قال: ولا يجوز الانتفاع بالخمر بالخمر على وجه من الوجوه بأن يجعل خلاً أو غيره، وبه قال الشافعي، والرواية عن مالك مختلف، وقال أبو حنيفة: لا بأس بتحليلها، والأصل فيه ما روي أنَّه لما نزل تحريم الخمر أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإراقة خمر لايتام، وذكر الطحاوي في اختلاف الفقهاء، قال: روي عن أس قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي حجرة يتيم، وكان عند خمر حين حرمت الخمر، فقال: يا رسول الله نصنعها خلاً؟ قال: <لا فصة حتَّى سال في الوادي>، فلو كان التحليل جائزاً لم ينه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يأمر بأرقة الخمر؛ لأنَّه قد نهى عن إضاعة المال.
فإن قيل: أنَّها قبل التحليل لم تكن مالاً؟(142/27)
قيل له: عندكم أنَّه لا يصح أن يجعل مالاً فهي في الحكم كأنها مال؛ ولأن ذلك لو جاز لكان يتعلق بها حق اليتيم للاستصلاح، ولا يجوز تضييع حقه فلما أمر بإراقتها ثبت أنَّها لا يمكن أن تجعل مالاً على وجه من الوجوه، وروى أيضاً الطحاوي في اختلاف الفقهاء، عن أسلم مولى عمر، عن عمر قال: لا نأكل من خمر أفسدت حتَّى يكن الله بدأ بإفسادها، وادعى أو جعفر أن ذلك من لفظ بعض الرواة الظاهر أنَّه من لفظ عمر فإذا ثبت ذلك عنه ولم يرو خلافه عن خيره من الصحابة جرى مجرى الإجماع، وليس لهم أن يردوه إلى دباغ جلد الميتة؛ لأن الدباغ عندنا لا يطهر، قال: فأما الخل الذي يتخذ من العصية ويسمى خل خمر فلا بأس به، وهذا مما لا خلاف فيه، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <نِعْمَ الإدام الخل>، والذي عندي أن الخمر إذا صارت بنفسها خلاً كان ذلك حلالاً وإن كان في المتأخرين من أصحابنا من قال بخلاف ذلك، وعليه دلّ كلام القاسم عليه السلام، حيث يقول: ما نبت على العذرة إذا لم يبق فيه رائحة وأثر للجنس كان طاهراً، ولا شك أنَّه يكون مستحيلاً من النجاسة، وكذلك قوله فقي الدود الذي يخرج من أسفل الإنسان أنَّه لا يخرج إلاَّ ومعه غيره من العذرة، فلذلك تنتقض الطهارة، ففيه تنبيه على أنَّه لو ما ماسّه من النجاسة كان طاهراً، ولا إشكال أنَّه مستحيل من النجاسة واللبن أيضاً لا إشكال في أنَّه مستحيل من الدم، مع كونه طاهراً، فصار ذلك أصلاً في كل نجس استحال حتَّى يصير شيئاً آخر من غير فعل الآدمي في أنَّه أيجب أن يكون طاهراً، فكذلك الخل المستحيل عن الخمر على أنه يبعد أن يكون خلاً لم يكن خمراً.
مسألة(142/28)
قال: ولا يجوز الشرب ولا الكل في أواني اللذة ولا الأواني المغضضة والمذهبة، ولا بأس أن يأكل أو يشرب في أواني النحاس والرصاص وغيرها، وذلك لما روي عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة، وقال: <هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة>، وروي أيضاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <من شرب في آنيته الذهب والفضة فكأنما يخرجن في تظنه نار جهنم>، فصار النهي عن الشرب فيها منصوصاً عليه، وهذا مما لا خلاف فيه، وصار الأكل وسائر وجوه الاستعمال مقيساً عليه، ولا يجوز على ذلك استعمال ملاعق الذهب والفضة، ولا المجامر ولا شيء من الأواني، وأما المفضض والمذهب فقد أجازه قوم، وكره أصحابنا؛ لأن الظاهر من ذلك يكون الذهب والفضة، ويكون الإنسان مستعملاً لهما، وأما أواني النحاس والرصاص وغيرهما فلا خلاف في جواز استعمالها؛ لأن الأشياء على الإباحة حتَّى يقوم دليل الحظر وحكي عن قوم من أصحاب أبي حنيفة أنَّه لا يجوز الأكل والشرب في الياقوت والفيروزج وما أشبههما، وفصلوا بينها وبين المثمن من الزجاج ونحوه بأن قالوا: ما كان ارتفاع ثمنه ونفاسة قدره بجنسه وجوهره فلا يجوز استعماله؛ لنه جاز مجرى الذهب والفضة وما كان ارتفاع ثمنه ونفاسة قدره للصنعة كالزجاج والنحاس وما أشبه ذلك يجوز استعماله؛ لنه كسائر الأواني وذلك عندي قريب، والله أعلم.
مسألة(142/29)
قال: وإذا شرب الرجل ما يجوز له شربه وأراد أن يسقي أصحابه له أن يبدأ بمن عن يمينه ثُمَّ يدير الإناء حتَّى يرجع إلى من هو عن شماله، وذلك أن الابتداء بالأيمان في كثر من المواضع واجب أو مستحب؛ لأنا نوجب ذلك في ترتيب الوضوء، وقال صلى الله عليه وآله وسلم إذا لبستم أو توشأتم فابدأوا بميامنكم، فصار الابتداء بالميامن في الأمور مستحباً، قال يحيى: وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه أتى بشراب فشر منه وعن يمينه غلام وعن يساره مشائخ، فقال للغلام: <أتأذن لي أن أعطي هؤلاء>، فقال الغلام: لا، والله يا رسول الله ما أوثر بنصيبي منك أحداً، فناوله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما في يده.(142/30)
باب القول في الملابس
يجوز للرجال لبس الحرير المحض إلاَّ في الحروب؛ وذلك لأخبار كثيرة رويت في هذا الباب، منها ما روي عن علي عليه السلام، قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي إحدى يديه ذهب وفي الأخرى حرير، فقال: <هذان حرامُ على ذكور أمتي وحلّ لإناثها>)، وروي هذا عن عدة من الصحابة، زيد بن أرقم وابن عمر وعقبة بن عامر وغيرهم، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أهديت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلة لحمتها وسداها إبريسم فقلت يا رسول الله: أألبسها؟ قال: <لا أكره لك ما أكره لنفسي ولكن اقطعها خمراً لفلانة وفلانه>)، فذكر فاطمة عليها السلام فشققها أربعة خمر، وأما في الحرب فلأنه يكون جنة وسلاحاً ورهاباً للعدو، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رخص لطلحة بن عبد الله في لبس الحرير، ولا أحفظ خلافاً في ذلك، إلاَّ ما ذهب إليه أبو حنيفة أن الحرير المحض لا يكون في الحرب جائزاً أيضاً، وجوز فيه ما لا يجوز في سائر الأحوال؛ لنه جوز لبس ما لحمته حرير، وإذا جاز ذلك، فيجب أن يجوز في الحرير المحض؛ لأنَّه لا فصل بينهما في سار الأحوال، فكذلك في الحروب، قال: فإن كان الحرير دون النصف وكان ما سواه غالباً جاز، وقال في المنتخب: إلاَّ أن يكون نصف الثوب قطناً ونصفه حريراً جاز، والصحيح هو رواية الأحكام، والأصل فيه ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخص في قليل من الإبرسيم، منها ما روي عن ابن عباس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الثوب المصمت، وأما السدي والعلم فلا وما روي أنَّه كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جبة مكفوفة الجيب والكمين والعزح بالديباج، وروي أنَّه كان على سعد بن أبي وقاص جبة شامية قابها قز، فإذا ثبت أن القليل من الإبريم جائز لبسه للرجال، قلنا: أن الغالب إذا كان هو القطن وما أشبه وكان الإبريم هو الأقل يجوز لبسة؛ ولأن القليل في كثير من(143/1)