قيل له: لا تمتنع أن يكون تحريم لحوم الخيل متأخراً عن تحريم لحوم الحمر، ونحن لا ننكر أنَّه كان مباحاً ثُمَّ نهى عنه على أن خبر الإباحة وخبر الحظر إذا اجتمعا كان خبر الحظر أولى أن يؤخذ به، ويدل على ذلك حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر الخيل فقال: <هي لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر>، ولم يذكر الأكل، فبان أن الخيل أجمع لا يعدوا الانتفاع بها؛ لأن الألف واللام دليل الجنس، فكأنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: انتفاع الخيل أجمع مقصور على هذه الثلاثة، ويمكن أن يقاس على البغال والحمير بأنه بهيمة ذات حافر أهلية، فيجب أن يحرم أكله، ألا ترى أن البهيمة الَّتِي ليست ذات حافر لا يحرم أكلها، فعلم أن التحريم كالإبل والبقر والغنم وما كان منها ذات حافر، وكانت وحشية جاز أكلها فعلم أن التحريم في الحمير والبغال تعلق بهذين الوصفين، وإذا وجد في الخيل وجب تحريما، وأيضاً هي ذو أربع أهلي لا يجب أخذ الصدقة من عنها، فوجب أن تكون محرمة الأكل كالخيل والبغال والحمير، أو يقاس عليها أنَّها ذوا أربع أهلي لا يجزي في الأضحية، وأما الحمر الأهلية فقد حكي أن قوماً استباحوها واستدلوا بها، روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سأله رجل فقال: يا رسول الله: أنَّه لم يبق من مالي ما أستطيع أن أطعم أهلي إلاَّ حمراً لي، قال: <فأطعم ملك من سمين مالك، فإنما كرهت لكم جوال القرية>، ويقال له: هذا يحتمل أن يكون كان قبل تحريم أكلها للأخبار الواردة الظاهرة بتحريم أكلها يوم خيبر ويحتمل أن يكون السائل سأل عن الحمر الوحشية فأذن له، وأخبر أنَّه كره جوال القرية بمعنى الحمار الأهلي فيكون موقفاً لسائر ما ذكر في هذا الباب، فمن ذلك ما روى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، أنَّه قال لابن عباس: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أكل لحوم الحمر الأنسية، وعن متعة النساء يوم خيبر)، وعن(142/12)


مجاهد، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن أكل لحوم الحمر الأنسية، وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثله، وروي ذلك عن خلق من الصحابة، والمسألة لا خلاف فيها اليوم، وأما حمار الوحش فعامة العلماء اجمع على جواز أكله، ولا نص فيه ليحيى عليه السلام، إلاَّ أن كلامه في الأحكام في كتاب المناسك، يدل على جواز أكله؛ لأنَّه قال: ولا يشترين ولا يأكلن، يعني المحرم صيداً من طير ولا ظلف ولا حافر مما صيد له أو لغيره فلما منع من أكل ذي الحافر ن الصيد للإحرام نبه ذلك على أن أكله جائز؛ لأن ما كان حظر أكله للإحرام جاز أكله للمحل، والأصل في ذلك الأخبار الكثيرة الواردة منها حديث صعب بن حثامة، قال: مر بي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا بالأبواء أو بواذن، فأهديت له لحم حمار وحش فرده عليّ فلما رأى الكراهة في وجهي، قال: <ليس بنا رد عليك؛ ولكنّا حرم>، وروى هذا الحديث من طرق شتّى وبألفاظ مختلفة، ووردت أخبار كثيرة سوى هذا دالة على إباحته تركنا ذكرها خشية الإطالة، فأما البغل فلا أحفظ خلافاً أنَّه محرم أكله، فلا وجه للكلام فيه على أنه إذا ثبت تحريم لحوم الحمر فلا إشكال في تحريم البغلف إذ هو منهما.
مسألة(142/13)


قال القاسم عليه السلام: لا بأس بأكل الغراب، وكذلك الجراد لا بأس بأكله، أما الجراد فلا بأس بجواز أكله، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <أحلت لكم ميتتان>، وإطلاق القول في جواز أكله من غير استثناء حال من حال يدل على أنَّه يؤكل على أي حال مات، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وحكي عن قوم أنه يحل منه ما صيد وهو حي، وذلك لا معنى له؛ لأن الخبر ورد مطلقاً فيه ولم يرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في استثنائه شيء، وأما الغراب فله مخلب يعد به فهو من جملته، فيجب أن يكون المراد به السود الصغار الَّتِي تلتقط الحب وأما الأبقع فلا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وذلك أن السود الصغار كسائر الطيور المباح أكلها، فأما الأبقع فله مخلب يعمل به فهو من جملة ما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <ذي مخلب من الطير>، ولأنه روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أذن في قتله على كل حال للمحرم، وفي بعض الأخبار: <الغراب الأبقع فلو جاز أكله لم يؤمر بقتله بل أمر بذبحه بل لم يجوز ذلك لمحرم.
مسألة(142/14)


قال: ولا يجوز أكل الضبع والدلدل، وهما ذوا ناب من السباع، أما الضبع فقد مضى الكلام فيه وهو ذو ناب، وأما الدلدل فهو أيضاًً ذو ناب من السباع كما قال فيدخل في جملته، نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن كل ذي ناب من السباع، قال: ولا بأس أن يشوى الطبيخ أو يطبخ الشواء وذلك أن الشواء إذا جاز طبخه وشية، فكذلك المطبوخ، قال: ولا بأس بأكل ما نبت على العذرة إذا غسل ونضف منها ونقي فذلك أن الأجزاء الَّتِي تحصل منها فيه تكن قد استحالت استحالة لم يبوء لها فيه أثر في المنظر والمطعم والشم، فكان كاللبن المستحيل عن الدم ونحو ذلك ويجيء على هذا أن الميتة وما جرى مجرى مجراها إذا وقعت في الملاحة وصارة ملحاً واستحالت إلى الملح استحالةً تامة بحيث لا يبقى من الميتة أثر جاز أكلها، وما جرى مجراها، كلك فكان ظاهراً؛ لأن هذه الأشياء النجسة المحرمة إنَّما كانت محرمة لصفاتها الَّتِي اختصتها فإذا زالت تلك المعالي والصفات زال ذلك الحكم، ويدل على ذلك من مذهبه قوله في الدود الخارج من الدبر؛ لأنَّه لا يخرج إلاَّ ومعه غيره من العذرة فينقض الطهارة فنبه على أنَّه طاهر وإن كان مستحيلاً على النجسة مخلوقاً منها، فكذلك غيره، ويدل هذا على أن الخمر إذا صارت خلاًّ حل أكله. قال: ويستحب الأكل على موائد آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك لما يرويه يحيى عن جده القاسم عليه السلام يرفع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <إذا وضعت موائد آل محمد حفت بهم الملائكة، يقدسون الله عز وجل فيستغفرون لهم ولمن أكل من طعامهم ولما يطلب في ذلك من التبرك بمخالطتهم ومعاشرتهم>.
مسألة(142/15)


قال: ولا ينبغي لأحد أن يأكل من الطين ما يضره، وذلك أن فيه مضار عدة فلا يجوز لأحد أن يبلغ بأكله إلى حد يضره، كما لا يجوز أكل سائر ما يضره، وقد روي فيه النَّهي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو نهي الكراهة للضرر الذي فيه، لا أن عينه محرمة بدلالة أنَّه مما يتطهر به للصلاة عند عدم الماء، فوجب أن يكون تناوله حلالاً كالماء؛ ولأنه مما ابتدئ خلقه وكل شيء ابتدئ خلقه مما ليس بحيوان، ومما يختص بحيوان فأكله حلال، فكذلك الطين، ولا يلزم حشاش السموم؛ لأن تحريمها إنَّما هو للضرر؛ لأن أعيانها محمرة وليس يلزم عليه الخمر أيضاً؛ لأنها ليست مما خلق الله عز وجل ابتداء.
مسألة
قال القاسم عليه السلام: ولا بأس بأكل الثوم إلاَّ لمن أراد أن يحضر مسجد الجماعة، وذلك لما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <من أكل من خضرواتكم هذه ذوات الريح فلا يقربنّ مساجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم>، وعن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <من أكل من هذه البقلة فلا يقربن المسجد حتَّى يذهب ريحها>، يعني الثوم، وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته>.
فإن قيل: روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، نهى عن أكل الثوم بخيبر، وهذا نهي مطلق لا لحضور المسجد؟(142/16)

102 / 122
ع
En
A+
A-