كتاب السير
باب القول فيما يلزم الإمام للأمة ويلزمهم له
يجب على الإمام أن يقوم في الأمة بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ويقيم حدود الله ـ عز وجل ـ ولو كان أباه أو ابنه أو غيرهما من قريب أو بعيد، وهذه الجملة لا خلاف فيها، ولأصل في وجوب الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، قول الله عز وجل: {لُعِنَ الَّذِيْنَ كَفَرُوا مِنْ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ..} الآية، فدل ذلك على أن أحد ما لعنوا من أجله، أنهم كانوا لا ينهون عن المنكر، وقال الله عز وجل حاكياً عن لقمان: {وَأْمُرْ بَالْمَعْرُوفِ وَأَنَّهُ عَنِ الْمُنْكَرِ}، وقال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيُنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ}، وقال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ}، وقال عز وجل: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ..} إلى قوله: {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ}، وروى زيد بن علي عن أبيه عن جده، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <لتأمرن بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم، ثُمَّ يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم>، وفي حديث طويل: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر حال بني إسرائيل وأعصاءهم عن المنكر، فتلى قوله تعالى: {لَعَنَ الَّذِيْنَ كَفَرُوا مِنْ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ..} إلى قوله: {وَلَكِنَّ كَثِيْراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ملكنا فاستوى جالساً، وقال: <لا والذي نفسي بيده حتَّى تأخذوا على يد الظالم فتاطردوه على الحق >، وروي أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: <لا يحل لعين ترى الله يعصى فتطرف حتَّى تغيره.(144/1)


والمعروف ينقسم إلى قسمين: فرض وندب، فالأمر بالفرض فرض، والأمر بالندب ندب.
والنَّهي عن المنكر كله واجب بحسب الإمكان، وحملة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر قسمان فقسم يلزم الكافرة بحسب الإمكان، وقسم يلزم الأئمة ومن يقوم مقامهم، فأما ما يلزم الكافة فهو المنع من المناكير الظاهرة كالظلم وشرب الخمر والزنا والسعي في الأرض بالفساد، وما جرى مجرى ذلك، والحمل على الوجبات وما لزم على الكافة من ذلك كان للإمام الزم؛ لنه أحدهم، ولأنه المنصوب لمصالح الأمة وأعظم مصالح الأمة تتعلق بالمعروف والنَّهي عن المنكر، والقسم الثاني الذي يختص بالأئمة ومن يقوم مقامهم سماع الشهادة وتنفيذ الأحكام واستيفاء الحقوق، وممن لزمته ووضعها في أهلها وتولي الأيتام الذي لا أوصياء لهم والنظر في الوقوف وتجييش الجيوش وما أشبه ذلك من إقامة الجماعات ومراعاة أحوال المساجد وإقامة الحدود والتعذير، فلما كان ذلك كذلك قلنا: يجب على الإمام أن يقوم بالأمر بالمعروف النَّهي عن المنكر؛ لأنَّه لا شيء من ذلك إلاَّ والإمام مكلف به بحسب الإمكان والاقتدار، قولنا: يقيم حدود الله عز وجل على كل من وجبت عليه، لقول الله عز وجل: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيْهُمَا}، وقوله: الزانية والزاني فاجلدوا..} الآية، وقوله: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ..} إلى قوله: {فَاجْلُدُوهُمْ}، ولا خلاف أنَّ هذه الآيات وما أشبهها من سائر الآيات خطاب للأئمة ومن يقوم مقامهم على أن هذا الخطاب لا يخلو من أن يكون لكل واحد من الناس منفرداً كقوله عز وجل: {أَقِيْمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}، وقوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، أو يكون لكل من يقع عليه اسم الجمع وأداه ثلاثة أو يكون لجميع الأمة أو لخصائص منهم ولا إشكال أن كل واحد من الناس ليس له أن ينفرد بإقامة الحدود ولا كل ثلاثة منهم، ولا إشكال واجتماع الجميع عليها(144/2)


متعذر فثبت أنَّها لخصائص من الناس، وهم الأئمة ومن قام مقامهم على أن الحدود استيفاء الحق من غيره، وذلك ليس العامة، فوجب أن تكون إلى الأئمة، دليله سائر الحقوق على أن الحدود آلام، وليس لنا نؤلم أحداً إلاَّ بالدلالة، ولا دليل على ذلك إلاَّ للأئمة إذ الآيات لا عموم لها على ما بيناه، وقولنا يسوي في ذلك بين الشريف والدنيء والقريب والبعيد؛ لأن الآيات لم تخص بعضاً من بعض، ولأن أحكام الشريعة تعم الجميع على حد واحد، وقلنا: يجب أن يشتد على من عصى الله عز وجل ولو كان أباه أو ابنه أو غيرهما، لقول الله عز وجل: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِيْ دِيْنِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِيْ سَبِيْلِهِ}، وقوله: {كُونُوا قَوَّامِيْنَ بِالْقِسْطِ}.
مسألة
قال: ويجب أن يأخذ أموال الله من كل من وجبت عليه، ويضعها في من أمر بوضعها فيهم غير خائف ولا محاب، والأصل في ذلك قول الله عز وجل: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: <أعلمهم أن في أموالهم حقوقاً تؤخذ من أغنيائهم وترفى فقرائهم>، فبين صلى الله عليه وآله وسلم أن تلك الحدود يجب أن تؤخذ من الأغنياء وترد في الفقراء، ولا خلاف أن ما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفعله ولهذا قال أبو بكر لما اعتقد في نفسه الإمامة: لو منعوني عقالاً مما أعطوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاتلتهم عليه، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يبعث عماله لأخذ الصدقات والجزية، وكذلك من بعده، وكذلك كان يفعل عليّ، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، أنَّه بعث بعض عماله لجناية الخراج بنواحي الكوفة، والمر في ذلك أوضح وأشهر من أن يحتاج إلى الإطناب فيه.
مسألة(144/3)


قال: ويجب عليه أن يحكم فيهم بأحكام الله، ويعدل بينهم في الحكم، ويساوي بينهم في قسم الفيّ، وذلك لقول الله تعالى: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيْفَةً فِيْ الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ}، وقوله عز وجل: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ}، وقوله: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ}، ورى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: (حقٌّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يعدل في الرعية)، وذلك مما لا خلاف فيه، ومعنى التسوية في قسم الفيّ لا يمنع المستحق حقه ولا ينقصه ولا يرد عليه قليلاً يفاضل بينهم على سبب اجتهاده ورأيه، وهذا مما لا أحفظ فيه خلافاً، قال: ويعلمهم ما يحتاجون إليه من الدين، وذلك أنَّه هو القيم عليهم بمصالحهم ومن أعظم مصالحهم أن يعلموا ما يحتاجون إليه لدينهم، قال: ويجب أن يقرب أهل الدين والفضل ويعاون أهل المسكنة الفقر يلزمه تقريب أهل الدين لوجهين:
أحدهما: أن من كان كذلك يستحق التوفير والتعظيم ، وعلى الإمام بل على الجميع أن يوفيهم ما يستحقون وذلك يكون بالتقريب.(144/4)


والثاني: أنَّه يحتاج إليهم للاستشارة فيما يعرض من أحوال الدين والدنيا، قال الله عز وجل: {وَشَاوِرْهُمْ فِيْ الأَمْرِ}، وقال عز وجل: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}، ويلزمه أن يعين أهل المسكنة والفقر كما يلزم غيره ثُمَّ بما في يه من حقوق الله تعالى الَّتِي يجب صرفها إليهم؛ ولأنَّه القيم بأمور المسلمين، قال: وأن لا يحتجب عنهم ويتفقد أحوالهم ولا يتجبر عليهم ويترك الحجاب لئلاّ يغتم المسلمون ولئلاّ يعرض في أمورهم خلل وليتمكنوا من إنهاء حوائجهم وتفريقه بما عساه يخفى عليه من أحوالهم الَّتِي يلزمه القيام بها وتدبيرها، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <أيما والٍ احتجب من حوائج الناس احتجب الله منه يوم القيامة>، ومعناه أنَّه يحجب نظره ورحمته، وليس المراد بذلك ألا يخلو بنفسه وأهليه ومآربه في بعض الأوقات فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخلو بنفسه وأهله وأوطاره، قال الله تعالى: {لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ}، إلى قوله: {وَاللهُ لا يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ}، وقال عز وجل: {إِنَّ الَّذِيْنَ يُبَايُعُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ}، فدل ذلك على أنَّه كان يخلوا بنفسه وأهله في كثير من الأوقات، وكذلك كانت الأئمة من بعده أذهم بشر كسائر الناس لا بد لهم مما ذكرنا، وإنَّما الحجاب المذموم أن يشبهوا بالفراعنة من ظلمة الملوك في ذلك، وقلنا: يتفقد أحوالهم ولا يتجتر عليهم؛ لأنَّه منصوب لمصالحهم والتجبر على الناس حرام عليه وعلى غيره.
مسألة(144/5)

107 / 122
ع
En
A+
A-