القول في العتق على الشرط
قال أيده الله: لو أن رجُلاً قال لعبده وأمته وهما زوجان إن ولدت امرأتك هذه صبية فهي حرَّة، وإن ولدت صبياً فأنت حرٌ فإن ولدت غلاماً عتق أبوه وإن ولدت جارية عتقت أمها، فإن ولدت توأمين غلاماً وجارية معاً في بطن واحد، وكانت ولدت الغلام قبل ثُمَّ الجارية عتق العبد ساعة يولد الغلام والأمة ساعة تولد الجارية ويكون الصبيان مملوكين، فإن ولدت الجارية قبل ثُمَّ ولدت الغلام بعد عتقت الأمة ساعة تلد الجارية ثُمَّ إذا ولدت الغلام عتق العبد وكان الغلام حراً والجارية مملوكة وكلما ولدت الحرة فهو حدٌ.
العتق على الشرط مما لا خلاف فيه إذا قد أجمعوا من قال لعبده إن مت فأنت حرٌ يعتق بعد موته، وكذلك إن قال: إن شفى الله مريضي فأنت حر يعتق إن شفى الله ذلك المريض فهو إجماع، فعلى هذا إذا قال لعبده وأمته ما ذكرناه في صدر المسألة إن ولدت غلاماً عتق العبد لوقوع الشرط الذي تعلق عتقه به، وكذلك إن ولدت جارية عتقت الأمة لوقوع الشرط الذي تعلق العتق به، فإن ولدت توأمين وكان الغلام ولد أولاً ثُمَّ الجارية بعده عتق الأبوان لحصول الشرطين الذي تعلق بهما عتقهما على ما بيناه، وإن ولدت الجارية ثُمَّ الغلام عتق الأبوان بحصول الشرطين وعتق الغلام؛ لأن أمه عتقت حين ولدت الجارية وهو بعد في بطنها ومن جملتها فسرى عتق الأمة في الغلام فعتق الغلام لأن ما تلد الحرة لا يكون إلاَّ حراً لا خلاف فيه بين المسلمين، وتقى الجارية مملوكة ـ أعني المولودة أولاً ـ كما كانت؛ لأنَّه لم يكن أمرٌ يوجب عتقها فهي كما كانت.
مسألة(94/1)


قال: ولو أن رجلاً قال: أول ولد تلده جاريتي فهو حر فولدت اثنين في بطن معاً عتقا معاً إلاَّ أن يكون نوى الأول من الاثنين إن كان في بطن فله بيته ووجهه إن الإيمان محمولة على العرف، والعرف في هذا أن الإنسان يريد ما تضعه المملوكة في البطن الأول وليس يريد الترتيب إذ ليس في العادة ولادة التوأمين وإنما يقع ذلك في النادر فأما العادة فما ذكرناه وإياها يتناول العرف، فلذلك قال إن العتق يقع على ما يضع في البطن الأول واحداً كان أو اثنين إلاَّ أن يكون نوى الأول منهما في الوضع فإن كان نوى ذلك فله بيته وذلك أن النية أقوى من العرف على ما سنبينه من بعد في كتاب الأيمان والله أعلم.
مسألة
وقال: ولو أن رجلاً من بشرني بكذا فهو حر فبشره به عبدٌ من عبيده ثُمَّ أتاه بعد ذلك عبد آخر فبشره به كان الأول حراً دون الثاني وذلك أن البشارة اسم لما يقع التبشير به أولاً ثُمَّ ما يرد بعده من الأخبار لا يسمى بشارة إذا كان الخبر الأول قد استقرت صحته في النفس يبين ذلك أن الخبر الذي يرد بعد ذلك بمدة طويلة لا يسمى بشارة والعلة فيه أنَّه ورده الخبر المتقدم قد أفاد فائدته، فلذلك الخبر الثاني لا يكون بشارة؛ لأنَّه ورد والخبر الأول قد أفاد فائدة، وإذا كانت البشارة هي الخبر الأول فالمبشر ما أتى به دون ما سواه.
فإن قيل: فالله تعالى قد سمى الرسل مبشرين وإن أتى واحد بعد واحد.
قيل له: هذا لا يشبه ما نحن فيه؛ لأن الرسل صلى الله عليهم أجمعين ورد كل واحد منهم في الأغلب إلى قوم، فكان بشيراً لهم وأيضاً عرف من جهة كل واحد من تفاصيل ما بشر به المؤمنون ما لم يعرف من جهة غيره، فصح أن يكون الجميع منهم مبشرين وليس كذلك مسألتنا؛ لأنا إنَّما قلنا ذلك إذا كان المبشر واحداً، وكان الذي وقعت البشارة به أمراً واحداً على وجهٍ آخر.
فإن قيل: لا يمتنع أن نقول الإنسان أتاني بكذا مبشرٌ بعد مبشر فيسمى الثاني مبشراً.(94/2)


قيل له: هذا على وجه التوسع والحقيقة ما ذكرناه لما بيناه.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً قال لعبده: أنت حر إن شاء الله عتق العبد إن كان مسلماً عفيفاً، ولم يعتق إن كان فاسقاً فاجراً وكذا القول إن قال له: أنت حر بعد وفاتي إن شاء الله، الاستثناء عند أكثر العلماء يمنع وقوع العتق ووجهه إن التقدير في هذا إن كان شاء الله ذلك عنده على ما بيناه في الاستثناء في الطلاق ومن مذهبه أنَّه لا قُربةَ في عتق الفاسق ومشيئة الله عز وجل لا تتناول من أفعالنا إلاَّ ما كان قُربة فإذا لم تتعلق مشيئة عز وجل بعتق الفاسق على أصله فهو بمنزلة من علق عتقه على شرط ولم يحصل الشرط في أنَّه لا يقع العتق.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <من قال إن شاء الله فقد استثنى>.
قيل له: حقيقة الاستثناء ما ذهبنا إليه؛ لأن الاستثناء من حقه أن يخرج من الكلام بعض ما يقتضيه اللفظ فأما ما يجعل وجود اللفظ كعدمه فذلك لا يسمى استثناء في الحقيقة دون ما خالفنا على أن أبي حنيفة وأصحابه لا يخالفون في أنَّه إن قال: أنت حر إن شاء الله زيد أنَّه يعتبر فيه مشيئة زيد، فكذلك ما اختلفنا فيه.
مسألة
وقال: ولو أنَّه قال لعبد غيره: أنت حر من مالي لم يفد ذلك القول شيئاً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا عتق قبل الملك> وهذا مما لا خلاف فيه، فإن قال: إذا اشتريتك فأنت حر، لم يعتق وإن اشتراه وملكه ـ وهذا عند أبي حنيفة ـ يعتق وقول الشافعي كقولنا، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا عتق قبل الملك>، وهذا عتق قبل الملك.
فإن قيل: ينعقد قبل الملك ثُمَّ يقع بعد الملك.(94/3)


قيل له: اللفظ يتناول النفي عاماً فيمنع الانعقاد كما منع الوقوع، وأيضاً لا خلاف لو لم يضفه إلى الملك لم يقع العتق، فكذلك إذا أضافه والمعنى أنَّه لفظ بالعتق قبل الملك وأيضاً قوله: أنت حر، هو موجب للعتق وحصول ما علق العتق به هو شرط لوقوعه، كأن يقول: لو دخلت الدار ولا خلاف أن الشرط لو وقع ولا ملك أنَّه لا يعتق وكذلك الموجب لو وقع ولا ملك يجب إلاَّ بعتق والعلة حصول أحد سببي العتق ولا ملك والمسألة مما لا خلافاً بين أهل البيت، وإجماعهم عندنا حجة، قال: فإن قال: إن اشتريتك فلله عليَّ أن أعتقك، وجب عليه أن يعتقه إن اشتراه وملكه وذلك أنَّه نذر أوجبه على نفسه ويجب الوفاء به كما يجب الوفاء بسائر النذور والعتق مما يصح ثبوته في الذمة فيجب أن يصح النذر به.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً قال لعبده: إن بعتك فأنت حر وجب عليه أن يستقيل صاحبه، فإن أقاله وإلا ابتاعه بما قل أو كثر، ثُمَّ يعتق فإن أبى المشتري بيعه وإقالته اشترى مثله عنه وأعتقه.(94/4)


واعلم أن جميع ذلك استحباب وليس هو على طريق الوجوب، وذكر الوجوب على جهة التوسع، ألا ترى أنَّه قال يبتاعه ثُمَّ يعتقه فلو كان العتق يكون واقفاً لقال: وإذا ابتاعه عتق عليه وإنما قلنا أنَّه لا يعتق؛ لأن الشرط الذي هو البيع حصل مع زوال ملكه، فكان بمنزلة شروط العتق ولا شك في أنَّه لا يقع العتق ووجه الاستحباب أنَّه في حكم من وعده أن يعتقه عند أمر فيستحب له الوفاء بما وعد لمدح الله عز وجل الموفين بالعهد فإن لم يمكنه ذلك استحب له أن يصرف ثمنه في باب العتق؛ لأن قوله: تضمن وعداً فاته الثمن بسبب فيستحب له الوفاء به على ما يمكن، قال: فإن باعه على أنَّه بالخيار أيام معلومة لم يعتق إن اختار فسخ البيع وذلك أن حقيقة البيع لم تحصل؛ لأن المبيع بعد على ملك بايعه فلم يحصل الشرط، قال: وإن أمضى البيع كان القول فيه كالقول في المسألة الأولى تخريجاً؛ لأن شرط الوعد قد حصل، قال: وكذلك إن قال إن بعت ثوبي هذا فهو صدقة للمساكين ووجهه ما مضى.
مسألة
قال: وكل من أعتق مملوكه بشرط عتق عند حصول الشرط فإن كان الشرط تقدم حصوله وقع العتق عند التلفظ به، وذلك أن اللفظ هو الموجب للعتق على الشرط وحصول الشرط مع الموجب يقتضي وقوع العتق فأيهما تقدم وقع العتق فإذا حصلا جميعاً وقع العتق وأحدهما أن يقول: إن دخلت الدار فأنت حر فمتى دخل الدار وقع العتق حين يقع الدخول.
مسألة(94/5)

98 / 149
ع
En
A+
A-