قال: ولو أن رجلاً قال: كل مملوك لي حر، وله مدبر ومكاتب وأم ولد وعبد عتق بعضه عتقوا كلهم ولم يكن للمكاتب أن يرجع عليه بما أخذ منه وذلك أن اللفظ عمهم جميعاً، وإن كان لفظ الذكور؛ لأنَّه يصح أن يعبه عن الذكر والأنثى إذا اجتمعا بلفظ التذكير، وقوله: وعبد عتق بعضه المراد به أحد معنيين، إما أن يكون المراد به مكاتب أدى بعض كتابته، إنَّه يكون بقدر ما أدى في حكم من عتق منه ذلك القدر أو يريد ذلك على مذهب من يصحح تبعيض العتق، فأما على قوله فلا لأن العتق عنده لا يتبعض ولا يرجع بما أخذ من المكاتب المكاتب عليه؛ لأنَّه قد ملكه ونفذ العتق في المكاتب.
باب القول فيمن أعتق الشخص من مملوكه
من أعتق جزءاً من عبده أو عضواً صار العبد كله حراً، قال أبو حنيفة: من أعتق جزءاً من عبده يعتق ذلك الجزء ويسعى له في بقية قيمته، وقال أبو يوسف ومحمد مثل قولنا يعتق كله ولا سعاية عليه وبه قال الشافعي على ما حكى ابن شريح، والأصل فيه حديث قتادة عن ابن المليح، عن أبيه أن رجلاً أعتق شقصاً له في مملوك فأعتقه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: <ليس له شريك> ففيه وجهان من الدلالة على أن العتق لا يتبعض وإن عتق البعض يوجب عتق سائره فأحدهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعتقه حين أعتق الرجل شقصاًً له فيه وأوجب عتق جميعه بعتق بعضه والثاني قوله <ليس لله شريك>، فدل ذلك أن بعض العبد إذا أعتق لم يجز أن يبقى شرك فيه لأحد حتى يكون بعضه حراً وبعضه مملوكاً.
فإن قيل: ليس هذا في ظاهر قوله <ليس لله شريك.(94/6)
قيل له: لا يحتمل أن يكون المراد سواه؛ لأنَّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقصد بيان التوحيد في هذا الموضع، وإنما قصد بيان خال العبد وأنه لا يجوز أن يبقى فيه مع حرية بعضه شرك لأحد، وقد ذكر في بعض الأخبار فهو حر كله وروي عن نافع عن ابن عمر، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <من أعتق نصيباً له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمنه بقيمة العبد فهو عتيق فدل ذلك على أنَّه يعتق كله إذا كان صاحبه موسراً وروى الطحاوي بإسناده عن نافع عن ابن عمر من أعتق شركاً له في مملوك فقد عتق كله، فإن كان للذي أعتقه من المال ما يبلغ ثمنه فعليه عتقه كله ففي قوله صلى الله عليه وآله وسلم عتق كله ما يدل على أن عتق البعض عتق لسائره، وقوله فإن كان له مال فعليه عتقه، يجب أن يكون المراد به ضمان كمال العتق؛ لأن حصول العتق في الأول قد حصل غير مشروط فلا بد من أن يكون اللفظ الثاني فائدة وفائدته ما ذكرنا لدلالة سائر الأخبار على ضمان المؤسر نصيب شريكه.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما رواه ابن عمر: <من أعتق نصيباً له في عبد كلف عتق ما بقي وفي لفظ آخر كلف أن يتم عتقه>.
قيل له: يحتمل ذلك كله أن يكون المراد به ضمان العتق كله على ما بيناه قبل هذا.
فإن قيل: لا خلاف أن الشريكين في عبد لو أعتقاه عتق وكان ولاه لهما ثبت صحة وقوع العتق عن كل واحد منهما في نصيبه وبان أن العتق يتبعض.
قيل له: ليس معنى قولنا أن العتق لا يتبعض لا يقع من كل واحد من الشريطين في نصيبه، وإنما المراد أنَّه لا يبقى بعضه مملوكاً مع كون بعضه حراً فلا فائدة لما ذكرتم.
فإن قيل: روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <لا عتق فيما لا يملك ابن آدم> فلم يجب أن يعتق نصيب الشريك لعتق أحد الشريكين نصيبه؛ لأنَّه لا يملك نصيب شريكه.(94/7)
قيل له: لم يقل صلى الله عليه وآله وسلم: <لا عتق فيما لا يملكه المعتق> وإنما قال: <لا عتق فيما لا يملك ابن آدم> ونصيب شريكه مما يملك ابن آدم ولا متعلق لكم في الظاهر ويحتمل أن يكون المراد أن العتق لا يتأتى إلاَّ في المملوك ليعلم أن من أعتق في دار الحرب قبل أن يملك المعتق لم يقع العتق على أن رجلاً لو أوصى لرجل بما في بطن جاريته ثُمَّ مات فأعتق الوارث جاريته نفذ العتق فيها وفيما في بطنها وما في بطنها ليس بملك للمعتق وإنما عتق لتملكه لتعلقه بملكه، فكذلك الشريك وأيضاً العتق موجب للتحريم من غير أن يكون فيه إباحة للغير، فوجب أن لا يتبعض دليله الطلاق ولا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة أنَّه لو قال: وجهك حرٌ أو فرجك حرٌ أنَّه يوجب عتقه كله كاتب العلة فيه تعليق الحرية بالبعض، فكذلك ما اختلفنا فيه.
فإن قيل: العلة في ذلك أنَّه يعبر بالوجه عن الجملة وكذلك الفرج.
قيل له: هذا غير مسلَّم ولا يعرف في اللغة الفرق، فأما الكلام في العضو فإنه يجيء بعد هذه المسألة.
مسألة
قال: ولا فصل بين أن يقول أنت حر وبين أن يقول رجلك حرة أو يدك حرة أو فخذك حر أو صدرك حراً أو بعضك حراً أو شعرة منك حرة كل ذلك يوجب العتق وأظنه قول الشافعي، قال أبو حنيفة وأصحابه: ذلك في أعضاء مخصوصة وهي الرأس والبدن والنفس والجسد والروح والرقبة والفرج، حكاه أبو الحسن الكرخي، قال: ولا يعتق إذا قال ذلك في غيرهن من الأعضاء ووجهه أنَّه عتق إذا وقع في بعضه فيجب أن يعتق كله بدلالة الأخبار المتقدمة نحو قوله: من أعتق شقصاً له في مملوك ونحوه وأيضاً لا خلاف فيما ذكرناه من الأعضاء نحو الرأس والوجه والفرج أنَّه إذا علق العتق عليه عتق العبد كذلك ما اختلفنا فيه من الأعضاء لعلة أنَّه تعليق العتق على عضو له.
فإن قيل: لأن هذه الأعضاء يعبر بها عن الجملة.
قيل له: لا نسلم في الرقبة خصوصاً؛ لأن النص ورد بذكرها.(94/8)
فإن قيل: يتأول هذا وجه الرأي يراد به نفس الرأي وهذا باطن الرأي والمرجع في جميع ذلك إلى الرأي وهم لا يوجبون العتق المعلق عليهما.
فإن قيل: فقد يقال عندي كذا رأسا أريد بيعهم.
قيل له: وقد يقال عندي كذا بطناً احتاج أن أسبعهم وكذا ظهر أحتاج أن أكسوهم وكل ذلك على التجوز وعلى أن الغرض به معلوم لا على أنَّه في الحقيقة اسم للجميع على أنَّه إذا قال يدك حرة أو رجلك حرة فقد علق العتق على ما يملك؛ لأنَّه مالك يد عبده ورجله بدلالة أنَّه لو يجني عليهما بالقطع أو غيره لاستحق المولى إرشهما فوجب أن يقع العتق كما أنَّه لو أوقعه على جزء منه معلوم وقع العتق به، والعلة أنَّه علق العتق على ما يملكه إذا استقر فيه، فلا خلاف أنَّه يسري إلى الجميع؛ لأنَّه لم يقل أحد بذلك إلاَّ قال أنَّه يسري في الجميع.
فإن قيل: الفق بينهما أن بيع الجزء منه يصح وبيع الأعضاء لا يصح.
قيل له: لأن العتق يحتمل من الجهالة ما لا يحتمله البيع على أني لا أراهم يصححون البيع، لو قال: بعتك روح أمي أو فرجها أو وجهها ويصححون ذلك في العتق.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً قال لمملوكته: ما في بطنك حرٌ عتق ما في بطنها وإن قال: أنت حرة وما في بطنك مملوكة كانت وما في بطنها حرين، وهذا مما لا خلاف فيه؛ إذ قد أجمعوا أنَّه يصح من الرجل أن يعتق ما في بطن جاريته وإن عتقه لا يسري لا يسري إلى أمه، وقد أجمعوا أن ما تلده الحرة فهو حرٌ فإذا عتقت الأم وجب أن يعتق ما في بطنها.
مسألة
قال: وإذا كان العبد بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه بإذن شريكه، كان العبد حراً ولم يضمن المعتق لشريكه شيئاً ووجب على العبد أن يسعى في نصف قيمته لشريك المعتق، وذلك أن شريكه حين أذن له في إعتاق نصيبه نفسه، كان قد أراه من ضمان سرايته، كما أن من أذن له في بط جرحه أو ختان عبده، كان قد أبرأه من ضمان سرايته، فلذلك يسقط عنه الضمان، فإذا سقط ذلك لزم العبد السعاية.(94/9)
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون ذلك كالأذن في إعتاق نصيبه، كما أعتق نصيب نفسه ولا يجب أن يضمن العبد شيئاً بمنزلة من وكل غيره يعتق عبده.
قيل له: إذا احتمل الأذن ما قلناه وما ذكرتم له نحكم إلاَّ بما تيقناه دون ما احتمل مما لم نتيقنه وضمان السراية قد تقينا أنَّه قد أبرأه منه فقلنا به وما عداه لم نقل به، فإن قال الشريك أذنت له في عتق نصيبي، عتق العبد ولم يبع، وإن ادعى العبد عليه كان القول قوله مع يمينه.
مسألة
قال: وإن أعتقه بغير إذن شريكه ضمن المعتق لشريكه نصف قيمة العبد إن كان موسراً، وإن كان معسراً سعى العبد لشريكه في نصف قيمته غير مشطوط، قال أبو حنيفة: إن كان موسراً فله الخيار بين أن يعتق نصيبه أو يضمنه المعتق ويرجع على العبد بما ضمن من نصف قيمته أو يستسعى العبد فيه وإن كان معسراً فشريكه بالخيار بين أن يعتق نصيبه وبين أن يستسعي العبد فيه، فإذا أدى عتق، قال الشافعي: إن كان موسراً عتق وقوم عليه نصيب شريكه، وإن كان معسراً عتق العبد نصيبه وبقي نصيب صاحبه موقوفاً كما كان فالخلاف بيننا وبينه في المعسر ولا خلاف بيننا وبينه في المؤسر، فأما أبو يوسف ومحمد فقولهما مثل قولنا في المعسر والمؤسر وفي أن العبد لا يرجع عليه المعتق إذا ضمن والأصل في هذا أن العتق لا يبعض وشبهناه بالطلاق ويمكن تشبيهه بالعفو عن دم العمد؛ لأنَّه لا يتبعض، فإذا بينا ذلك بطل ما ذهب إليه أبو حنيفة في المعسر وما ذهب إليه الشافعي في المعسر؛ لأن قولهما مبني على جواز تبعيض العتق، وروى كالنص فيما نذهب إليه، روى هاهنا، وعن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <من أعتق شقصاً أو شركاً له في مملوك فعليه خلاصة في ماله، فإنه لم يكن له مالٌ استسعى العبد غير مسوق عليه.(94/10)