قال: ويجب على الأمة طاعته ونصرته ومعاونته وموادته، ويحرم عليهم خذلانه وتركه والتخلف عنه والامتناع من بيعته، ويجب عليهم أن يأتمروا بأوامره وينتهوا بنواهيه ينهضوا إذا استنهضهم ويقاتلوا إذا أمرهم، ويسالموا من سالمه ويعادوا من عاداه، إلى أخر الفصل، وكل ذلك مما لا خلاف فيه بين المسلمين، وقال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ أَطِيْعُوا اللهَ وَأَطِيْعُوا الرَّسُولَ وَأُلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}، ولا خلاف أن الأئمة أولو الأمر، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: (يحق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله عز وجل ويعدل في الرعية، فإذا فعل ذلك فحق عليهم أن يسمعوا وأن يطيعوا وأن يحسنوا إذا ادعوا، وأي إمام لم يحكم بما أنزل الله تعالى فلا طاعة له)، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، رجل بايع إماماً فإن أعطاه شيئاً من الدنيا وفيّ له ون لم يعطه شيئاً لم يفِ له، ورجل له ماء على ظهر الطريق يمنع سائله الطريق، ورجل حلف بعد العصة، لقد أعطي سلعته كذا وكذا فأخذها الآخر مصدقاً للذي قال، وهو كاذب>.
مسألة(144/6)
قال: ومن امتنع من بيعة إمام محق طرحت شهادته وأزيلت عدالته وحرم نصيبه من ألفي وذلك أن بيعة الإمام واجبة متى طلبها؛ لأن قوة المسلمين وكبت الأعداء، بها يتم ولذلك وقعت البيعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على العقبة قبل الهجرة يوم الحديبية حين هم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأهل مكة، وذلك مما لا خلاف فيه فأما طرح الشهادة وإزالة العدالة فلأن من ترك البيعة فقد شق عصى المسلمين وأتى بما يؤذي إلى توهين الإسلام وتعطيل الأحكام، وبدون ذلك تسقط العدالة، وأيضاً روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <ن سمع واعيتنا أهل البيت فلم يجبها كبه الله على منخريه في نار جهنم> ـ رواه الطحاوي ـ فأما حرمانه الفيء فلما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أمر رجلاً على سرية قال: <إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى احدى ثلاث خصال، فإلى أيتهن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثُمَّ ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك أن عليهم ما على المهاجرين ولهم ما لهم، وإن هم أبو فأخبرهم أنهم أعراب كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين فلا يكون لهم في الغنيمة والفيء نصيب إلاَّ أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبو أن يدخلوا في الإسلام فاسألهم إعطاء الجزية، فإن فعلوا فأقبل منهم وكف عنهم وإن أبو فاستعن بالله وقاتلهم>، فدل ذلك على أن المسلمين إذا خرجوا أنفسهم من الجهاد والنصرة في الإسلام لا يكون لهم حظ في الفيء ومن امتنع من بيعة إمام يكون قد أخرج نفسه من نصرة الإسلام والمسلمين، فوجب أن لا يكون له حظ في الفيء كأعراب المسلمين والمقيمين منهم في دار الحرب.
فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم: إن هذا كان في وقت وجوب الهجرة والآن فقد نسخ وجوبها؟(144/7)
قيل له: قد دل قوله صلى الله عليه وآله وسلم إلاَّ أن يجاهدوا مع المسلمين على أن الغرض في ذلك هو النصرة والجهاد ووجوبها باق وإن سقط وجوب الهجرة، فيجب أن يكون الحكم المتعلق بهما باق وهو حرمان الفيء لمن أخرج نفسه عنهما.
فإن قيل: روي عن عمر أنَّه قال: ما أحد الأوله حق في هذا المال أعطيه أو نهعه وما أحد أحق بهم، الآخر إلاَّ عبد مملوك؟
قيل له: يجوز أن يكون أراد به أهل النصرة والجهاد وليكون ذلك ملائماً لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلمن وروي عن علي عليه السلام أنَّه قال لبعض الخوارج بالكوفة: (إما أن لكم علينا ثلاثاً ما كانت لنا عليكم ثلاث، لا نمنعكم الصلاة في مسجدنا ما كنتم على جينا ولا نبدأكم بالمحاربة حتَّى تبدأونا ولا نمنعكم نصيبكم من الفيء ما كانت أيدكم مع أيدنا)، ذكر ذلك في الأحكام، قال: ومن ثبط غيره من بيعته وجب تأديبه، فإن أنهته وإلاَّ حبس، ونفي من مدن المسلمين، وذلك لقول الله عز وجل: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِيْنَ فِيْ قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ..} الآية، والإرجاف من التثبيط؛ لأنَّه يكون قد بالغ في مساقة الإسلام والمسلمين ومضارتها والسعي في الفساد في باب الإسلام والمسلمين، وأقلما يجب فيه الحبس والنفي وبدون ذلك يجب الحبس لدفع مضار الدنيا، وري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حبس قوماً لتهمة والمشاق للإسلام أولى، قال: ولا يجوز للرجل الفرر من الزحف ولا ينحرف عن العدو إلاَّ تحرفاً لقتال أو تحيزاً إلى فئة، وذلك لقول الله عز وجل: {إِذَا لَقِيْتُمْ الَّذِيْنَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَار..} الآية، وهذا مما لا خلاف فيه؛ ولأن خلاف ذلك رغبة عن نصرة الإسلام الَّتِي أوجبها الله على المسلمين.
مسألة(144/8)
قال: ويجوز للإمام أن يستعين بالمخالفين على الفجرة الكافرين إذا جرت عليهم أحكام الله تعالى وأقيمت عليهم الحدود، ولم يمتنعوا من ذلك، وكانت مع الإمام طائفة من المؤمنين، وروى يحيى، عن القاسم عليهما السلام، أنَّه قال: لا بأس بالاستعانة بهم على الباغين، ووجهه ما ثبت أن فرض الجهاد والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر لازم للبر والفاجر، وجار مجرى سائر التكاليف في أنَّه لا يسقط عن أحد برّاً كان أو فاجراً، فإذا كان ذلك كذلك وجب الاستعانة بهم؛ لأنَّه حق لهم على أداء الواجب وهو من جملة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وهذا إذا كان الغالب في الظن أن إجابتهم مأمونة وأنه لا ضرر على المسلمين من جهتهم، ولهذا شرطنا جريان حكم الله تعالى عليهم في الحدود وغيرها، وانقيادهم لذلك، وأيضاً في ذلك توهين للأعداء وتقوية للمسلمين وتوصل إلى إحياء الدين والأحكام وإماته الباطل، وقد استعان أمير المؤمنين بكثير ممن لا ترضى طريقتهم كالأشعث بن قيس وأبي موسى الأشعري وقتلة عثمان، فصح ما قلناه، وقد استعان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمنافقين لا ارتياب فيه لظهوره وكثرة الروايات الواردة فيه، وروي أيضاً أن علياًّ عليه السلام قال لبعض الخوارج: (لا نمنعكم نصيبكم من الفيء ما دام تأيدكم مع أيدينا)، فدل ذلك على انه كان يستعين بهم مع رأيه فيهم، وروى النيروسي عن القاسم جواز الاستعانة بالمشركين، ووجهه ما قدمناه من أن فرض الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لازم لهم لزوم سائر الواجمات والعبادات وإن كانت العبادات لا تصح منهم أداؤها إلاَّ بشرط تقديم الإيمان، كما أن المحدث تلزمه الصلاة؛ لكن لا يلزم تقديمها إلاَّ بشرط تقديم الطهارة، يدل على ذلك قول الله عز وجل مما حكي: {وَيْلٌ لِلمُشْرِكِيْنَ الَّذِيْنَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}، وقوله فيما حكي من قول الكفار إذا صاروا إلى النار: {قَالُوا أَلَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّيْنَ..}(144/9)
الآية، فدل ذلك على أنهم يعذبون على إضاعة الصلاة وترك الإطعام، ولا يجوز أن يعذبوا على ذلك إلاَّ مع وجوبه عليهم، فإذا ثبت ذلك ثبت أن فرض الجهاد والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر لازم للمشركين فإذا ثبت ذلك كان للإمام أن يستعين بهم على ذلك ويستعملهم فيه، وإنَّما اشترطنا انقيادهم لأحكام الله تعالى وللحدود؛ لأنهم إذا امتنعوا من ذلك لزم الإمام محاربتهم فلا يصح مع الاستعانة بهم محاربتهم.
مسألة
قال: ولا يجوز للإمام التنحي عن الإمامة والترك لهم ما وجد فيهم جماعة يعينون على أمر الله ويأتمرون له ويجاهدون معه، فإن لم يجد منهم أحداً كذلك جاز له التنحي عنهم، وقلنا: لا يجوز له التنحي عن الإمامة والترك لهم ما وجد فيهم جماعة يعينونه؛ لأنَّه لا خلاف فيه، ولأن فيه تضييع الأحكام وتعطيل الحدود، وذلك محظور مع التمكن؛ ولأن علياًّ عليه السلام لم يعتزل مع ما كان يمر به م الشدائد من قومه، ومن اختلاف كلمتهم وطهور خذلانهم له، وقلنا: له أن يتنحى عنهم إذا لم يجد أعواناً كما قعد علي عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أن الحق كان له إلى أن وجد الأعوان، وكذلك الحسين عليه السلام لما فسد عليه أصحابه وخذلوه اعتزلهم وخلى بين معاوية وبين الأمر، وكذلك القاسم عليه السلام بويع واجتمع عليه الخلق ثُمَّ رأى فشلهم وغلب على ظنه أنَّه لا يمكنه القيام بالأمر كما يجب فاعتزلهم؛ ولأن هذا أمر لا يتم إلاَّ بالأعوان والأنصار فإذا لم يكونوا سقط فرضه من الإمامة.
مسألة(144/10)