فإن قيل: ما تنكرون عل من قال لكم: أن الإمام يستغني عنه بأن يجتمع المسلمون على تأمير رجل من الصالحين فلا يكون ذلك ركوناً إلى الظالمين؟
قيل له: هذا لا يصح لأن أحداً لم يقل بوجوبه؛ لأن الناس على قولين، منهم من يرى الغزو مع كل أحد، ومن إمام أو رجل صالح أو ظالم، ومنهم من لا يراه إلا مع إمام أو والٍ من قبله، فإذا بطل قول من يجيزه مع رجل من الظالمين لم يبق إلاَّ قول من يقول: أنَّه لا يجوز إلاَّ مع إمام أو والٍ من قبله.
فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم: يجوز للمسلمين أن يغزوا بأنفسهم من غير أن يكون لهم رئيس؟
قيل له: هذا يفسد من وجهين:
أحدهما: أن هذا كالأول، من يجيزه يجيز الغزو مع الظالم، فإذا فسد ذلك فسد هذا القول.
والثاني: أنا قد علمنا أن من طريق العرف والعادة أن شيئاً من السرايا والعساكر لا يستقيم أمرهم ولا يتم سوى كانوا مبطلين أو محقين إلاَّ مع رئيس يقدمهم ويدبر أمرهم فبطل ذلك، وأيضاً قد ثبت أن المسلمين كانوا يغزون بإذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإذن الأئمة في زمانهم، ولم يكونوا ينفردون بهم، فصار ذلك سنة متبعة، والذي عندي أن الغزو يجوز بغير إمام، وأن الإمام ليس شرطاً فيه كما أن الحج لا يكون الإمام شرطا فيه، وذلك أن تفاصيل أهل الغزو لا يحتاج إلى الإمام؛ لأن ذلك إما أن يكون دخول دار الحرب أو إراقة دمائهم أو أخذ أموالهم أو سبي ذراريهم، وكل واحد منه لا خلاف أنَّه يصح بغير إمام كالحج، لماَّ كان تفاصيله من الإحرام والطواف والوفوف شملهم كحاج قافلة الحاج إلى رئيس يجمع شملهم، وليس ذلك من الركون إلى الذي ظلموا في أحد من السلف إنكار ذلك، فوجب بذلك صحة ما ذهبنا إليه، ويوضح ذلك قول علي عليه السلام: (لا يفسد الحج والجهاد جور جائز).
مسألة(145/3)
وينبغي أن يدعوا إلى الإسلام وشهادة أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلمن فإن أجابوا إلى ذلك فهم مسلمون، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وظاهر قول يحيى عليه السلام ينبغي أن يدعوا إلى الإسلام وشهادة أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله، يدل على انه لا يقتصر بهم على إظهار الشهادتين حتَّى يظهروا الدخول في الإسلام، ويكون ذلك بالبراءة من كل ما خالف دين الإسلام، قال أب وجعفر الطحاوي في شرح الآثار، وبذلك يقول أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، ورأيت المحصلين من أصحابهم يقولون مع ذلك أنَّه: مبعوث إلى العرب فقط دون غيرهم، وحكى هذا القول عن طائفة من اليهود، ليس ببعيد، والأصل في ذلك ما روي عن حميد الطويل عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: <أمرت أن أقاتل الناس حتَّى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلاَّ الله وأني رسول الله وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا، حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلاَّ بحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين>، فدل ذلك على أن تحريم دمائهم غير مقصور على الشهادتين، وأيضاً روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل فقيل يا رسول الله ما آية الإسلام؟ قال: <أن تقولوا: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض وتخليت، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويوافق المسلمين، والتخلي هو التخلي من كل دين سوى الإسلام>، فدل ذلك على ما قلناه، وروي أيضاً أن يهودياًّ قال لصاحبه: تعال حتَّى نسأل هذا النبي، فسأله عن أشياء، فلمّا أجاب قبَّل يده، وقال هو ومن كان معه: نشهد أنك نبيٌ، قال: <فما منعكم أن تتبعوني؟> قالوا: إن داود دعاء ألا يزا في ذريته نبي، وإنا نخشى إن اتبعناك تقفلنا اليهود، ففي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يحكم لهم بالإسلام مع شهادتهم أنَّه رسول الله، وشهادتهم أن لا إله إلاَّ(145/4)
الله كانت معلومة منهم.
فإن قيل: فقد روي أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي حين أعطاه الراية ووجهه إلى خيبر: <قاتلهم حتَّى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها وحسابهم على الله>؟
قيل له: قد روي أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: <أمرت أن أقاتل الناس حتَّى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله ثُمَّ تحرم دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها>، عن ابن المسيب والأعرج وغيرهما عن أبي هريرة، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: <أمرت أن أقاتل الناس حتَّى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فمن قالها عصم مني ماله ونفسه إلاَّ بحقه وحسابه على الله>، فلم يمنع ذلك من أن يكون تمام الإسلام موقوفاً على أن يضم الشهادة بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمن كذلك لا يمنع أن يكون تمامه موقوفاً على أن يظهر الإسلام ويتخلى عن ما سواه مضموماً ذلك إلاَّ الشهادتين، فأما الدعاء إلاَّ الإسلام قبل القتال فأكثر العلماء يذهب إلى أنه غير واجب إن كانت الدعوة قد بلغتهم وأنه يجب إن لم يكن الدعوة قد بلغته من وقه قال القاسم في مسائل النيسروسي، قال: فإن أحيط بالدعاء كان حسناً والذي عندي أن قول يحيى محمول على ما قاله القاسم عليه السلام؛ لأنَّه لم يحفظ عنه أنَّه لا يجوز قتالهم قبل الدعوة، والأقرب أنَّه قوله ينبغي أن يدعوا قبل القتال على الاحتياط والاستحباب، هذا إذا كانت الدعوى بلغتهم، فإن لم تكن بلغتهم فلا خلاف أن دعاهم قبل القتال واجب، والأصل في ذلك حديث ابن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أمر رجلاً على سرية قال له: <إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال، أحدها: الإسلام وفي حديث طويل، وحديث سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما وجه عليّاً إلى خيبر أعطاه الراية، وقال له:(145/5)
<انفذ على رسلك حتَّى تنزل بساحتهم ثُمَّ ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله، فو الله لا يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لكمن أن يكون لك حمر النعم>، وعن ابن عباس قال: ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحداً حتَّى يدعوهم، ويدل على ذلك قول الله تعالى: {قُلْ لِّلَّذِيْنَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يَغْفِرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}، وهذا ضرب من الدعاء إلى الإسلام، وقد أمر الله بن فدل ما ذكرنا أن الأولى هو الدعاء إلى الإسلام على الأحوال كلها؛ لأن الأوامر إما أن تقتضي الوجوب أو الندب، وإنَّما قلنا أنَّه إن كانت الدعوة بلغتهم فالدعاء قبل القتال ندب، واستحباب لما روي عن أنس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغير على العدو عند صلاة الصبح فيستمع إن سمع أذاناً أمسك وإلاَّ أغار، وروى الإغارة في حديث كثيرة، فدل ذلك على أن تجديد الدعوة غير واجب، ويلد على ذلك حديث ابن عون، قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال؟ فقال: إنَّما كان ذلك قبل الإسلام، إنَّما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم على الماء فقتل مقائتهم، وبي سبيهم وأصاب يومئذٍ جويرية بنت الحارث، فدل ذلك أيضاً على وجوب الدعاء من لم تبلغهم الدعوة.
مسألة(145/6)
قال: فإن أبو ذلك عرض عليهم ن يكونوا أهل ذمة، ويؤدّوا إلى المسلمين الجزية، ويجرى عليهم أحكام المسلمين ويولى فيهم ولاتهم ويتركوا على دينهم كما يترك سائر أهل الذمة، فإن أجابوا إلى ذلك فعل بهم، ظاهر هذا الكلام في الأحكام يدل على أن الجزية تقبل من جميع المشركين ن غير استثناء أحد منهم، وحكي ذلك عن مالك إلاَّ أن أبا العباس الحسني قال: روي عن يحيى بن الحسين فيما سئل عنه أنَّه قال: أذن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قريش وجاهليتهم أن يصنع فيهم السيف حتَّى يسلموا، ومنعه من كل هدنة ولم يرض ن العرب إلاَّ بالقتل أو الإسلام، وقال أبو العباس: قد نص على وجوب الجزية من نصارى بني تغلب، فدل ذلك على أن مراده كان مشركي العرب الذي لا يدينون بكتاب، فصار تحصيل مذهبه أن الجزية مأخوذة من جميع المشركين إلاَّ مشركي العرب الذي لا يدينون بكتاب، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، قال الشافعي: لا تقبل الجزية من أحد إلاَّ من أهل الكتاب، أما قبول الجزية من أهل الكتاب فلا خلاف فيه لقول الله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِيْنَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ}، إلى قوله: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}، وقلنا أن أهل الآثار من العرب لا تقبل منهم الجزية، وليس لهم إلاَّ السيف أو الإسلام لقول الله عز وجل: {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ}، إلى قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِيْنَ حَيْثُ وَجَدْتُّمُوهُمْ..} الآية، وهذا المراد به مشركي العرب؛ لأن العهد كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون مشركي العجم، فلم يجعل عز وجل لهم إلا القتل أو الإسلام، وأيضاً روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رهطة من قريش لمَّا اجتمعوا عند أبي طالب يشكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: <يا عمّ أني أريدهم على(145/7)