قيل له: الظاهر ن ذلك هو الاصطياد، وقوله: وطعامه، هو ما عرفت العادة بتطعمه، ألا ترى أن الطين والحشيش والورق لا يسمى طعاماً على الإطلاق وإن أمكن أكله لما لم تكن الادة جارية بتطعمه الناس، فإذا ثبت ذلك فالادة لم تجر بتطعم ما في الحبر إلاَّ في السمك، فوجب أن يتناول الظاهر غير السمك، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <أحل لنا ميتتان>، يدل على ذلك؛ لأنَّه أباح جنسين من الميتة، أحدهما الجراد، والثاني لا بد أن يكون السمك، فثبت الإباحة فيهما، وما عداهما يكون على التحريم، بقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ}، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في البحر: <هو الطهور ماؤه والحل ميتته>، محمول على السمك لما بيناه.
فإن قاسوها على السمك بعلة أنَّه يعيش في الماء قسنا كل جنس منه على جنسه البري، بعلة اشتراكهما في الاسم، نقيس الحية على الحية والكلب على الكلب والخنزير على الخنزير نقيس المائي منها على البري على أن صيد البر فيه المحلل والمحرم، فوجب أن يكون صيد الماء كذلك، والمعنى أن لكل واحد منهما أنواع مختلفة جملتها منسوبة إلى مسكنها فيقال صيد الماء وصيد البرّ.
مسألة
قال: ويكره أكل كثير من حرشة الأرض مثل القنفذ ونحوه، والأصل فيه ما روي لنا عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: (أُتِيَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بجفنةٍ قد أودمت، فوجد فيها خنفساء وذباباً فأمر به، وطرح، ثُمَّ قال: <سمُّوا عليه، وكلوا، فإن هذا لا يحرم شيئاً>)، فدل ذلك على أن الخنفساء لا يجوز أكلها؛ لأن أكلها لو كان جائزاً لم يأمر أن يرمى بها؛ لأن الأكول لا يجوز أن يرمى به ويضيع، فإذا ثبت ذلك في الخنفساء قسنا عليها سائر الحرشات، ومنعنا من أكلها.
فإن قيل: هلاَّ قستم على الجراد؟(142/2)


قيل له: لأنَّه مخصوص والقياس على ما لم يكن مخصوصاً من جملته أولى من القياس على المخصوص على أن أصحاب أبي حنيفة لا يرون على المخصوص على أن قياسنا يوجب الحظر وقياسهم يوجب الإباحة والحظر، أولى من الإباحة، وأيضاً روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خمس يقتلى من المحرم وذكر فيه الفارة ولو حل أكله لم يبح قتله إلاَّ على وجه الذبح على أن كثيراً من حرشات الأرض لا يتأتى فيها الذبح والتذكية، فهي تكون ميتة فتحرم بقوله عز وجل: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}، على الذين أباحوا ذلك لا يفصلون بين أن يموت أو يذبح على أن الذكاة اسم شرعي ولم يرد الشرع بأن ذبح هذه الأشياء يكون ذكاة، ألا ترى أن ذبح الخنزير لا تكون ذكاة له، وحكي عن الشافعي أنَّه قال: ما كانت العرب تستقذره، فهو من الخبائث المحرمة، لقوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}، وذلك لا معنى له؛ لأنَّ القرآن لم يخاطب به العرب دون العجم بل دون سائر الأمم فلم يرجع فيه إلى استخباث العرب.
مسألة
قال: ويكره الضب، وليس بمحرم، وذلك لما روي عن ابن عمر، قال: نادى رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلٌ فقال: ما تقول في الضب؟ فقال: <لست آكله ولم أحرمه>، وعن ابن عمر أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى بضبّ فلم يأكله ولم يحرمه، وعن عائشة أنَّه أهدى لهم ضبٌّ فلم يأكله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقام سائل بالباب فأرادت عائشة أن تطعمه الضب فقال لها صلى الله عليه وآله وسلم: <أتعطينه ما لا تأكلين؟>، فدل ذلك على أنَّه كرهه لنفسه وغيره، وعن أبي سعيد الخدري، أن أعرابيّاً سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الضب، فقال: <إن الله سخط على سبط من بني إسرائيل فمسخهم آوبٌّ يدوبُّون على الأرض، فما أظنهم إلاَّ هؤلاء ولست آكلها ولا أحرمها>، فكل هذه الأخبار نصوص فيما ذهبنا إليه.
مسألة(142/3)


قال: والأرنب يعاف أكلها، وليست بمحرمة، نص علي عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: (أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راع فأهدى له أرنباً مشويَّة فنظر إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: <أهدية أم صدقة>؟ فقال: لا بل هدية، فنظر إلى حياها فكأنه نظر فيه دماً، فقال لصاحبها: <خذها> فقال الرجل: آكلها؟ قال: <نعم، وكلوا معه>، فأكل القوم)، وإنَّما تركها؛ لأنَّه عافها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عفناه إقتداءً به.
فإن قيل: أنَّه عافها لسبب؟
قيل له: الإقتداء به مما يستحب فإن كان فعل هو صلى الله عليه وآله وسلم لسبب، ألا ترى أنَّه أسرع في وادي مخثر أنَّها حلال؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أذن في أكلها.
مسألة(142/4)


قال: ويكره أكل الطّحَّال، وذلك لما روي عن علي عليه السلام أنَّه قال: (لقمة الشيطان)، قال: ويكره أكل الهر الأُنسي وحشي، كما يكره غيره من السباع؛ لأنَّه ذو ناب من السباع وهو ذو أربع يعدوا على الحيوان ليأكله، وما كان كذلك أجري عليه اسم السّبع، وسنذكر ما ورد في السبع من الأثر، قال: ويكره أكل الجبن الذي عمله الكفار، وهذا مبني على أصله أنّ ذبائحهم لا تؤكل، والجبن يدخل فيه الأنفحة، وهي تكون الميتة؛ فلذلك لم نجوزه، قال: وكذلك يكره أكل ما عملوه من سمن وغيره؛ لأن مذهبه أن الكفار أنجاس فينجس ما ماسُّوه بأيديهم من الأشياء المائعة والرطبة، قال: ويكره أن يأكل الرجل مستلقياً على قفاه أو منبطحاً على وجهه أو يأكل بشماله، وذلك لما روى يحيى عليه السلام، قال: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه نهى أن يأكل الرجل بشماله أو مستلقياً على ظهره أو منبطحاً على بطنه، ولأنّ عادة العقلاء خلاف ذلك، ولأن خلاف ذلك أهنى وأمرى وأنفع ـ أعني مستلقياً أو منبطحاً ـ ، قال: ويكره أكل السلحفاة، قال يحيى لأنَّه ليس ممَّا خصه الله بتحليل معلوم كما خصّ غيره ن صيد البر والبحر، فدل ذلك من مذهبه على أنه يرى أكل الحيوان على الحظر حتى يقوم دليل الإباحة، ووجهه أن الميتة منها محظورة بقول الله عز وجل: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ}، وما ذبح منها فالذبح لا يكون ذكاة إلاَّ من جهة الشرع على أن أيلام الحيوان محظور ما لم يرد إباحته من جهة الشرع، فصح ما ذهب إليه من أن الأصل في أكل الحيوان الحظر حتَّى يقوم دليلاله الإباحة، وقد ذكرنا في مسألة الحرشات سائر ما يتعلق بهذا الباب.
مسألة(142/5)


قال: ولا بأس بأكل لحوم الجلالة من البقر والغنم والطير إذا كانت تعتلف من الأعلاف والمراعي أكثر ممَّا تجل، ويستحب لمن أراد أكلها أن يحبسها أياماً حتَّى تطيب أجوافها، قوله: لا بأس بأكلها على اشتراط أن تعلق من الأعلاف والمراعي أكثر ممَّا تجلّ تنبيه على أنَّه يكره أكلها إذا لم تأكل غير العذرة، وبه قال أبو حنيفة، وحكي أن مذهب الشافعي فيها هذا على التفصيل، وحكي عن مالك أنَّه لا بأس بها، ووجه ذلك ما روي عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن أكل الجلالة، ولأن أكل العذرة إذا كثر وزاد على أكل ما سواها تظهر رائحتها على اللحم على وجه الامتزاج والاختلاط، فتشبه الماء الذي تغلب عليه رائحة النجاسة على وجه الامتزاج والاختلاط، ويكون لها تغليب حكم النجاسة عليها لظهور رائحتها، وإن كانت عين النجاسة غير قائمة، فأما إذا حبست أياماً حتَّى يطيب أجوافها فلا خلاف في جواز أكلها؛ لأن السبب المانع يكون زائلاً، وكذلك إذا كان أكلها للعذرة أقل لا يكون به اعتبار؛ لأن عامة البهائم والطيور لا تكاد تسلم من ذلك أو ممَّا يجري مجراه من الخبائث، قال: وإذا وقع في الطعام الخنفساة والذباب فليخرج منه وليؤكل الطعام، وهذا قد بينا ما ورد فيه من الأثر.
مسالة
قال: وإن وقعت فيه فارة فأخرجت حية فلا بأس بأكل الطعام بعد إخراجها، وإن ماتت فيه أو وقعت وهي ميتة وألقي ما حولها من ذلك الطعام وأكل سائره، إذا لم يكن أصابه من قذرها شيء، وإن كان قد تغير بموتها فيه لم يؤكل، أما إذا وقعت وهي حية وأجرحت وهي حية فلا خلاف في أن الطعام لا ينجس به وتنجيس شيء من الحيوان لا يجب إلاَّ الكلب والخنزير، قال القاسم عليه السلام: وإذا وقع في الطعام مالا دم له ولم يبن فيه نتن ولا قذر فلا بأس بأكله، وهذا قد استوفينا الكلام فيه في باب الطهارة في ذكر الماء إذا وقع فيه ما لا نفس له سائلة.
مسألة(142/6)

100 / 122
ع
En
A+
A-