الأصول قد جعل في حكم الأكثر من غيره على سبيل التبع، ووجه ما في المنتخب أن النَّهي ورد عن الحرير، فإذا خالطه مثله من غيره لم يكن حريراً، وهذا يضعف؛ لأنهما إذا استويا كان لكل واحد منهما حكم على حاله ولم يصح أن يقال أن الحرير صار في حكم غيره على سبيل التبع؛ لأن ما سواه لا مزية له عليه، فيجب أ، لا يجوز لبسه حتَّى يكون ما سواه نسجاً معه فيجري مجرى المستهلك فيه؛ ولأنه إذا كان ظهار أو بطانة فهو لابس ثوب حرير وإن خلطه مع غيره لا يؤثر فيه، قال: ولبس ذلك جائز للنساء ولا أحفظ فيه خلافاً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الذهب والإبريسم: <هما حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم>، وما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر أن يسقق الحلة وتجعل خمراً للنساء.
مسألة
قال: ويكره للرجل لبس الثياب الَّتِي قد شهرت بالتلوين إلاَّ في الحروب، وذلك لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى على رجل ثوبين مصبوغين بالعصفر، فقال: <هذه من ثياب الكفار فلا يلبسها>، وروي عن أنس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليه ثوب معصفر فقال له: <لولا أن ثوبك هذا تنور لكان خيراً لك>، فذهب الرجل فجعله تحت القدر أو في التنور فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: <ما أفعل ثوبك>؟ قال: صنعت به ما أمرتني به، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <ما بذلك أمرتك إلاَّ ألقيته على بعض نسائك>، وروي عن نافع قال: كانت أم سلمة وعائشة وأم حبيبة بلبس المصبغات فعلمنا أن الكراهة مخصوصة للرجال كالحرير، وقلنا: يجوز في الحروب كما قلنا في الحرير.
مسألة(143/2)


قال: ويكره لهم خواتم الذهب، فأما خواتم الفضة فلا بأس بها، ويستحب لبسها في الأيمان، ويكره في اليسار، وذلك لما روي عن أبي هريرة، أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليه خاتم من ذهب فأعرض عنه فانطلق الرجل فقال: لا أرى حلية شراء من ورق، فأقره النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأقبل عليه، وعن جعفر، عن أبيه، قال: كان نقش خاتم علي عليه السلام (الله الملك)، وكان يتختم بيمينه، وكراهة لبسها في اليسار ليست كراهة تحريم بل الكراهة الَّتِي هي خلاف الاستحباب لما رويناه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعن علي عليه السلام؛ ولأن اليمين أبعد من الأقذار، وقد وري أيضاً لبسها في اليسار عن الحسن والحسين عليهما السلام، ولأن اليمين أبعد من الأقذار، وقد روي أيضاً عن محمد بن الحنفية وغيرهم من الصحابة.
مسألة
قال: ويكره لبس الخلا خيل للذكران من الصبية ولا يكره للإناث منهم، والأصل فيه أن ما لا يجوز للبالغين لبسه وأكله لم يجز للصغار وكالخمر ولحم الخنازير لما حرم على البالغين حرم على الصغار، فكذلك ما حرم على الرجال فقد يجب أن يكون محرماً على الصغار الذكور كلبس الحرير ونحوه، فكذلك الخلاخيل لا يجوز لهم لبسها، فلم يجز لبسها للصغار من الذكور؛ ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الذهب والابريسم: <هما حرام على ذكور أمتي>، فدخل فيه الرجال والصبيان.
فإن قيل: فكيل يحرم عليهم الشيء ولا تكليف عليهم؟
قلنا: التكليف في تجنبهم هذه المحرمات علينا، وهذا كما نوجب الزكاة ي مال الصغير، ونوجب عليهم والنفقات وأروش الجنايات، وروي عن إسماعيل ابن عبد الرحمن، دخل مع عبد الرحمن على عمر وعليه قميص من حرير، وقلبان من ذهب فشق القميص وفك القلبين، وقال: اذهب إلى أمك، ولم يرو إنكار ذلك عن أحد من الصحابة، وقلنا: لا يكره للإناث؛ لأن ذلك إذا جاز للبالغات كان جوازه أولى.
مسألة(143/3)


قال: ولا يجوز لبس ما وصف من الثياب لرقته إلاَّ أن يكون تحته ما يستره، وذلك أن في لبسه إبداء للعورة، وذلك لا خلاف فيه، قال: وإن لبسته المرأة مع زوجها في الخلوة لم يكره وذلك أنَّه لا يجب لكل واحد من الزوجين أن يستر عورته مجانبة عن صاحبه، ولا خلاف في ذلك.
مسألة
قال: ولا ينبغي لأحد أ، يكشف عورته لدخول الماء أو الحمام يكره لمن كان وحده، ويحرم على من كان معه غيره، وهذا مما لا خلاف فيه، والأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <نهيت أن أمشي وأنا عريان>، ولأن ستر العورة واجب إلاَّ على ما بيناه، وقد روي كراهة دخول الماء منكشفاً، وروي: للماء سكان، يعني به ـ والله أعلم ـ الملائكة والجن.
مسألة
قال: ولا بأس للمرأة أن تصلي شعرها بشعر المعز وصوف الضان، جائز استعمال ذلك للرجال والنساء وجائز لهم لبسهما، والصلاة فيهما فلم يكن وصلهما بالشعر الأشل سائر وجوه استعمالهما، ولا يجب أن يكره ذلك لأنَّه تزين وذلك أن التزين للنساء مستحب غير مكروه، فأما شعر الناس فإن استعماله محرم بدلالة ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه لعن الواصلة والمتوصلة وفسر ذلك فيمن من وصلت شعرها بشعر الناس، ولا أحفظ في ذلك خلافاً.
مسألة(143/4)


قال: ولا بأس بتغيير الشيب بالخضاب وتركه أفضل، والخضاب مما لا خلاف في جوازه، وقد روي عن كثير من السلف من أهل البيت وغيرهم، وقوله: إن تركه أفضل إنَّما ذهب فيه إلى حديث ذكره عن علي أنَّه قيل له حين كثر شيبه لو غيرت لحيتك، فقال: إني أكره أن أغير لباساً ألبسنيه الله، وروي عن إبراهيم صلى الله عليه وآله رأى شعره شيباً، فقال لجبريل: (ما هذا يا جبريل؟، فقال: إنَّه وقار، فقال: رب زدني وقاراً)، ولأنه يذكر الموت ويبعث على الاستعداد له، وقد روي في بعض التفسير: {وَجَاءَكُمْ النَّذِيْرُ} المراد به الشبب، قال القاسم عليه السلام: ولا بأس بالثوب المصبوغ يصبغ يدخل فيه الشيء النجس إذا غسل وبولغ في غسله وتنقيسته ولم يبق فيه للنجس أثر، الأصل فيه ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في دم الحيض: <إذا بقي أثره الطخته بالزعفران>، فدل ذلك على أن الأثر معفو عنه بعد الغسل والتنقية، وقد علمنا أن الصبغ الذي فيه نجس أخف من دم الحيض عينه نجسة والصبغ ينجس بمجاورة النجس، فإذا جاز ذلك في دم الحيض كان في الصبغ أجوز، وفي معنا قولنا: ولم يبق فيه للنجس أثر، يمكن إزالته بالغسل؛ لأن الأثر الذي يبقى بعد الغسل معفو عنه.
مسألة
قال: ويستحب للمرأة أن ترخي درعها أو خمارها حتَّى تستر قدميها ذلك لأنَّه اشتر لهن، وروي أن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم كن يطولن أذيالهن حتَّى يحررنها على الأرض، قال: ويكره للرجل أن يرخيهما إلى أكثر من ظهر قدميه، وذلك لأنَّه لا غرض وهو من الخيلاء في الرجال وهو مخالف لما عليه عادة أهل الدين والستر، قال القاسم عليه السلام: لا بأس بالفرس والمقادم تكون من الحرير، وهذا يحتمل أن يكون المراد أن ذلك يحل للنساء، وبه قال عامة العلماء.
فإن قيل: فما الفائدة في إجازتها للنساء وقد جاز لهن اللبس الذي فوق ذلك؟(143/5)


قيل له: لا يمتنع أن يكون أراد أن يعرف الفرق بين ذلك وبين أواني الذهب والفضة، ولا يحل لهن استعمال أواني الذهب وإن حمل على اهره أنَّه يحل للرجال والنساء احتمل أيضاً، وبه قال أبو حنيفة، والأصح عندي تحريمه على الرجال، لما روي عن عدة من الصحابة، و روي عن علي أنَّه قدم إليه دابة ليركبها فلما وضع رجليه في الركاب رأى على صفة السرج قطعة من الديباج فثنى رجله ولم يركب، وروي عن سعد بن أبي وقاص في حيث طويل أنَّه قال: لأن أضطجع على جمر المعضا أحب إليّ من أضطجع على مرافق حرير، ولأن قوله في الحرير والذهب: <هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم>، اقتضى تحريم استعماله على أي وجه كان من توشد أو لبس اللبس، لما كان محرماً وجب أن يكون الجلوس عليه والتوسد عليه مثله بعلة أنَّه استعمال مثله؛ لأن الفرس والنمارق لا يستعمل إلاَّ بالتوسد والجلوس والنوم عليه، ووجه إباحته للرجال أنَّه ليس باستعمال في الحقيقة بدلالة أن من جلس على فراش مغصوب لم يضمنه ولو لبس ثوباً مغصوباً أو ركب دابة مغصوبة يضمن، فإذا لم يكن استعمالاً لم يجب أن يحرم كما لا يحرم نقله وبيعه وشراؤه وسائر وجوه التصرف فيه، والأقوى ما قدمناه، والله أعلم.(143/6)

106 / 122
ع
En
A+
A-