قال: وذا سبي بعض أهل الحرب مملوكاً مسلماً فارتد عن الإسلام ثُمَّ أسلم عليه من سباه وخرج به إلى دار الإسلام عرض عليه الإسلام فإن قبله كان عبداً مملوكاً لمن أسلم عليه، وإن أبى قتل، وذلك أن الحربي ملكه بالسبي فإذا ارتد كان مملوكاً له كافراً، فإذا أسلم عليه صاحبه وحمله إلى دار الإسلام كام حكمه حكم سائر المرتدين في أنَّه يعرض في دار الإسلام، فإن رجع إليه كان مملوكاً كما كان مسلماً وإن أبى قتل كالمملوك يرتد في دار الإسلام يعرض عليه الإسلام، فإن قبل كان مكاتباً لمن أسلم عليه، وإن أبى قتل والكلام في هذا كالكلام فيما مضى؛ لأن ردته لا تغير شيئاً من أحكامه إلاَّ وجوب مطالبته بالإسلام أو القتل إن أباه؛ لأنَّه لو كان حراً كان كذلك، قال: وكذلك القول في أمر الولد إن ارتدت عند من سباها ثُمَّ أسلم عليها في أنَّها يعرض عليها الإقلام، فإن عادت إلى الإقلام افتديت وإن أبت قتلت؛ لأنها مرتدة والمرتدة عندنا تقتل إذا أبت الرجوع إلى الإقلام، والكلام في هذا قد مضى فلا يستحق من أسلم عليها شيئاً من العوض؛ لأن قتلها مستحق فتقع بلا عوض كما أنَّه لو كان حراً أو عبداً له ملكه من غير هذا الوجه، لم يستحق على قتله عوض، قال: فإن كان في بطنها ولد انتظر وضعها ما في بطنها ثُمَّ تقتل إذا قامت على الردة، وذلك أن كل امرأة استحقت القتل لأي وجه استحقته من قتل نفس بغير نفس أو زنى بعد أحصان، فإنها لا تقتل إذا كان ولدها في بطنها؛ لأنَّه يؤدي إلى قتل من لا يستحق القتل فينتظر وضعها ثُمَّ تقتل، وهذا مما لا خلاف فيه عند من يرى قتل المرتدة؛ لأن الحرة لو ارتدّت أيضاً وهي حامل كان هذا حكمها.
مسألة(145/18)
قال: ولو أن قوماً من أهل الحرب قبلوا الذم والتزموا الجزية، وفي أيديهم أرقاء مسلمين لأهل الإسلام قيل لأربابهم من المسلمين إن أحببتم افتيتموهم بقيمتهم، فإن فعلوا وإلاَّ أمر الذين هم في أيديهم ببيعهم م ساعته؛ لأنَّه لا يجوز أن يملك ذمي مسلمان وذلك أنهم قد ملكوهم في حال حربهم، فإذا دخلوا في الذمة لم يزل ملكهم كما لا يزول لو أسلما عليه إلاَّ أنهم لا يخل بينهم وبين الاستمرار على تملكهم، فإن اختار الذين كانوا أربابهم أن يأخذوهم بالقيمة كانوا أولى بهم كما نقول فيمن وجد ماله الذي عليه غلبت أهل الحرب بعد القسمة أنَّه أولى به بالقيمة، وإن لم يختاروهم كلف الذين دخلوا في الذمة بيعهم من سائر من يشتريهم من المسلمين كما يلزم الذمي ببيع ما يملكه من العبد المسلم، وهذا مما لا خلاف فيه، قال: فإن كان في أيديهم مكاتب مسلم، قيل له: أدي مكاتبتك فإن أدَّى أعتق وولاه ملن عقد عليه الكبة وإن أبى أمر ببيعه، وقد مضى الكلام أنهم إذا غلبوا على مكاتب المسلمين في دار الحرب ملكوه على ما كان يملكه أربابهن فإذا دخلوا في الذمة وفي أيديهم مكاتب مسلم قيل له: أدّ مكاتبتك؛ لأنَّه قد استحقه عليه كما كان مولاه المسلم الذي كاتبه يستحقهن فإن أبى أمر ببيعه؛ لأن المكاتب إذا أبى أن يؤدي مال الكتابة كان ذلك تعجيزاً منه لنفسه وتنفسخ به الكتابة ولا يمكن من الاستمرار على تملكه ويلزم بيعه على ما تقدم.
مسألة(145/19)
قال: فإن كانت مع بعضهم أمة مسلمة قد حملت منه أمر باعتزالها وما في بطنها مسلم بإسلامها، فإن أسلم الذمي وهي منه في عدة فهي أم ولده، وإن لم يسلم حتَّى تخرج من عدتها فهي حرة، قلنا ذلك؛ لأن الذمي لا يجوز له وطء المسلمة، وقلنا ما في بطنها مسلم بإسلامها؛ لأن الولد يصير مسلماً بإسلام أحد أبويه، وقد مضى الكلام فيه، وقال: أنَّه إن أسلم الذمي وهي في عدة منه فهي أم ولده، فإن لم يسلم حتَّى تخرج من عدتها فهي حرة كما تقول في الذمي إذا أسلمت زوجته أنَّه أولى بها إن أسلم ما دامت في العدة، و قد مضى الكلام فيه، وقلنا: أنَّها تكون حرة إن لم يسلم حتى تنقضي عدتها؛ لأنَّه لا يخلو من وجوه ثلاث، إمّا أن يقررها في ملكه، وذلك لا يجوز؛ لأن المسلم لا يجوز تقريره في ملك الذمي بل يجب إخراجه من ملكه وإخراجه لا يخلوا إما أن يكون بتمليكها غيره ببيع أو هبة بعتق، ولا يجوز بيع أم الولد ولا هبتها فلم يبق إلاَّ إخراجها عن ملكه العتق، فيجب أن يحكم بعتقها ويجب أن تكون عليها السعاية في قيمتها؛ لأنها لم تعتق باختياره وإنَّما عتقت عليه بغير اختياره فلا بد من حصول العوض وكالعبد بين الشريكين يعتقه أحدهما فلا بد من حصول العوض، وهو قيمة حصته منه للشريك الآخر، ولا وجه هاهنا لحصول العوض إلاَّ من جهة السعاية، فوجب أن تلزمها السعاية كما نص على مثله في كتاب العتق، قال: فإن أسلم بعد ذلك جاز له أن يتزوجها برضاها ويكون ولاؤها له وتكون عنده على ثلاث تطليقات، قلنا: له أن يتزوجها برضاها وتكون عنده على ثلاث تطليقات؛ لأنها حرة لم يجز عليها منه تطليقة.
مسألة(145/20)
قال: ولو أن مملوكاً أسلم في دار الحرب ثُمَّ هاجر إلى دار الإسلام كان حراً ولم يكن لمولاه عليه سبيل، وإن أسلم بعد ذلك أو دخل دار الإسلام قلنا أنَّه إذا أسلم في دار الحرب ثُمَّ هاجر إلى دار الإسلام كان حراً؛ لأنَّه لا إشكال في أن العبد الحربي إذا أبق من أهل الحرب وصار إلى أهل الإسلام أنَّه يكون ملكاً لمن أحرزه من المسلمين ولا يكون للحربي عليه سبيل لخروجه عن يده ومصيره إلى أيدي المسلمين، فكذلك إذا أسلم وهاجر يجب أن يكون قد صار في يد نفسه أحرزها، فيجب أن يكون قد ملك نفسه، وإذا ملك العبد نفسه صار حراً لخروجه عن يد الحربي وحصوله في يد نفسه في دار الإسلام؛ لأنَّه في منزلة العبد الحربي يحصل في يد المسلم في دار الإقلام في انه يملكه، وأيضاً قد انقطعت عنه حقوق الحربي بمصيره إلى دار الإسلام بمنزلة سائر أمواله إذا صارت في دار الإسلام بغير أمان، ألا ترى أنَّه يصير ملكاً لمن يجوزه من المسلمين، فإذا انقطعت عنه حقوقه ولم يحلف عليه حق غيره وجب أن يصير حراً؛ لأن معنى العتق ليس هو اكثر من أن يخرج عن ملك المولى ولا يخلفه مالك سواه، فإذا صار حراً وهو مسلم لم يجز أن جري عليه الرق في دار الإسلام فبقي حراً، فإن جاء بعد ذلك صاحبه مسلماً لم يكن عليه سبيل؛ لأن الحرية قد حصلت له، ألا ترى أنَّه لو هرب بعد كافر إلى دار الإسلام فغنمه مسلم ثُمَّ جاء صاحبه بعد ذلك مسلماً لم يكن له عليه سبيل، فما قلناه أولى؛ لأن الحرية أؤكد من الملك، ويمكن أن يستدل على المسألة بقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الذِّيْنَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} إلى قوله: {فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ}، وقوله: {وَلا جَنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، ولم يشترط أن تكون كانت في الأصل حرة أو أمة، فوجب بحكم هذا الظاهر انقطاع حقوق الكفار عنهن إماءكن أو حرائر في الأصل، فأوجب(145/21)
ذلك عتق الإماء منهن، وروي أن أبا بكرة وكان من عبيد أهل الطائف خرج في جماعة من عبيدهم إلى النبي مسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: < هؤلاء عتقاء لله>، قال محمد في السير: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في دار الحرب، ثُمَّ استعلى المسلمون على ذلك الدار كان المملوك حراً أيضاً ولم يدخل في جملة الغنائم، ووجهه ما قد مضى؛ لأن المسلمين إذا استعلوا على دار الحرب انقطعت حقوقهم وملكهم عن أموالهم، فوجب أن ينقطع ملكه عن العبد المسلم ولم يجز أن يبتدأ استرقاق المسلم، فوجب أن يكون حراً.
مسألة(145/22)