه قد كال تصرفهم في هذه الأموال وكثرت غصوبهم وقد استهلكوا ما صار إليهم فلزم ضمانه فللإمام أ، يأخذ أموالهم على سبيل التضمين، وعلى هذا لو أن بعض الظلمة أو البغاة أخذ أموالاً ليس له أخذها ولم يكن استهلكها ووجدها بعينها أخذها الإمام ولم يتعرض لسائر أملاكه كما فعل أمير المؤمنين يوم الجمل، كذلك إن كان ما استملكه الظالم من ذلك يسيراً لم يأخذ الإمام من خاصة ماله إلاَّ ذلك القدر دون ما زاد عليه؛ لأنَّه وجد الباقي حاصلاً، فليس له أن يضمنه إلاَّ مقدار ما استهلكه، فأما إذا وجد شيئاً بعينه لإنسان بعينه غصبه الظالم، فيجب رده عليه لا خلاف في ذلك، فأما الجارية الَّتِي ملكها واستولدها الظالم فلا يعترض لها؛ لأنها قد صارت ممنوعة من تملكها عليه؛ لأنَّه لا يجوز بيعها عندنا على وجه من الوجوه، فأما المدبر فالذي يقتضيه مذهب يحي أن مال الظالم إن قصر عمّا عليه فللإمام أن يأخذ مدبره ويبيعه عليه؛ لأن بيعه عندنا جائز للضرورة وإن كان يفي بما عليه فلا يجوز التعرض للمدبر بل لا يجوز التعرض لغير ذلك، أيضاً من أمواله على ما بيناه.
مسألة(147/13)


قال: وأما أحكامهم فإنه يقر منها ما كان حقاً ويدفع ما كان باطلاً، وقد بينا في كتاب الوصايا وكتاب القضاء أن الظاهر من مذهبه أن قضاتهم إذا كانوا عدولاً في أنفسهم جاز أحكامهم وقضاياهم، وأن أحكامهم وأحكام أهل العدول ساء ينقض من الجميع ما كان باطلاً ويقر ما كان حقاً، فلا وجه لإعادته هنا. قال: وأما قطائعهم وجوائرهم فإنها يثبت منها ما لم يكن سرقاً وكانوا أعطوه على وجه يجب أو يحل، وما أعطوه على غير هذين الوجهين أخذ ممَّن أعطوه.(147/14)


اعلم أن ما أعطوه لا يخلو من أن يكون أعطوه من أموال أنفسهم وأملاكهم أو يكونوا أعطوه من مال الجنايات، فما كانوا أعطوه من مال أنفسهم وأملاكهم لا يخلو من أن يكونوا أعطوه على وجه قبيح وإياه عني بقوله شرفاً، وذلك كان يعطي المغنيين وأهل الفساد من الرجال والنساء وفي أثمان الخمور وما جرى مجرى ذلك مما نهى الله عنه، وحضره مما كان كذلك، فإنه يجب أن يؤخذ منهم، إذا وجد بعينه ويرد في بيت مال المسلمين، وقد بينا في غير موضع من كابنا هذا أن ما يملكه الإنسان من جهة محظورة يجب أن يصرف إلى بيت المال للفراء والمساكين ومصالح المسلمين، وقد ذكرنا ذلك في كتاب الزكاة في ذكر هدايا العمال، وفي كتاب الغصوب وغير ذلك مما لا يحتاج إلى إعادته. أو يكونوا أعطه على وجه يجب أن يكون تطوعاً ذلك كان يدفع في الزكوات والعثور أو عن الكفارات أو النذور أو يقضوا بذلك الدين عليهم، أو يتطوعون بصلة الأرحام على ما أمر الله عز وجل، أو يوصلوه إلى الفقراء متطوعين بهن أو يكونوا أعطوه على وجه مباح كان يهدي إلى الصديق تودداً وحسن عشرة، فكل ذلك يقرر في أيدي من أعطوه ولا يتعرض لشيء من ذلك، وأما أموال الجنايات فمنها ما صرفت إلى الفقراء والمساكين أو مصالح المسلمين، فإنه أيضاً يقرر ولا يعترض لشيء من ذلك بالفسخ أو يكونوا أعطوه على وجه محظور كما بيناه أو يكونوا قضوا به ديونهم فكل ذلك مأخوذ ممَّن هو فيده؛ لأن الآخذ لم يملكه على وجه من الوجوه، هذا إذا كانت قائمة بعينها، فإن كانت مستهلكة ضمنوا ما أخذوا من ذلك؛ لأنهم في ذلك في حكم الغاصبين؛ لنهم أخذوا ما هو للفقراء ومصالح المساكين، فلم يملكوه بتة، وهذا هو الفرق بين ما أخذ من هؤلاء المفسدين ما هو من ملك ما أعطاه وما هو من مال الجناية؛ لأن ما أخذوه من أموال أنفسهم ملكوه على وجه محظور فيلزمهم رده ما دام قائماً بعينه ولا يلزمهم ضمانه بعد الاستهلاك؛ لأن هذا هو حكم ما صار ملكاً للإنسان من وجه(147/15)


محظور وما كان من أموال الجنايات فإنهم لم يملكوه على وجه من الوجوه فيلزمهم رده ما دام قائماً بعينه وضمانه بعد الاستهلاك، فعلى هذا أن يجري حكم هذه الأموال.
مسألة
قال: ويستحب للإمام إذا زحف لمحاربة العدو أن يكر وعليهم الدعوة ويبعث إليهم نفراً من أهل الدين والفضل ينصحونهم ويعرفوهم رشدهم، فإن لم ينجح ذلك فيهم ضعف عسكره ونشر المصاحف على الرماح وأبدى الرجال يدعوهم إلى ما فيها، وذلك لقول الله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيْلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}، {وَمَنْ أَحْسَنُ قَولاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ}، وقوله: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}، وقوله تعالى: {لا خَيْرَ فِيْ كَثِيْرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ..} الآية، ولما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنَّه كان يكرر رسله يوم الجمل وفي صفين يعظهم ويدعوهم إلى كتاب الله عز وجل وحكمه.
قال: ويستحب إن أمكنه أن يتوقف من قتالهم ثلاثة أيام يصف عسكره في كل يوم ويعرض عليهم المصاحف، فإذا امتنعوا من احلق بعد الثالثة قاتلهم واستعان بالله عليهم، وذلك أن ثلاثة أيام موضوعة للتأني، ألا ترى إلى قوله عز وجل: {تَمَتَّعُوا فِيْ دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ}، ولا خرف أنَّه يتأنى بالمرتد عليه ثلاثة أيام والشفيع يمهل بالثمن ثلاثة أيام، فلذلك اختاره فإن أبوا قوتلوا، لقوله عز وجل: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِيْ..} الآية.
باب القول في الغنائم وقسمتها إذا ظفر الإمام بأهل الحرب(147/16)

118 / 122
ع
En
A+
A-