عَلَى الأَخْرَى}، ألا ترى أن اسم البغي لم يجز عليهم إلاَّ بالتال والدعاء لهم إلى الصلح والصلاح، فدل ذلك على ما قلناه، وأيضاً قول أمير المؤمنين عليه السلام لبعض الخوارج: (لكم علينا ثلاث مالنا عليكم ثلاث أحدها لا نبدأكم بقتال حتَّى تبدأنا)، فدل على أن البغي يتعلق بالقتال؛ لأنهم لو كانوا بغاة قبل القتال حل قتالهم، فلما لم يحل قتالهم ثبت أنهم يصيرون بغاة بالقتال والامتناع من الرجوع إلى الله بعد الدعاء لهم.
مسألة
قال: ويجب على من أراد محاربتهم أن يحج عليهم قبل قتالهم، ويدعوهم إلى كتاب الله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ اقْتَتَلُوا..} الآية، فأمر عز وجل بالإصلاح وأمر بالتال إذا امتنعوا، والإصلاح هو الدعاء إلى الحق، وإلى ترك الباطل والاستسلام لكتاب الله عز وجل، وأحكامه فلما أمر الله عز وجل بذلك قلنا أنَّه واجب على من أراد قتالهم، فإنّ قتالهم يجب بعد ذلك إذا امتنعوا، وروى أبو بكر الجصاص في شريح الطحاوي بإسناده عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جد، عن علي عليهم السلام، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا بعث جيشاً إلى المشركين قال: <انطلق باسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله، لا تقاتلوا القوم حتَّى تحتجوا عليهم>، فإذا قال ذلك في الكفار الذين دماؤهم مباحة فأهل القبلة أولى بذلك، ومن المشهور أن عليّاً عليه السلام كان لا يبدأ أحداً بقتال يوم الجمل وأيام صفين وأيام النهروان، وأنه كان يقدم إمامة الرسل ويحتج عليهم ويتقدم بذلك إلى أصحابه ويأمرهم به، ذكر ذلك في كثير من السير، فإن امتنعوا من الدخول في الحق وجب قتالهم لقوله تعالى: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى..} الآية، ولما فعله علي عليه السلام بعد الأعذار والإنذار، ولا خلاف فيه بين المسلمين.
مسألة(147/2)
قال: ويتغنم ما أجلبوا به على المحقين في عساكرهم، ولم يحل سبيهم، وهو وقل عامة علماء أهل البيت عليهم السلام، لا أحفظ فيه خلافاً إلاَّ ما في السير لمحمد بن عبد الله عليهما السلام، وذهب عامة الفقهاء إلى أن ما أجلبوا وما لم يجبلوا ملك لهم لا يتغنم، وروي عن أبي يوسف، مثل قولنا رواه الطحاوي في اختلاف الفقهاء، قال أبو حنيفة: ينتفع أهل العدل بما لهم من السلاح والكراع ما دامت الحرب قائمة، وإذا وضعت الحرب أوزارها ردت على أربابها، ومنع الشافعي ذلك، والأصل في ذلك الأخبار المروية عن أمير المؤمنين في محاربة أهل البغي، منها ما رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: (لا يسبي أهل القبلة ولا ينصب عليهم منجنيق ولا يمنعوا من ميرة ولا طعام ولا شراب وإن كانت لهم فئة أجير على جريحهم وأبيع مدبرهم وإن لم تكن لهم فئة لم يجز على جريحهم ولم يبتع مدبرهم ولا يحل من ملكهم شيء إلاَّ ما كانفي عسكرهم)، وروي أيضاً عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، أنَّه خمّس حواه عسكر النهروان وأهل البصرة ولم يتعرض لما سوى ذلك، وروى الناصر بإسناده عن أبي جعفر محمد بن علي، عن آبائه، قال: لما واقف أهل الجمل قال: (يا أيها الناس إني احتج عليكم بخصال، ليبلغ الشاهد الغائب ـ في حديث طويل، يقول فيه ـ لا تتبعوا مولياً ليس بمحتاز إلى فئة ولا تستحلوا ملكاً إلاَّ ما استعين به عليكم، ولا تدخلوا داراً ولا خبا، ولا تستحلوا مالاً إلاَّ مالاً خباه القوم أو وجدتموه في بيت مالهم)، قد روي أيضاً بإسناده عن عبد الله بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين، قال: قتل المسلمون عبيد الله بن عمر يوم صفين وأخذوا سلبه، وكان مالاً، وروى أبو العباس الحسني بإسناده عن عبد الله بن الحسن، عن أمه، مثل ذلك، وروى أبو العباس الحسني رضي الله عنه، عن يزيد بن بلال، قال: شهدت مع علي عليه السلام صفين فكان إذا أتي بأسير قال: (إني لن(147/3)
أقتله صبراً إني أخاف الله رب العالمين) وكان يأخذ سلاحه ويخلي سبيله ويحلفه أن لا يقاتل ويعطيه أربعة دراهم، وأيضاً في خطبة له طويلة روي أن عليّاً عليه السلام خطب في الجامع بعد ما فرغ من حرب الجمل، فقام إليه رجل يقال له عباد بن قيس، فقال: إنك قسمت ما حواه عسكر عدونا وتركت الأموال والنساء والذرية، فقال عليه السلام: (أما علمت أنا لا نأخذ الصغير بنب الكبير وأن الأموال كانت لهم قبل الفرقة وتزوجوا على الرشد، وولدوا على الفطرة، وإنَّما لكم ما حواه عسكرهم وما كان في دورهم فهو ميراث لذريتهم)، والخطبة طويلة، ويقول فيها: (ما علمت أن دار الحرب يحل ما فيها وإن دار الهجرة يحرم ما فيها إلاَّ بحق، وفيها فأيكم يأخذ أمه عائشة بسهمه؟) فقالوا يا أمير المؤمنين أصبت وأخطأنا وفيها عن بعض الأنصار أنَّه قال عند ذلك شعراً:
إن رآنا رأيتموه سفاهاً ... لخطأ الإيراد والإصدار
ليس زوج النبي يقسم فيّا ... ذاك زيغ القلوب والأبصار
ليس ما ضمت البيوت بفئ ... إنَّما الفئ ما تضم الأواري
من كراع في عسكر وسلاح ... ومتاع تبيع أيدي التجار
في أبيات طويلة، وروى أبو محنف بإسناده عن علي عليه السلام أنَّه كان يأمر في كل موطن لقينا فيه معه عدواً، فيقول في حديث له طويل أن عليّاً أمر أن يحووا ما كان في عسكر النهروان من شيء، فأما السلاح والدواب وما شهر به عليه فقسمه بين المسلمين وأم المتاع والعبيد والإماء فإنه حين قدم رده على أهله فكل هذه الأخبار دالة أن عليّاً عليه السلام جعل ما حواه من عسكر أهل البغي الذي استعين به على المحقين غنيمة.
فإن قيل: ففي الحديث الأخير أنَّه عليه السلام رد المتاع والعبيد والإماء على أهليهم؟(147/4)
قيل له: يحتمل أن يكون فعل ذلك؛ لأنها لم تكن مما استعين به على المسلمين، ويجوز أن تكون كانت في منازلهم ومواضعهم غير المعسكر، وما كان كذلك فعندنا أنهه لا يعترض له، وروى أيضاً أبو محيف أن عبيد الله بن عمر حين قتل مع الخلاف: كنت في من قتله واحد محرر بن الصحصح سيفه ذوا الوشاح، وبقي عنده إلى أيام معاوية ثُمَّ أخذ منه ولم ينكره أحد من المسلمين مع مضايفة بعضهم بعضاً أيام صفين في يسير ما كانوا يرونه منكراً، فدل على أنَّه كان رأى الجماعة وبإذن أمير المؤمنين.
فإن قيل: وأنه لم يرد إلى الغنيمة ولم يرو ذلك؟
قيل له: يحتمل أيضاً أن يكون عليّ عليه السلام نفله إياهن وذلك عندنا جائز وسنبين الكلام فيه في باب قسمة الغنائم، وروى أيضاً أبو محنف أن رجلاً من أهل الشام خرج يدعوا إلى المبارزة فخرج إليه عبد الرحمن بن محرر الكندي فتحاولا ساعدة، ثُمَّ أنَّه حمل على الشامي فطعنه في ثغرة نحرة فصرعه، ثُمَّ نزل إليه فسلبه درعه وسلاحه، فدل أيضاً على ما قلناه.
فإن قيل: لا يجوز تغنم أموال المسلمين، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <من قال: لا إله إلاَّ الله، فقد عصم مني دمه وماله، إلاَّ بحقه>؟(147/5)
قيل له: ما أجزنا تغنمه من مال أهل البغي فهو من حقه للأدلة الَّتِي ذكرناها، ألا ترى إن سفك دمه من حقثه على أن يغنم أموال المسلمين على سبيل العقوبة له أصل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا يمتنع ما قلناه فيما جلبه أهل البغي إذ رويناه عن علي، وذلك ما روي أن سعد بن أبي وقاص أتاه قوم بعبد لهم أخذ سلبه أذراه يصيد في حرم المدينة فأخذ عليه فكلموه أن يرده فأبى وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <من وجدتموه يصيد في شيء من هذه المواضع والحدود فمن وجده سلبه فلا أرد عليكم طعمه>، أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي بعض الأخبار: معاذ الله أن نرد شيئاً نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما روي أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال في الزكاة: <من أداها طائعاً فله أجرها، ومن قال لا، أخذناها منه وشطر ماله عرمة من عرمات ربنا>، وما روي أن من غل أحرف متاعه، وأيضاً روي أن أمير المؤمنين شعب دار جرير بن عبد الله حين لحق بمعاوية، وأحرق مجلسه ثُمَّ خرج إلى دار ثور بن عمر فحرقها وهدم منها، وكان ثور أيضاً لحق بجرير حين خرج، وروى أيضاً أبو الحسن الكرخي ومحمد بن منصور جميعاً بإسنادهما أن علياً عليه السلام أحرق بنادر لرجل كان احتكرها، فقال الرجل لو لم يحق علي من مالي ما أحرق لربحت مثل عطاء أهل الكوفة، وروي أنَّه أحرق دور قوم في بعض السواد كانوا يبيعون الخمور، وروي أن عمر أحرق في المدينة دار رجل كان يبيع الخمر اسمه رويشد فسماه فويسقا، فكل ذلك يدل على أن للتصرف في أموال المسلمين مسرحاً على سبيل العقوبة لهم بالتغنم تارة بالإحراق والإفساد أخرى، وروي أيضاً أن رجلاً كوى عبده فأعتقه عليه علي عليه السلام، وأيضاً أهل البغي لما صارت لهم فيه وتناصر على الإسلام وجلب دماؤهم على بعض الوجوه، وجب أن يحل تغنم المقاييس.
فإن قيل: قولنا يوجب الحر وقولكم يوجب الإباحة، فصار قولنا أولى؟(147/6)