قال: ولو أن جماعة من المسلمين آمنوا جماعة من المشركين في قرية ن القرى ثُمَّ افتتحت تلك القرية لم يكن للمسلمين سبيل على الذي حصل لهم الأمان ولا على أموالهم وأولادهم، وهذا مما لا خلاف فيه؛ لأن أمان واحد أو جماعة من المسلمين جائز على جميع المسلمين، فإذا حصل فهم الأمان من واحد أو جماعة من المسلمين حرمت دماؤهم وأموالهم والصغار من أولادهم على جميع المسلمين، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: <ويسعى بذمتهم أدناهم>، قال: فإن سبيت الغنائم وحيزت ثُمَّ أتت جماعة من المسلمين فادعوا أنهم كانوا آمنوا نفراً منهم وكانوا قد حضروا القتال والغنيمة ولم يتكلموا بشيء منه ثُمَّ تكلموا بعد لم يقبل الإمام منهم قولهم، وإن كانوا في وقت القتال والغنيمة غيباً ثُمَّ حضروا وادعوا قبل الإمام منهم إن أقاموا عليه البينة، والأصل في هذا الباب أنَّه مصدق في قوله: أمنتهم ما دام مالكاً، لأن يؤمنهم وتكون ولا يته في ذلك ثابتة، فإن لم يملكوا أن يؤمنوهم فتكون ولايتهم تلك زائلة، فلم يسمع قولهم إلاَّ بالبينة، فكما أن من كان في يده شيء يملكه فإن إقراره فيه جائز، فإذا خرج عن ملكه لم يجز فيه إقراره فعلى هذا إذا فتحت قرية أو بلدة وسبوا وغنمت أموالهم فلا يصح أمان من يؤمنهم ولا يملك ذلك، فيجب أن لا يقبل قول من يقول كنتم آمنتم فإن قامت بذلك بينة سمعت البينة وردوا كما كانوا، وردت إليهم أموالهم، وفصل يحيى بين من حضر منهم وقت الغنيمة وبين م لم يحضر، إنَّما هو لتأنيهم من حضر وشكت، فأما أن البينة مسموعة في الوجهين وأن قولهم غير مسموع بغير بينة، فهو سواء ويجيء على هذا القول أن الأب إذا أقر بتزويج ابنته الصغير في حال صغرها أن إقراره جائز؛ لأنَّه أقر في حال يملك عليها تزويجها، فإن أقر بذلك بعد بلوغها، فيجب أن لا يجوز إقراره بإنكاحها ولا بد فيه من إقامة البينة.
مسألة(146/3)
قال: ولو أن عسكر الإمام افتتحوا بلداً من بلاد الحرب، فقال الإمام لم أكن أمرتكم بافتتاح هذا البلد وأني كنت أمنتهم كان مصدقاً، ووجب ردهم إلى مأمنهم وترك التعرض هلم، وذلك له أن يحكم بعلمه وحكمه نافذ في جميع المسلمين، فإذا قال: كنت آمنتهم جرى ذلك مجرى الحكم لهم ولا يحتاج في ذلك إلى البينة كما أنَّه لو علم أن لزيد على عمرو مالاً جاز له أن يحكم بعلمه، وإن لم تكن له بينة والكلام في أنَّه يحكم بعلمه قد مضى في كتاب القضاء والأحكام.
مسألة
قال: ولو أنَّ أسيراً من المسلمين في يد أهل الحرب أمن بعضهم وهو في أيديهم لم يجز أمانه على المسلمين، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، ووجهه أنَّه مقهور في أيديهم فهو بمنزلة المكره، وأيضاً هو غير متمكن من القتال فهو بمنزلة الصبي وليس يلزم عليه العبد ولامرأة؛ لأنهما متمكنان من القتال وإن لم يكونا من أهله؛ ولأنهما يحرضان ويعينان، وكذلك المريض يحرص ويعين وليس كذلك الأسير.
مسألة(146/4)
قال: ولو أن مسلماً دخل قرية من قرى الشرك بأمان واشترط لهم أن لا يحدث فيهم حدثاً ثُمَّ افتتحت تلك القرية لم يجب له شراهم وإن لم يكن اشترط فلا بأس، وذلك لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <المسلمون عند شروطهم وشراهم>، ضرب من الحدث فيهم، وقد اشترط أن لا يفعله واستحب له الوفاء لهم بذلك؛ لأنَّه لا يدخله في معصية، وليس كذلك لو كان اشترط لهم أن يقيم فيهم ولا يخرج من عندهم؛ لأن ذلك معصية لقوله: أنا بريء من كل مسلم أقام في دار الشرك، ويستحب على هذا للأسير لو أطلق على فداء يبعثه إليهم ن المال الذي لا يجري مجرى السلاح والكراع يستحب له الوفاء به؛ لأنَّه ليس بمعصية فإن شرطوا عليه العود لم يجز له العود؛ لأنَّه معصية فعلى هذا يجب أن يجري هذا الباب، قال: ولو أن قوماً من أهل الحرب دخلوا بلاد المسلمين بأمان لم يخل الإمام بينهم وبين شراء السلاح والكراع ولا أن يخرجوا من دار الإسلام إلى دار الكفر شيئاً من السلاح والكراع إلاَّ ما دخلوا به بعينه، وذلك أنهم إذا خرجوا بالسلاح والكراع من دار الإسلام كانوا قد زادوا في قوتهم على المسلمين وعدتهم ونقصوا من قوة المسلمين وعدتهم، قال الله تعالى عز وجل: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ..} الآية، فلذلك قلنا: أن للإمام أن يمنعهم من ذلك ن فأما إذا خرجوا بما دخلوا به لم يكن ذلك زيادة في قوتهم ولا نقصان في قوة المسلمين؛ لأنهم كانوا يوم خروجهم كما كانوا يوم دخولهم على أن الأمان وقع لهم ولأموالهم فلا يمنع من أموالهم الَّتِي دخلوا بها ما لم يعرض حق يقتضيه، قال: فإن أرادوا أن يأخذوا بالجيد رأياً يأخذ، وأفضل ما بينهما أحيز ذلك لهم؛ لأن ذلك زائداً في قوة المسلمين وموهن لقوتهم، وقد قال الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}، وإعطاؤهم الرديء من السلاح وأخذ الجيد منهم من إعداد القوة لهم.
مسألة(146/5)
قال القاسم عليه السلام: يجوز أمان المملوك المسلم، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجوز أمانه إلاَّ أن يكون ممن يقاتل، والأصل في ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <المسلمون تتكافئ ماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وعبيدهم أدناهم>، فوجب أن يكون لهم السعي في ذمتهم، وفي حديث زيد بن علي، بسنده إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <أيما رجل من أقصاكم أو أدناكم من أحراركم أو عبيدكم أعطى رجلاً منهم أماناً أو أشار إليه فأقبل إليه بإشارته فله الأمان حتَّى يسمع كلام الله>، فجعل أمان العبيد كأمان الأحرار نصاً على أن قوله أيا رجل من أقصاكم وأدناكم يعم العبيد والأحرار فصح ما قلناه، على أن اشتراط القتال لا معنى له؛ لأن النساء لا يقاتلن ولا أعرف خلافاً في أن أمانهن أمان قد أجازه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أجارت أم هاني بنت أبي طالب، فقد أجرناه فأجاز جوارها على أن القاسم عليه السلام قد حكى الخلاف في أمان المرأة عن بعض الناس وإن كان ذلك غير مشهور.
فإن قيل: الأمان تصرف على المسلمين بالولاية والعبد لا ولاية له فلا يملك الأمان؟
كان ذلك منقضاً بالعبد إذا أذن له مولاه في القتال، وعامة ما يحتجون به في ذلك ينتقض بالعبد المأذون له في القتال ويمكن أن يقاس العبد على الحر بأنه مسلم مكلف، فيجب أن يكون حكمهما في الأمان سواء. والله أعلم.(146/6)
باب القول في محاربة أهل البغي
أيَّما طائفة من المؤمنين بغت على إمام الحق ولم تلتزم طاعته وجب على الإمام محاربتهم وعلى سائر المسلمين الأصل في قتال أهل البغي، وقول الله عز وجل: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلثوا الَّتِي تَبْغِيْ..} الآية، وما من علي عليه السلام من قتال عائشة وطلحة والزبير، وقتال معاوية وقتال الخوارج، وروي عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: <أنك تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين>، ووري عنه عليه السلام أنَّه قال: (لم أجد بداً من قتالهم أو الكفر بما أنزل الله)، وهذا يدل على أنَّه قاتلهم بنص عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووعيد من جهته على تركه؛ لأن الذي يكون مأخوذاً عن الاجتهاد لا يجب في الإخلال به الكفر، وما يكون مأخوذاً من النص أيضاً لا يجوز أن يحكم على من أخل به بالكفر حتَّى يكون هناك نص عليه أو ما يجري مجرى النص، ولا أعرف خلافاً في أن السيرة في أهل البغي مأخوذة عن علي عليه السلام، والباغي اسم شرعي ولا ينطلق إلاَّ على من بغى على إمام المسلمين ونصب الحرب، وكانت له فئة ومنعه كما كان يوم الجمل ويوم صفين ويوم النهروان، وإنَّما عرفنا الاسم لمن كان كذلك بالإجماع، فأما من خالف الإمام ولم يأتمر له استعصى عليه أو حال بينه وبينهما يجب له فلا يستحق أن يسمى باغياً قياساً على من خرج عليه نوصب له الحرب، وإن كان عاصياً آثماً مرتكباً للحضور؛ لأن الأسماء لا تؤخذ قياساً، ولهذا لا يسمى المختلس والطرار والخائن والغاصب سارقاً، قياساً عليه، ولا تسمى الأنبذة خمراً قياساً عليها، وإنَّما نسميها خمراً لآثار وردت فيها دون القياس، وقد نبه الله على ما قلناه بقوله: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ اقْتَتَلُوا} إلى قوله: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا(147/1)