قال: والجاسوس إن ثبت أنَّه قتل أحد بجساسته قتل وإلاَّ حبس، وهذا في جواسيس أهل البغي فأما أهل الحرب فيجوز قتل من يقع منهم في أيدي المسلمين بغير أمان وعهد إذا كانوا في دار الحرب، وإن أخذ في دار الإسلام فهو ملك لمن أخذه، قال: والأسير إن كان قتل أحداً من المسلمين قتل به، وإن كان جرحه اقتص له منه وإن لم يكن ذلك فعل فيه الإمام ما يرى من حبس أو إطلاق، ولم يجز له قتله إلاَّ أن يظهر منه بعد الأسر مضارة للمسلمين والحرب قائمة، فإذا كان ذلك كذلك كان للإمام قتله إن رأى ذلك صلاحاً، وهذا أيضاً في أسير أهل البغي؛ لأن أسير أهل الحرب يجوز قتله، فقد قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر عقبة بن أبي معيض والحارث بن النضر بن كلدة وقتل المسلمون يؤمنئدة أمية بن خلف بعد ما أسره عبد الرحمن بن عوف، وبهذا قال عامة الفقهاء، وحكي كراهة قتله عن قوم من المتقدمين، ويدل على ذلك قول الله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ}،و وقل: {فَإِنْ تَوَلَّوا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}،فأمر بقتلهم بعد أخذهم؛ لأن الواو عندنا توجب الترتيب في الشرع على أن عموم الآيتين يقتضي ذلك؛ لأنَّه لم يستثن أسيراً من غيره، ويدل على ذلك وعلى جواز قتل جاسوس الكفار قوله: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمِ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِيْنَ..} الآية، فأما أسير أهل البغي فللإمام قتله عندنا وعند أبي حنيفة وأصحابه، ذكر أبو الحسن الكرخي والجصاص، ونص عليه يحيى فيما تقدم ذكرهن وبه عليه بقوله: إن كانت له فيه أجير على جريحتهم وقتل مدبرهم والجريح في حكم الأسير، وقوله: ما دامت الحرب قائمة، المراد به إذا كانت لهم فئة فئة، فأما إذا لم تكن لهم فئة فيقاس قوله: ألاَّ يقتل أسيرهم كما لا يجار على جريحهم إلاَّ أن يقتل قصاصاً على ما ذكرن وهذا تصريح من مذهبه بأن أهل البغي إذا قتلوا المسلمين أو جرحوهم اقتص منهم وهو أحد(144/11)
قولي الشافعي، والقول الآخر: أنهم لا يطالبون بشيء من ذلك، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والأصل في ذلك قول الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ فِيْ الْقَتْلَى..} الآية، و: {كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيْهَا أَنْ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ..} الآية، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة: <ألاَّ ومن قتل قتيلاً قوليّة مخير بين أن يقتص أو يأخذ الدية>، وقوله: <لا يحل دم امرء مسلم>، إلى قوله: <أو قتل نفس بغير نفس>، وقوله: <العمد قود إلاَّ أن يعفو ولي المقتول>، وأيضاً هو قاتل عمد فيلزمه القود، دليله لو قتله غيلة ولا يمكن لهم أن يدعوا سقوط القود؛ لأنَّه متأول بدلالة أن الخارجي إذا قتل غيره متأولاً غيلة فلا يسقط القود عنه، ولأن التأويلات الفاسدة لا تسقط الحقوق الثابتة.
فإن قيل: روي عن الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متوافرون فأجمعوا أن كل دم أريق على وجه التأويل أو مال أتلف على وجه التأويل أنَّه هدر؟(144/12)
قيل له: يحتمل أن يكون المراد به التأويل الصَّحيح الذي يكون المتأول له قد أدَّى فيه ما كلف من الاجتهاد والتأويل الذي للاجتهاد في مسرح، وتأويل أهل البغي تأويل خطأ لا يسوغه الدين كتأويل الخارجي في قتل المسلم غيلة، وما روي أن علياًّ لم يطالب ن تاب منهم، يجوز أن يكون ذلك كان كذلك؛ لأن أولياء الدم لم يحاكموا ولم يرافعوا أخصمه من يدل على ذلك أنَّه لما حمل إليه ابن اليثربي أسيراً يوم الجمل قال له: يا أمير المؤمنين سبقتني، قال: (أبعد ما قتلت ثلاثة من أصحابي)، وأمر بقتله فنبّه على أنه قتله قصاصاً، وللإمام أن يحبس كل من خاف معرته، وذلك لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حبس قوماً بالتهمة ولأن دفع المعرة واجب على الإمام، فإذا لم يكن ذلك إلاَّ لحب وجب حبسه كما أنَّه لو لم يكن ذلك إلاَّ بالضرب الموجع المؤذي إلى القتل وجب، وروي أن علياًّ عليه السلام اتخذ حبساً يحبس فيه الدّعا ويقيدهم بقيود عليها أقفال كانت تفتح في أوقات الصلوات، وراه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، والله أعلم وأحكم.(144/13)
باب القول فيما يوصي به الإمام سراياه إذا وجههم لمحاربة العدو
وجب عليه أن يوصيهم بتقوى الله وإيثار طاعته؛ لأن ذلك ملاك الأمر، وبه تتم العبادات، قال الله عز وجل: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنْ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}، فأما الرفق وحسن السياسة والتثبت فلا بد منه خاصة لن يقود العسكر ويلقي العدو، فقال: ثُمَّ يقول باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إلى أخر الفصل، سرد ألفاظاً رواها زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذا بعث جيشاً من المسلمين بعث عليهم أميراً ثُمَّ قال: انطلقوا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله، أنتم جند الله تقاتلون من كفر بالله، ادعوا إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمد رسول الله، والإقرار بما جاء به محمد بن عبد الله، فإن آمنوا فإخوانكم، لهم ما لكم عليهم ما عليكم، فإن هم أبو فناصبوهم حرباً واستعينوا بالله عليهم، فإن أطهركم الله عليهم فلا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا شيخاً كبيراً لا يطيق قتالكم، ولا تعوروا عيناً ولا تقطعوا شجراً إلاَّ شجراً يضركم ولا تمثلوا بآدمي ولا بهيمة، ولا تظلموا ولا تعتدوا وأيما رجل من أقصاكم وأدناكم من أحراركم أو عبيدكم أعطي رجلاً منهم أماناً وأشار إليه بيده فأقبل إليه بإشارته فله الأمان حتَّى يسمع كلام الله، فإن قبل فإخوانكم في الدين، فإن أبى فردوه إلى مأمنه واستعينوا بالله لا تعطوا القوم ذمتي ولا ذمة الله المخفر ذمة الله لاقي الله عز وجل وهو عليه ساخط أعطوهم ذممكم وذمم آبائكم وفوالهم فإن أحدكم لئن يخفر ذمته أو ذمة أبيه خيراً له من أن يخفر ذمة الله وذمة رسوله، فإن كان العدو من أهل البغي كان الدعاء إلى طاعة الإمام والدخول في الجماعة، وإن كان من أهل الحرب كان الدعاء إلى الشهادتين والإسلام على ما في الخبر.
باب القول محاربة أهل الحرب(145/1)
لا يجوز قتال أهل دار الحرب إلاَّ مع إمام محق أو وال من قبله، قال أبو العباس الحسني رحمه الله تعالى: ذلك على قصدهم في ديارهنم، فأما إن قصدوهم دار الإسلام فيجب قتالهم ودفعهم عن المسلمين عن كل من تمكن منه؛ لأنَّه من جملة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وهذا ما لا خلاف فيه، فأما قصدهم في ديارهم وغزوهم حيثهم، فذهب عامة العلماء إلى أن غزوهم إلى ديارهم جائز، وروى زيد بن علي، عن أ[يه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: (لا يفسد الجهاد والحج جور جائز كما لا يفسد الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر غلبة أهل الفسق)، وهذا كالتنبيه على جواز قصدهم في ديارهم مع أهل الظلم كالحج، ووجه قوله يحيى بن الحسين عليه السلام، قول الله عز وجل: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِيْنَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَونَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيْدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسَلّمُونَ}، فكل المفسرين جعلوا الداعي النبي أو الإمام، واستدل القائلون بإمامة أبي بكر وعمر على أن المراد به فارس والروم، وقالوا: الداعي إلى قتالهم إنَّما كان عمر، فيجب أن يكون إماماً لأن الداعي لا بد من أن يكون إماماً، وقائلون قالوا: حين أنكروا ذلك المراد به هوازن، والداعي هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقائلون ممن أنكر إمامة عمر، أن المراد به الجمل وصفين، والداعي هو علي عليه السلام، ولم يقل أحد أن الداعي يجوز أن يكون غير إمام، فثبت من اتفاقهم أن الداعي يجب أن يكون إماماً، فثبت بذلك أنَّه لا بد في غزو أهل الحرب وأهل البغي من إمام أو وال من قبله، وأيضاً قال الله عز وجل: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِيْنَ ظَلَمُوا}، والغزاة لا بدّ لهم من رئيس يجمع شملهم ويضم نشرهم ويأمرهم وينهاهم حتَّى يتصفوا عن رأيه وأمره ونهيه، وذلك هو الركون إليه، فوجب ألا يكون الغزو مع ظلم معتد، وإذا ثبت ذلك ثبت انه لا بد من إمام أو والٍ من قبله.(145/2)