قيل له: هو محمول على ذلك، ألا ترى أنَّه روي عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <من أكل من هذه البقلة فلا يقربن مسجدنا حتَّى يذهب ريحها>، يعني الثوم، فدل ذلك على أنَّه لنهى عنه نهي الكراهة؛ لريحه للتأذي به، وروي عن حية العرني، عن علي عليه السلام، قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نأكل الثوم، وقال: <لو لا أن الملك ينزل عليّ لأكلته>)، فدل ذلك على أنَّه مباح، وأن النَّهي عنه إنَّما هو للتأذي بريحه، وأيضاً قد بينَّا أن شيئاً مما خلقه الله عز وجل ابتداء مما ليس بحيوان أو يختص بحيوان ليس بمحرم بعينه، فكذلك الثوم.
مسألة
قال: وتكره مواكلة المجذوم، وذلك لما روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <لا تديمنَّ النظر إلى المجذوم، ومن كلَّمه فليكن بينه وبينه فان رمح.
والعرس من السنة، وكذلك الأعذار؛ وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال لعبد الرحمن بن عوف وقد تزوج أولم: <ولو بشاة>، وذكر يحيى عليه السلام أنَّه روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه قال: <ذلك أيضاً لبعض>، وقد تزوج والعذار أيضاً مثله. قال: ويستحب إجابة المسلم ولو إلى لقمة؛ وذلك لما روي عنه عليه السلام أنَّه قال: <لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدى إلى دراع لقبلت>، وروي عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <أجيبوا الدّعوة إذا دعيتم إليها>.
باب الأشربة(142/17)
الخمر كل ما خامر العقل فأفسده بالسكر من عنب كان أو زبيب أو تمر أو عسل أو رهو أو حنطة أو شعير أو ذرة أو غير ذلك، وتحريم الخمر مما لا خرف فيه بين المسلمين إلاَّ في المحرم، فثبت تحريم الخم، وقال عز وجل: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ..} الآية، ففيه ثلاثة أوجه مما تبين به تحريم الخمر أحدها قول الله عز وجل: {رِجْسٌ}، والرجس هو النجس، والنجس محرم تناوله، لقوله: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ}، والثاني قوله: {مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}، المراد به، والله أعلم، الدعاء إليه من عمل الشيطان؛ لأنا نعلم أن نفس الخمر والأنصاب والأزلام ليست مما عمله الشيطان، والشيطان لا يدعو إلاَّ إلى الحرام، فإذا كان الدعاء إلى هذه الأشياء من عمل الشيطان دل ذلك على أنَّه محرم، والثالث قوله عز وجل: {فَاجْتَنِبُوهُ}، فأوجب علينا اجتنابه، وما وجب علينا اجتنابه كان محرماً، ثُمَّ اختلفوا في مائية الخمر، فأجمعوا أن عصير العنب قبل أن يطبخ إذا اشتد وعلا وصار له زبداً أنَّه خمر يكفر مستحله ويفسق شاربه محرماً، ثُمَّ اختلفوا بعد ذلك، فذهب قوم أن الخمر ما كان من العنب والنخل، واستدلوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <أن الخمر من هاتين الشجرتين، النخلة والعنبة>، وروي: الكرمة، وذهب قوم من أصحاب الشافعي إلى ما ذهبنا إليه من أن الخمر كل ما أسكر مما ذكرناه، والأصل فيه ما رواه محمد بن منصور بإسناده، عن أبي سلمة، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: <كل مسكر خمر>، ورواه أيضاً الطحاوي، وروي أيضاً بإسناده، عن الشعبي، عن النعمان، عن بشير، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: <إن من العنب خمراً، ومن التمر خمراً، ومن النخيل خمراً، ومن الحنطة والشعير خمراً، وإني أنهاكم عن كل سكر>، وروي بإسناده عن الشعبي، عن ابن عمر، قال: سمعت عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(142/18)
يقول: أيها الناس إنَّه نزل تحريم الخمر، وهي يومئذ من خمسة من التمر والعنب والعسل والحنطة والشعير، والخمر كل ما خامر العقل، وعندنا أنَّه إذا روى الصحابي فعلاً أو قولاً بمشهد من سائر الصحابة فلم ينكر ذلك عليه منكر، ولم يظهر الخلاف فيه مخالف صار ذلك أصلاً يصح الاحتياج به؛ لنه إجماع منهم، ذكر هذا المعنى يحيى بن الحسين عليه السلام، في باب الرجم، من الأحكام، وقوله: الخمر ما خامر العقل، لا يخلوا من أن يكون قاله لغة أو شرعاً، فإن كان قاله لغة فيجب أن يقبل نه، وإن كان قاله شرعاً على الوجه الذي قاله بحضرة الصحابة، فيجب أن يعمل به؛ لأنَّه يكون إجماعاً، وروى أيضاً أنس قال: كنت أسقي أبا طلحة وأبا دجانة وسعيد بن ... خليط سراسرا وتمر، وحرمت الخمر فدفعتها وأنا ساقيهم يومئذ وأصغرهم وأنّا نعدها يومئذ خمراً، وروي في اختلاف الفقهاء، عن أنس، أنَّه سئل عن الأشربة، فقال: حرمت، هي من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة، وما حرم الله من ذلك فهو خمر، وقد قيل: أن الخمر سمي خمراً بمخامرته العقل، فكلما أثر تأثيره في العقل يجب أن يكون خمراً، وهذا يرجع في صحته إلى قول عمر بحضرة الصحابة: والخمر ما خامر العقل، فأما بيان الاسم من طريق القياس فيضعف جداً إلاَّ أنَّه يمكن أن يقوى بأن يقال أن أهل اللغة لا يمتنعون من أن يسمى شارب المسكر من أي جنس كان مخموراً، وهو لا شك من الخمر، فثبت أن كل مسكر عندهم يجب أن يكون خمراً.
فإن قيل: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: <الخمر من هاتين الشجرتين>، يدل على أن الخمر لا يكون من غيرهما؛ لأنَّ الألف واللام للجنس، فكأنَّه قال: كل الخمر من هاتين الشجرتين؟
قيل له: التقدير إذا ضمت هذه الدلالة إلى قوله الخمر من هاتين الشجرتين، كأنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: الخمر من هاتين الشجرتين ومن كذا وكذا.(142/19)
فإن قيل: روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <حرمت الخمر بعينها والسكر من كل شراب>؟
قيل له: إذا ثبت أن جميع ما ذكرنا خمر بالأدلة الَّتِي بيناها، فتأويل الخبر أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم أعاد ذكر بعض ما اشتمل عليه اللفظ الأول للبيان، فإن ذلك بفعله أهل اللغة لأعراض، ومثله قد وجد في القرآن نحو قوله: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ..} الآية، وكقوله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوّاً للهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيْلَ وَمِيْكَائِيْلَ}، فأعاد ذكر إبراهيم ومن بعده بعد ذكر النبيين، وأعاد ذكر جبريل وميكائيل بعد ذكر الملائكة، وقال عز وجل أيضاً: {فَيْهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ}، والنخل والرمان عندنا من الفاكهة ونظائر ذلك كثير ويحتمل أن يكون المراد به ما أسكر من كل شراب، فبين أن الخمر محرمة بعينها لا يجب أن يطلب شيء من أحوالها، ومن سائر الأشربة يحرم ما يكون مسكراً ليكون ذلك موافقاً لسائر ما روي.
فإن قيل: لو كانت هذه الأنبذة من الخمر لكفر من استحل شربها؟
قيل له: من استحل شرب تلك الخمر المخصوصة كفر؛ لأنا عرفنا تحريمها من دين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة، ومن استحل ما هذا سبيله كفر؛ لأنَّه يكن مكذباً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وسائر الأنبذة، علمنا تحريمها من وجهة النظر والاجتهاد فلم يجب أن يكفر مستحلها وإن كان اسم الخمر يجمعها، ألا ترى أن أبا حنيفة لا يخالف في تكفية من أنكر وجوب أحدة من الصلوات الخمس ثُمَّ لا يكفر من أنكر وجوب الوتر والصلوات الخمس اسم الوجوب، وكذلك لا يكفر للوجه الذي بيناه، فكذلك مسألة الخمر، ألا ترى أن ذلك لا يمنع عنده من أن يجمع الوتر والصلوات الخمس اسم الوجوب، وكذلك لا يكفر من استجاز أكل ما قتله الكلب، وإن أكل منه وإن كان يكفر ن استجاز أكل ما قتله الذئب وما أشبه ذلك، ونظائره أكثر من أن يعد ويحصى.
مسألة(142/20)
وكل شراب أسكر كثيره فالقليل منه حرام، وما لم يسكر كثيره فهو حلال، وهو رأي أهل البيت لا أحفظ عنهم فيه خلافاً، وبه قال مالك والشافعي، وقد اختلف غيرهم من العلماء في ما يحل ويحرم من المسكر اختلافاً كثيراً، إلاَّ أنّا إذا دللنا على صحة قولنا بطل قول جيمع من خالفنا فيه، وثبت أن كل مسكر حرام، وأحد الطرف في تحريمها ما مضى في المسألة الَّتِي قبلها من أن اسم الخمر يتناول جميعها، فثبت أن التحريم بقوله تعالى: {فِيْهِمَا إِثْمٌ كَبِيْرٌ وَمَنَافِعٌ}، قوله: {فَاجْتَنِبُوهُ}، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <كل مسكر خمر>، وما روي عن ابن عمر وغيره، والطريقة الثانية الأخبار الواردة في كل ما أسكر كثيره منها فقليله حرام، حديث زيد بن علي من طريق الناصر، عن آبائه، عن عليّ عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <ما أسكر كثيره فقليله حرام>، وعن سهر بن حوشب، عن أم سلمة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كل مسكر ومغير، وعن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول كل مسكر حرام، وعن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله، وعن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله، وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله، وعن عامر بن سعيد، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره>، وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <إن الله حرم عيكم الخمر والميسر والكوبة، وكل مسكر حرام>، عن عائشة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: <كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام>، وفي بعض الأخبار: <فالحسوة نه حرام>، وروي: <كل مسكر حرام>، عن عبد الله بن عمر، وقيس بن سعد بن قتادة، وعن جابر، عن النعمان بن بشير، وعن أبي موسى كلهم، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بألفاظ مختلفة.(142/21)