قال: ومن اضطر إلى أكل الميتة أكل منها دون السبع، مقدار ما يقيم به نفسه أما جواز أكلها عند الاضطرار فلا خلاف فيه، لقول الله عز وجل بعد تحريم ما حرم من الميتة: {وَلَحْمُ الْخِنْزِيْرِ فَمَنْ اضْطَرَّ فِيْ مَخْمَصَةٍ}، وقوله: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطَرَرْتُمْ إِلَيْهِ}، وقلنا أنَّه يأكل دون السبع، ومقدار ما يقيم به نفسه؛ لأن الله تعالى أباح ذلك في حال الاضطرار فمتى تناول ما يقيم به نفسه وقارب السبع فقد خرج من حال الاضطرار، ومتى خرج من حال الاضطرار عاد ذلك عليه حراماً؛ لأن من أبيح له أمر من الأمور لعارض فمتى زال ذلك العارض زالت الابحاحة، ألا ترى أن المريض أبيح له الإفطار في شهر رمضان، وكذلك المسافر ومتى زال المرض والسفر زالت الإباحة، فكذلك الأكل من الميتة وحكي عن الشافعي انه على قولين أحدهما ما ذهبنا إليه، والثاني؛ لأنَّه لا يأكل منها إلاَّ مقدار ما يمسك الرمق، وهذا بعيد؛ لأن الله عز وجل أباح له ذلك ما دام الاضطرار قائماً ومقدار ما يمسك الرمق لا يزيل الاضطرار؛ لأن الاقتصار عليه يسقط القوة ويمنع من الصرف، وأداء الصلوات ولا يزيل حرقة الجوع ومتى كان كذلك كان مضطراً والإباحة قائمة بنص الكتاب، وأما قول الله تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ}، فقد أختلف فيه، فذهب أبو حنيفة إلى أن المراد إلاَّ أن يكون باغياً في أكلها للتلذذ ومجاوزة الحد الذي جعل له، وما أشبه ذلك من الاستحلال له وهو الذي يقتضيه ظاهر قوله في الأحكام في غير موضع، وقال الشافعي: المراد به إلاَّ أن يكون سفره سفر بغي وعدوان ومعصية والأولى ما ذهبنا إليه من أنَّه ليس في الآية ذكر السفر ولا الحظر والسن في ذلك والحظر سواء، فكما أن الفاسق المقيم على فسه إذا اضطر إلى أكل الميتة جاز أكله لها، فكذلك المسافر وإن كان سفره فسقاً وبغياً؛ ولأن الله تعالى أباح ذلك للاضطرار، فأي حال حصل معها الإضرار فيجب(142/7)


أن يجوز له ذلك، ولا خلاف أن الباغي في سفره له أن يتيمم عند عدم الماء أو عند تعذر استعماله للمرض، والعلة أن ذلك رخصة الاضطرار، وكل خصه الاضطرار يجب أن يستوي فيه الباغي والعادل، وكذلك عندهم رخصة المسح على الخفين يستوي فيها البر والفاجر، فيلزمهم ما قلناه، والأصول تشهد بما قلناه؛ لأن التحليل والتحريم في المآكل والمشارب والمناكح والملابس يستويفيها البر والفاجر، فوجب أن يكون كذلك لحم الميتة، ألا ترى أن نكاح الإماء لمن لا يجد الطول وخشي العنت عندنا وعند الشافعي رخصة، ألا ترى إلى قوله، و إن تصبروا خير لكم ومع ذلك يستوي فيها البر والفاجر.
فإن قيل: إذا كان قوله عز وجل: {غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ}، محمول على ما قلتم فإنه يجري مجرى التكرير؛ لأن ذلك قد فهم بقوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ}؟
قيل له: ذلك عندنا أن هذا هو بيان حكم الاضطرار وتأكيد له للأدلة الَّتِي بيناها، قال: وله أن يتزود منها إذا خشي أن لا يجد غيرها، ولك لا خلاف فيه؛ لأنَّه احتياط لنفس وبقائها؛ ولأن أكلها إذا جاز لحفظ البقاء كان حملها أجوز، قال: والقول في لحم الخنزير كالقول في لحم الميتة، وذلك أن الله عطف بالإباحة على لحم الخنزير كما عطف بهما على الميتة، فكان حكمهما واحداً؛ ولأن المعنى الذي أباح أكل الميتة هي الضرورة، فإذا اضطر إلى أكل لحم الخنزير كان حكمه حكم الميتة، وقال الله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بَأَيْدِيَكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، وترك أكل لحم الخنزير مع الضرورة القام باليد إلى التهلكة، فكان حكمه حكم الميتة.
مسألة(142/8)


قال: ولا يحل أكل ذي ناب من السبا ومخلب من الطير إلاَّ عند الضرورة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وقال مالك: يجوز سباع الطير ولا يجوز سباع الوحش، والشافعي أجاز الضبع والثعلب ولم يجوز الأسد والنمر والذئب، والأصل في ذلك ما رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الضب والضبع، وعن كل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطير، وعن لحوم الحمر الأهلية)، وعن عاصم بن ضمرة، عن علي عليه السلام قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير)، وعن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله، وعن أبي ثعلبة الحسني، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله، فكل ذلك نصوص فيما ذهبنا إليه.
فإن قيل: روي.................. سألت جابر بن عبد الله عن الضبع، آكلها؟ قال: نعم، قال: أصيد هو، قال: نعم، قال: قلت سمعت ذلك من رسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: <نعم>.
قيل له: أما قوله توكل فهو كلام جابر، وقوله سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راجع إلى قوله: هو صيد، ونحن لا ننكر أنَّه صيد فإنه إذا قتله المحرم يلزمه الجزاء، ولكن ليس كل صيد يؤكلن وروي عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه سئل عن الضبع، فقال: <هي من الصيد>، وفعل فيها إذا أصابها المحرم كبشاً، ولم يذكر الأكل، فبان أن ذكر الأكل كان حين ذكر من كلام جابر، وتحقيق ذلك ما رويناه عن علي، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه نهى عنها.
فإن قيل: قال عز وجل: {قُلْ لا أَجِدُ فِيْمَا أُوْحِيَ إِليَّ مُحَرَّماً..} الآية؟(142/9)


قيل له: عندنا أن هذه السباع ميتة وإن ذبحت؛ لأن المذبوح لا يكون مذكرى إلا إذا دل الشرع عليه، ألا ترى أن الخنزير لا يصير مذكرى بالذبح على أنَّه يمكننا أن نجمع بين الخبرين والآية، فنقول تقديرهما على طاعم يطعمه إلاَّ أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير أو ذا ناب من السباع أو مخلب من الطير، على أن الخبر يجوز أن يكون قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول الآية، فيكون إضعافه تحريم إلى تحريم، وهذا طريقة أصحابنا وأصحاب الشافعي في ضم خبر الشاهد واليمين إلاَّ الآية، وأيضاً هي ذات أربع تعددوا على الحيوان لتأكله، فوجب أن تكون محرمة، دليله الأسد والثعلب هو مقيس على ذلك بهذه العلة.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا}، وأباح ذلك إذا حللنا فهو عام؟
قيل له: ليس ذلك هو موضع الخلاف؛ لأنا نجيز اصطياده، وإنَّما نحرم أكله كالأسد والنمر والذئب.
مسألة(142/10)


ولا يجوز أكل لحوم الخيول والبغال والحمير، وبه قال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: يجوز أكل لحوم الخيل، والأصل فيه ما بينا أن الأصل في الحيوان أن أكله حرام محظور، حتَّى تقوم دلالة الإباحة على ما تقد بيانه، ثُمَّ الحديث المشهور عن خالد بن الوليد، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن لحوم الخيل والبغال والحمير، وذكر تحريم ذلك عن ابن عباس، وأنه يستدل على ذلك بقوله عز وجل: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيْهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ..} الآية، ثُمَّ قال: {وَالْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيْرُ لِتَرْكَبَوْهَا وَزِيْنَةً}، فلما عدّ سبحانه النعم الَّتِي في الأنعام ذكر الأكل، ولما عدّ النعم الَّتِي في الخيل والبغال والحمير ذكر الركوب والزينة، ولم يذكر الأكل، فلما جاز أكلها لذكر الأكل؛ لأن جواز الأكل من عظيم النعم فلا يجوز أن يترك ذكرها مع سائر النعم، فدل ذلك على أنَّها لا تؤكل البغال والحمير.
فإن قيل: روي عن جابر: كنَّا نأكل لحوم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وروي نحوه عن أسماء ابنة أبي بكر؟
قيل له: يحتمل أن يكون ذلك قبل التحريم أو فعلوا ذلك قبل علمهم بالتحريم.
فإن قيل: روي عن جابر أنَّه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل، وعنه قال: أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر؟(142/11)

101 / 122
ع
En
A+
A-