كلمة واحدة، يقولونها يدين لهم بها العرب ونودي إليهم بها العجم الجزية، وهي لا إله إلاَّ الله>، فدل ذلك على أن العرب حكمهم ان يؤخذوا بالطاعة، وأن العجم تؤخذ منهم الجزية، وذلك عام في جميع العجم، وفصل بين العرب والعجم في باب أخذ الجزية.
فإن قيل: فلم جوّزتم أخذها من أهل الكتاب من العرب؟
قيل له: ذلك مخصوص بالإجماع وبالآية، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: (لا يقبل من مشركي الكتاب العرب إلاَّ الإسلام أو السيف، وأما مشركوا العجم فتؤخذ منهم الجزية، وأما أهل الكتاب من العجم والعرب فإن أبو أن يسلموا أو سألونا أن يكونوا ذمة قبلنا منهم الجزية)، ويقال للشافعي، قد ثبت أن المجوس تؤخذ منهم الجزية لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، ولما حصل فيه من الاتفاق فوجب أن تؤخذ من سائر الكفار من العجم وإن كانوا من أهل الأوثان، والعلة أنَّه عجمي كافر الأصل مستمر عليه.
فإن قيل: أنهم من أهل الكتاب ملا روي عن علي عليه السلام: أن المجوس أهل كتاب بدلوا فأصبحوا وقد أسروا على كتابهم؟(145/8)
قيل له: هذا الحديث مما لا نعرف، وهو لا يخرجهم اليوم من أن لا يكونوا من أهل الكتاب إذ لا يدينون بكتاب معروف؛ ولأنهم يعبدون النيران فهم في حكم عباد الأوثان، على أن قول الله عز وجل: {تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا}، يعني اليهود والنصارى، أنهم أهل الكتاب فقط، وأنم لا ثالث لهم، وفي ذلك دليل على أن المجوس ليسوا منهم، ويدل على ذلك حديث عبد الرحمن بن عوف، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <سنوا بهم سنة أهل الكتاب>، فدل ذلك على أنهم لم يكونوا من أهل الكتاب وإنَّما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجروا مجرى أهل الكتاب في أخذ الجزية، وفي تقريرهم على ماهم عليه، فوجب أن يكون ذلك حكم جميع العجم على أن حديث عبد الرحمن حديث مشهور تلقنته الصحابة والعلماء بعدهم بالقبول على أنَّه لا يصح أن ينسبوا إلى كتاب لا يعرف ولا يعرف ما في ولا هم يدينون به ولا يعلمن على من كان أنزل، فلو كان لهم في الأصل كتاب إلاَّ أنهم قد جهلوه ولا يتمسكون به لكانوا في حكم اليهود والنصارى، لو صاروا من عبدة الأوثان وأعرضوا عن التوراة والإنجيل، وإن قاسوا مشركي العجم على مشركي العرب كان ذلك منتقضاً بالمجوس، وأما مالك فإنه يحجه ما قدمناه من قول الله عز وجل: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ}، إلى قوله: {فَإِنْ تَابُوا}، لأنَّه عز وجل لم يجعل لهم إلاَّ الإسلام أو السيف؛ لأن الآية على ما بيناه خاصة في مشركي العرب، وكذلك قوله: {فَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ}، ثُمَّ قوله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ}، يعني الكفار، وأيضاً العرب ملا كانوا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سائر الأمم وجب أن يغلظ عليهم العقاب ضرباً من التغليظ كأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وليس ذلك إلاَّ أن لا تؤخذ منهم الجزية، بدل القتل، قال: فإن أبوا حوربوا واستعين(145/9)
بالله عليهم، فإذا انهزموا وضع فيهم السيف، وقتلوا مدبرين ومقبلين وأسروا واستبيحت بلادهم وتجمع غنائمهم وتقسم، وهذه الجملة لا خلاف فيها، وقلنا يقتلون مقبلين ومدبرين؛ لأن دماؤهم كانت مباحة بالكفر فلم يراع فيهم ما يراعى في أهل البغي في أن يكون لهم فئة أو لا يكون، وقوله: واستبيحت بلادهم، دليل على أن للإمام أن يعمل فيها برأيه من استيفاء إن رأى ذلك صلاحاً للمسلمين، أو إحراق أو تخريب، إن رأي ذلك ضر على أهل الكفر ولم ير فقيه للمسلمين صلاحاً، ولذلك لقول الله عز وجل: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِيْنَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةٌ عَلَى أُصُولِهَا..} الآية، قوله: {يَخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيْهِمْ وَأَيْدِيْ الْمُؤْمِنِيْنَ}، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بإحراق نخل بني النضير فإذا ثبت ذلك في الأشجار والبيوت كان ذلك حكم جميع الأموال، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
فإن قيل: فقد رويتم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <لا تعقروا شجراً إلاَّ شجراً يضركم ولا تعوروا عيناً>؟
قيل له: ذلك لا ينافي قولنا؛ لأنا أخرنا ذلك بأن يراه الإمام نفعاً للكفار، ولا نرى فيه للمسلمين صلاحاً، وما كان كذلك فهو ضار للمسلمين، وقد استثناه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جملة النهي.
مسألة(145/10)
قال القاسم عليه السلام: ولا يقتل شيخاً شيخ فان ولا راهب متخل في صومعته إلاَّ أن يقاتلن فإن قاتل قتل، وذلك لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا شيخاً كبيراً لا يطيق قتالكم>، وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان والأخبار في هذا كثيرة، وروي عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسولا لله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا بعث جيوشه قال: لا تقتلوا أصحاب الصوامع وعن حنظلة الكاتب قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمر بامرأة لها خلق وقد اجتمعوا عليها فلما جاءا فرحوا، فقال: <ما كانت هذه تقاتل> ثُمَّ اتبع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خالداً أن لا يقتل امرأة ولا عسيفاً، فدلت هذه الأخبار على ما قلنا من أن الشيخ الكبير الذي لا يقاتل لا يجوز قتله؛ لأنَّه صلى الله عليه وآله وسلم صرح بذلك في الحديث، ودل عليه بقوله في المرأة إن هذه لم تكن تقاتل واشترطنا في الراهب أن يكون متخلياً؛ لأنَّه إن لم يكن متخلياً وكان مع الناس كسائر الكفار الذين يقتلون، وإنَّما سقط عنه القتل؛ لأنَّه قد حبس نفسه في الصومعة وقطعها عن القتال فصار بمنزلة الشيخ الكبير والوليد والمرأة.
فإن قيل: الراهب مطيق للقتال؟
قيل له: والمرأة أيضاً مطيقة للقتال، لكن لما جرت العادة أنهن لا يقاتلن صرن بمنزلة من لا يطيف، وكذلك الرهبان لما أجروا عادتهم بأن لا يقاتلوا صاروا بمنزلة من لا يطيق، فإن لم يكن إجراء العادة بذلك ولم يكن تخلي قتل كغيره.
فإن قيل: فقد روي أن دريد بن الصمة قبل يوم أوطاس وكان شيخاً كبيراً فانياً فلم ينكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟(145/11)
قيل له: مشهور أن دريداً كان مالك بن عوف أخرجه يوم حنين للرأي وليرجع إليه في تدبير الحرب وعني ذي الرأي في الحرب أشد وأقوى من عني ذي البطش، ومن كان كذلك فإنه يقتل، وعلى هذا لو كان المقاتل المرأة ممن يقاتل أو ممن لها رأي يعني فالقياس أنَّها تقتل؛ لأن من كان كذلك كان في حكم المقاتل، وبه قال عامة الفقهاء، وللشافعي في الشيخ الكبير والرهبان قولان، أحدهما مثل قولنا، والثاني أنهم يقتلون، وحكي عن المزني أن الأشبه جواز قتلهم، والحجة عليه قد مضت.
مسألة(145/12)