قيل له: وقولنا أيضاً يوجب الحظر؛ لأنا نظرها على أهل البغي الذين ملكوها قبل التغنم ثُمَّ قولنا فيه النقل عن حكم الأصل فهو أولى، وأيضاً لا خلاف أن المسلمين لا يضمنون ما استهلكوه من الأموال، فوجب أن يكون للتغنم مسرح، دليله مال أهل الحرب، فأما سبيهم فلا خلاف بين المسلمين في أنَّه لا يحل، وقال علي عليه السلام منكراً على من ظن أنَّه يجوز: (أيكم يأخذ عائشة بسهمه؟)، قال: وما أجلب التار على المسلمين في عساكر أهل البغي مما هو ملك لهم من سلاح أو كراع جاز تغنمه، ولا يجوز تغنم ما حوى ذلك، والرجال والنساء والصبيان في ذلك سواء، وذلك أن علة التغنم إنَّما هي ما استعين به على المحقين، ولا فصل في ذلك بين أن يكون ذلك للتجار أو غيرهم من النساء والرجال، فأما ما سوى ذلك مما هو ملك لهم في دورهم ومنازلهم مما لم يستعن به على المحقين، فلا خلاف أنَّه مما لا يجوز التعرض له وأخذه، وعلى هذا غصب بعض أهل البغي من غيرهم شيئاً فاستعان به على المحقين فلا يجب أن يتغنم؛ لأن مالكه لم جعله معونة على المحقين، وليس ذلك كما يعصبه أهل الحرب؛ لأن أهل الحرب يملكون بالغلبة فيصير الشيء ملكاً لمن غصبه وليس كذلك أهل البغي؛ لأنهم لا يملكون بالغلبة، فإن استعارة الباغي ليستعين به على المحقين، فالقياس أن تغنمه جائز؛ لأن مالكه رضي أن يستعين به على المحقين.
مسألة(147/7)
قال: وإذا انهزم أهل البغي وكانت لهم فئة يرجعون إليها قتل مدبرهم وأجير على جريحهم، وإن لم تكن لهم فئة يرجعون إليها لم يقتل مدبرهم، ولم يجر على جريحهم؛ ولكن يطردون ويفرقون، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وقال الشافعي: لا يقتل مدبرهم ولا يجار جريحهم وإن كان لهم فئة، والدليل على ما قلناه قول الله تعالى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغَيْ حَتَّى تَفِيْءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ}، فأمر بقتالهم حتَّى يفيؤا إلى أمر الله، والمنهزم والمجروح ما داما مقيمين على مبارزة المقين فلم يحصل منهما الفيء إلى أمر الله، فوجب قتالهما حتَّى تفيء إلى أمر الله، ومن لزم قتاله لمعنى لزم قتله إلاَّ أن يفارق ذلك المعنى.
فإن قيل: إذا انهزم فقد ترك القتال فقد فاء إلى أمر الله عز وجل على وجه من الوجوه فوجب ترك قتاله؟
قيل له: المنهزم المحتاز إلى فئة الضلال لم يأت بما أمره الله عز وجل على وجه من الوجوه؛ لأن الله لم يأمره بترك القتال على هذا الوجه، وإنَّما أمره بترك القتال على وجه التوبة، فوجب القتال إذن كما كان، ألا ترى أن من انهزم عن المشركين محتاز إلى فئة من أهل البغي، فلم يف إلى أمر الله عز وجل.
فإن قيل: قوله عز وجل: {فَقَاتِلثوا الَّتِي تَبْغِيْ}، من المقاتلة الَّتِي تكون بين اثنين، والمنهزم غير مقاتل، وكذلك المجروح المثخن فلا يجوز قتلهما؛ لأن الله عز وجل أم بالقتال دون القتل؟
قيل له: هما مقاتلان حكماً؛ لأنهما دخلا فيه وهما بعد على رأيهما وعزمهما، وكم من جريح قتل غيره أو جرح، وكم من منهزم كر فقتل وقاتل، فهما إذن بمنزلة من فنى نبله فأراد أن يتناول نبلاً غيرها أو انحنى سيفه فأراد أن يخترط سيفاً سواه وهو في المعركة في أنَّه يكون في حكم المقاتل.
فإن قيل: فأنتم تقولون أنَّه إذا لم تكن له فئة فلا يبيع مدبرهم ولا يجار على جريحهم واستدلالكم بظاهر الآية يوجب قتلهما؛ لأنهما بعد على رأيهما في البغي وعلى عزمهما في قتال المحقين؟(147/8)
قيل له: ظاهر الآية يقتضي ذلك إلاَّ أنا خصصناه بدلال الإجماع، وما روي عن علي عليه السلام، وأيضاً يدل على ذلك ما في حديث زيد بن علي من قول أمير المؤمنين في أهل القبلة: (إن كانت لهم فئة أجير على جريحهم واتبع مدبرهم وإن لم تكن لهم فئة لم يجز على جريحهم ولم يبتع مدبرهم)، وفي حديث جعفر بن محمد أن عليّاً عليه السلام قال يوم الجمل: (لا تبيعوا مولياً ليس بمحتاز إلى فئة)، فنهى عن اتباعه بشرط أن لا تكون له فئة.
فإن قيل: روي مطلقاً عن علي أنَّه قال: (لا يذفف على جريح ولا يبيع موبر)؟
قيل له: هذا عام نبنيه على الخاص الذي رويناه، فكأنه قال: لا يذفف على جريح ولا يبتع مدبر إذا لم تكن لهما فئة، وروى أبو محنف بإسناده أن علياً عليه السلام مر يوم صفين إلى نحو الميسرة ومعه بنوه فضربه مولى لبعض بني أمية ابن أبي سفيان أو عثمان، فقال لعلي: قتلني الله إن لم أقتلك أو تقتلني، فأقبل نحوه فخرج إليه كيسان مولى علي، فاختلفا ضربتين فقتله مولى بني أمية فانتهزه علي عليه السلام فدفع يده في جنب درعه فجذبه ثُمَّ حمله على عاتقه، قال الراوي: فكأني أنظر إلى رجليه يختلفان ثُمَّ ضرب به الأرض فكسر منكبه وعضديه وشد ابنا علي الحسين ومحمد عليهما السلام فضرباه بسيوفهما حتَّى قتلاه والحسن قائم مع أبيه علي عليهم السلام، فقال يا بني ما منعك أن تفعل ما فعل أخواك، قال: كفياني يا أمير المؤمنين، ففي هذا الخبر دليل على ما قلناه من جواز الإجارة على الجريح، ألا ترى أن ما فعله الحسين ومحمد ابنا علي بعد ما انكسر منكبه وعضداه من ضرب علي إناءه على الأرض، وأكد ذلك قوله لابنه الحسن: (ما منعك أن تفعل كما فعل أخواك)، وعلى هذا يجب أن يجوز قتل الأسير منهم ما دامت الحرب قائمة إن رأى الإمام ذلك كما روي أن ابن اليثربي لما أسره عمار أمر علي بضرب عنقه.(147/9)
فإن قيل: روي أن علياً كان إذا أتى بأسير أخذ سلاحه، وقال: (لا أقتلك صبراً إني أخاف الله رب العالمين)، وكان يستحلفه أن لا يعين عليه ولا يمايل عدوه، ثُمَّ يطلقه؟
قيل له: يحتمل أن يكون ذلك؛ لأنَّه رأى ذلك في الوقت لضرب من الصلاح أو لأنَّه غلب على ظنه أن يتوب، ونحن لا نقول أنَّه يجب قتله لا محالة وإنَّما نقول أن ذلك جائز للإمام إن رآه، وتأول أبو بكر الجصاص ذلك بأن قال: يحتمل أن يكون ذلك كان بعد انقضاء الحرب، وفي الحال الَّتِي لم يبق للعدو فيها فئة، و هذا بعيد؛ لأن هذا كان في صفين وفئتهم كانت بحالها كانت إلى أن وقعت الموادعة، وبعد وقوع الموادعة لم يكن قتل ولا أسر، والوجه ما قلناه في تأويل الحديث.
مسألة(147/10)
قال: ولا ينبغي أن يبيت أهل القبلة في مدنهم ولا أن يوضع عليهم المنجنيقات ولا أن يفتق عليهم ما يعرف مدتهم ولا أ، يضرم بالنار ولا ن يمنعوا من ميرة أو شراب، وكذلك العساكر الكبار الَّتِي لا يؤمن أن يكون فيها ابنا السبيل والتجارة النساء والولدان، فأما العساكر الَّتِي قد أمن أن يكون فيها أحد ممَّن لا يجوز قتله، فلا بأس أن يبيتوا ويقتلوا كثروا أم قلوا، إذا كانت الدعوة قد وصلتهم قبل ذلك، والأصل في ذلك قول الله عز وجل: {وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ} إلى قوله: {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِيْنَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيْماً}، فبين الله أنَّه كف المؤمنين إنهم لئلا يلحق من هو بين أظهرهم من ضعفاء المسلمين من الرجال والنساء القتل والأذى، فكذلك قلنا: أنَّه إذا خشي أن يؤدي ذلك إلى تلف من لا يجوز قتله وإتلافه لم يبيتوا ولم ينصب عليهم المنجنيق ولم يغرقوا ولم نتضرب عليهم النار، وعلى هذا لو ترس المشركون بالمسلمين لم يرموا إلاَّ أن تدعوا الضرورة إليه، وحكي ذلك عن الشافعي فيما علق عن ابن أبي هريرة، قال أبو حنيفة: لا يكف عنهم، وما قلناه أولى؛ لأن دم المسلم محظور على كل وجه، ودم الكافر مباح والمباح إذا لم يتم فعله إلاَّ بفعل محظور صار محظوراً، وكذلك يجب أن يكون أهل البغي لو ترسوا بالمسلمين، فأما العساكر الَّتِي يؤمن أن يكون فيها أحد لا يجوز قتله فلا بأس أن يبيتوا ولا بأس أيضاً أن ينصب عليهم المنجنيق؛ لأنَّه من جنس الرمي، ولا خلاف أن رمي البغاة جائز، وكذلك التحريق والإغراق كل ذلك جائز إذا أمن أن يكون في العسكر غيرهم؛ لأن ذلك كله يؤدي إلى القتل، وقاتل المحارب لم يختص بشيء دون شيء، فيجب أن يجوز جميع ذلك.
مسألة(147/11)