قال: ويجل على الإمام أن يعلم كل من دخل من أهل الحرب بلاد المسلمين انه إن أقام فيها أكثر م سنة لم يتركه يخرج منها ويضرب عليه الجزية وكان ذمياًّ، وإن وجده بعد السنة حكم فيه بذلك، والأصل في هذا أنَّه لا خلاف أن الكافر لا يخلي بينه وبين استدامة المقام في دار الإسلام إلاَّ على وجه الذمة أو الرق، لقوله عز وجل: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ}، وقوله: {وَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِيْنَ حَيْثث وَجَدْتُّمُوهُمْ}، وقوله: {قَاتِلُوا الَّذِيْنَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ..} الآية، إلى قوله: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ}، ولا خلاف أنَّه يجوز أن يمكنوا من إقامة مدة يسيرة على وجه الأمان لقوله عز وجل: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ}، ولما ثبت أن رسل المشركين كانوا يردون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقيمون مدة مثلهم، فعلى الإمام إذا عرف من حال بعض من يدخ من المشركين دار الإسلام على وجه الاستيمان أن يعلمه أنَّه إن أٌم حولاً صار ذمياًّ وإنَّما شرطنا الحول؛ لأنا احتجنا إلى الفرق بين يسير المدة والاستدامة، ووجدنا الحول مما يتعلق بمروره على أهل الشرك حكم لزوم الجزية، وكذلك يلزم بمرور الخراج الذي سببه الشرك فكان هو أولى بالاعتبار على أن مقامهم لما حاز المدة اليسيرة لأغراض كالتجارة أو البحث عن أمر الدين أو أداء رسالتهم، وكان الغالب في الأحوال أن أكثر الأغراض تتم باستكمال الحول كالزراعة وما يجري مجراها من التجارة، كان الاعتبار به أولى، فإذا ثبت ذلك وجب أن يعتبر الحول يتحين يتقدم الإمام إليهم بذلك، وقلنا: أن السنة إذا مرت عليهم على الشرط الذي قلنا صاروا أهل ذمة، وضربت عليهم الجزية؛ لأن الإمام إذا تقدم إليهم بذلك ثُمَّ أقام بعده استكمال الحول فكان ذلك في الظاهر رضىً منهم بما شرط عليهم كما أن المشتري إذا عرف في السلعة عيباً ثُمَّ(145/13)
استعملها بعد ذلك كأن تكون جارية فيطأها أو دابة فيركبها أو يكريها أو ثوباً فيلبسه أو أرضاً فيزرعها يكون جميع ذلك رضىً بالعيب ولا يمكنه ردها بعد ذلك، وكالمشتري له خيار الثلاث إذا سكت إلى انقضاء الثلاث يبطل خياره وسكوته في بعض الثلث، لا يبطل خيارهن وكذلك لو ان صاحب دار قال لآخر: اسكن هذه الدار شهراً بكذا، فسكنها لزمه المسمى بانقضائه، فكذلك حال الحربي؛ لأنَّه إذا أقام حولاً في دار الإسلام وقد اشترط عليه أنَّه إن أقام صار ذمياًّ ولزمته الجزية، فإن أقام ذلك كان رضىً منه بما شرط عليه على ما بينَّاه في جميع المسائل.
باب القول في أهل دار الحرب يسلمون أو يسلم بعضهم ويقبلون الذمة
إذا أسلم أهل دار الحرب على أرقاء مسلمين فهم لهم أرقاء على ما كانوا في أيديهم، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والأصل فيه أن من مذهبنا أن أهل دار الحرب من الكفار يملكون علينا ما يصح تملكه بالغلة، فالكلام في هذا قد مضى في كتاب الزكاة وفي مسألة زكاة ما غلب عليه المشركون من أموالنا، فإذا ثبت ذلك فالأرقاء المسلمون الذي كانوا للمسلمين قد صاروا ملكاً بالغلبة، فإذا أسلموا لم يقدح ذلك في ملكهم وكانوا مماليك لهم على ما كانوا بمنزلة أن يملكهم مسلم على مسلم، هذا إن كانوا الأقوام مسلمين، فأما إن كانوا أسلموا في أيديهم ولم يكن ملكهم قبلهم مسلم فهو واضح؛ لأنهم ملكوهم قبل إسلامهم، فإذا أسلموا لم يزل ملكهم.
مسألة(145/14)
قال: فإن أسلم الحربي وفي يده أم ولد لمسلم وكان المسلم مؤسراً وجب عليه أن يفتديها من الذي أسلم عليها بقيمتها، وإن كان معسراً وجب أن يفتديها الإمام من بيت مال المسلمين، ووجهه أن أم الولد مملوكة لسيدها يطأها بالملك ويكون أولى بقيمتها إن قتلت وبكسبها إن اكتسبت وباستخدامها، وإنَّما حظر عليه أن يملكها غيره، فإذا كان ذلك كذلك وكان قد ثبت أن أهل الحرب يملكون علينا بالقهر والغلبة وجب أن يكون الحربي إذا غلب على أم ولد مسلم إن يملكها عليه على حد ما كان سيدها مالكاً لها، فإذا ملكها وجب أن يكون و أولى بعوضها وإن يستحقها على من يتلفها، فإذا ثبت ذلك فمتى أسلم عليها الحربي لم يجز له أن يقيم على ملكها؛ لأن الإسلام يمنع من كون أم ولد المسلم ملكاً لغيره، ووجب أن يستحق عوضها؛ لأنَّه مال ولا يمتنع استحقاقه مع الإسلام فيحكم به على سيدها إن كان مؤسراً أو يعان عليه من بيت المال إن كان معسراً فإن لم يكن بيت مال فالواجب أن يكون ديناً عليه، ولا وجه لسعايتها؛ لأنها لا تعتق فلا يلزمها عوضها مع كونها موقوفة.
فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم: أن الغلبة في أهل الحرب، وجه يتملكون منه كما يتملك بعضنا على بعض بالشراء والهبة، فما لا يصح أن يتملك بالشراء والهبة بعضنا على بعض ولا يصح منهم أن يملكوه علينا بالغلبة؟(145/15)
قيل له: لا يمتنع أن تكون الغلبة أقوى في هذا الباب من الشراء والهبة؛ لأن الشراء والهبة لا يصحان على كل وجه بل لا بد فيهما من شروط كارتفاع الجهالة والغرر عن الشراء وعن الثمن والسلعة، كذلك الغلبة فإنها تملك على كل وجه ولا تعتبر فيها رضى المالك أو من يقوم مقامه، فيجب أن يكون حكم الغلبة أقوى فلا يمتنع أن يملك بها ما لا يصح أن يملك بالشراء والهبة، وعلى أنا نقول أنهم يملكون على المسلمين أرقائهم المسلمين بالغلبة، ولا يجوز للكفار أن يملكوا أرقاء مسلمين بالشراء والهبة، فكل ذلك يكشف أن الغلبة أقوى في هذا الباب فلا يمتنع أن تملك بها أم الولد على سيدها، والذي عندي أن على مذهب أبي حنيفة أن سيدها أولى بها من غير واحدة، وهذا هو الأصح عندي؛ لأن اعتباره قوة الغلبة على الشراء والهبة يضعف، والله أعلم، والذي يقتضيه قياساً قول يحي عليه السلام: أن سيدها الأول لو مات فيجب أن تصير حرة، وكذا يجب أن يكون حكم المدبر لقوله في مكاتب المسلم إذا غلب عليه الحربي أنَّه يعتق إذا أدَّى الكتابة إلى الحربي، والله أعلم، قال: ولا يجوز لمن أسلم عليها أن يطأها قبل أن تفتدى منه، وذلك أن الإسلام قد حظر عليه وطأها؛ لأنَّه لا يجوز في الإسلام وطء أم الولد لغير سيدها، على أن الإسلام قد حظر عليه بملكه لها فصح ما قاله، قال: فإن كان وطئها في دار الحرب فأسلم عليها وهي حامل منه كان الولد ثابت النسب منه، فإن افتداها صاحبها أو افتدى له الإمام فليس له أن يطأها حتَّى تضع ولدها من الثاني، ثُمَّ تطهر من نفسها، قلنا: أن النسب ثابت؛ لأن الحربي قد ملكها على ما بيناه، فوجب أن يثبت نسب ولدها منه، وقلنا: أنها إذا عادت إليه لا يطأها وهي حامل حتَّى تضع ما في بطنها وتطهر من نفاسها؛ لأنها بمنزلة الموطوءة للشبهة إذا عادت إلى زوجها أو سيدها على أن الحامل من الزنا عندنا لا يجوز وطؤها، فكانت تلك أولى بذلك.
مسألة(145/16)
قال: وإن أسلم الحربي وفي يده مكاتب لمسلم ينبغي لمن هو له بما كوتب علي، فإذا أدّاه عتق وكان الولاء لمن كاتبه وهو المسلم الأول، فإن أبى العبد أن يسعى له كان مملوكاً لمن أسلم عليهن وذلك لما بيناه أن الحربي في دار الحرب يملك علينا ما ملكناه على الوجه الذي ملكناه، فإذا كان من كاتب العبد من المسلمين كان ملكه له على شرط أن يعتق بأداء مال المكاتبة وجب أن يكون تملك الحربي له على ذلك الوجه، وإذا أسلم عليه الحربي وأدّا المكاتب إليه مال الكتابة يجب أن يعتق بحصول الشرط، وقلنا أن الولاء يكون للمسلم الأول؛ لأنَّه عتق بعقد الكتابة الَّتِي كانت من جهته، فكان هو المعتق له، فوجب أن يكون الولاء له لقوله: الذي كان المسلم الأول ملكه، وقد علمنا أن العبد متى عجز نفسه كانت الكتابة منفسخة وصار عبداً كما كان، وإن كان في ملك المسلم الأول فكذلك إذا صار ملكاً للمسلم الثاني؛ لأنَّه ملكه على الحد الذي ملكه المسلم الأول على أن العبد إذا كان مالكاً لفسخ الكتاب بالتعجيز لنفسه فلا فصل بين أن يكون في ملك الأول أو الثاني كما أن المكاتب له لو مات كان للمكاتب أن يفسخ الكتابة ويصير عبداً للورثة كما كان في الأصل.
مسألة(145/17)