باب القول في العارية
يجوز للرجل أن يعير داره وفرسه وجاريته وثيابه، وغير ذلكك مما يملك من شاء، فإن كنت العارية جارية جاز أن يستخدمها، ولم يجز أن يطأها، والعارية هبة المنافع.
الأصل في جواز العارية ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (العارية مؤداة)، وما روي: أنه استعاار من صفوان بن أمية دروعاً، ولا خلاف فيه بين المسلمين.
فأما الجارية إذا اعيرت حل للمستعير استخدامها دون وطئها، وهذا مما لا خلاف فيه.
ويدل على ذلك قول الله تعالة: {والَّذِيْنَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ..} الآية. فأباح عز وجل الوطء مع عقد النكاح، أو ملك اليمين، وحظر ما سواه، وقوله: إنها هبة المنافع فيه ضرب من التوسع، والتجوز والحقيقة أنها إباحة المنافع عندنا على ما نبينه من بعد.
مسألة:
قال: وإذا تلف العارية عند المستعير لم يضمنها للمعير إلا باحد شيئيين: أن يكون اشترط للمعير الضان على المستعير، والثاني: أن يكون تلفها بتعدي المستعير، وبه قال القاسم والناصر، وهو المروي عن جعفر بن محمد، والأظهر أنه وفاق أل البيت عليهم السلام.
فأما ما رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، أنه قال: لا ضمان على مستعير، إلا أن يخالف، فمعنااه عندنا إذا أطلق الإستعارة، ولم يشترط الضمان، لأن العارية عندنا في الأصل غير مضمونة.
قال أبو حنيفة وأصحابه: هي غير مضمونة إلا بالتعدي، وقال الشافعي: هي مضمونة على كل وجه.
والأصل عندنا على ما بيناه في العارية أنا غير مضمونة إلا بالتعدي، وذلك أن صاحبها سلمها إلى المستعير ليستوفي منا مناافعها، فأشبه الشيء المستأجر أن لما سلمه صاحبه لاستيفاء منافعه لم يضمنه.(93/1)
فإن قاسوه على القرض بعلة أنه أخذه لمنفعة نفسه على أن القرض يصير ملكاً للمستقرض، ويستحق عليه فضمانه لهذا المعنى دون ما سواه، وأيضاً من استعار ثوباً للبس فبلي لا خلاف أنه لا يضمن المستعير البلى، فكذلك إذا لم يتعد في الأصل، مكا لم يتعد في البلى بدلالة أنه لو تعدى في البلى ضمن.
وإنما قلنا: إنها تضمن إذا اشترط الضمان للأثر، وهو ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استعار من صفوان، فقال صفوان: أعارية أم غصباً؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (بل عارية مضمونة)، فاشترط ضمانا، فلولا أن اشترط الضمان يوجب الضمان لم يشترطه، لأنه يكون كالتغرير.
فإن قيل: فقد روي: (العارية مضمونة).
قيل له: هذه اللفظة ليست بتلك المشهورة، وإن ثبتت حملت على أنها إشارة إلى دروع صفوان، وأنا معهودة، والألف واللام يدلان على الجنس إذا لم يكونا للعهد.
فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد به مضمونة الأداء.
قيل له: هذا خلاف الظاهر، ثم لم يكن لهذا القول فائدة، لأن الأداء كان قد علم بقوله صلى اله عليه وآله وسلم: (عارية)، إذ هو الفصل بينها وبين الغصب، فلم يكن لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (مضمونة)، معنى إلا اشتراط الضمان.
فإن قيل: لو لم تكن العارية مضمونة في الأصل لم يجب الضمان، باشتراطه كالوديعة.
قيل له: يصحاشتراط الضمان في العارية، لأن فيها ما يقابل الضمان، وهو الإنتفاع، فصار ذلك عوضاً عن الضمان، كأنه قبل الإنتفاع على عوض الحفظ، وليس ذلك في الوديعة، فلم يفد فيها الشرط.
فإن قيل: لو ككان ذلكك كذلك صارت الإعارة بمنزلة الإجارة الفاسدة.
قيل له: لا يمتنع أن تأخذ شبهاً من الإجارة، وإن لم تكن إجارة، حتى يجب فيها كلما يجب في الإجارة، كما أن الإجارة تأخد شبهاً من البيع، ثم لم يجب فيها كلما يجب في البيع.
مسألة:(93/2)
قال: وإن استعار دابة على أن يركبها إلى موضع فرككبها إلى أبعد منه، أو استعارها على أن يحمل عليها شيئاً فحمل عليها أثقل منه، فتلفت ضمنها.
ووجهه أنه قد تعدى حين ركبها إلى موضع لم يأذن له فيه صاحبها، وحمل عليها مالم يأذن له في حمله، فصار بمنزلة الغاصب، يضمنها كما يضمن الغاصب، وهذا مما لا خلاف فيه.
وهكذا إن استعارها على أن يرككبهاا فأعارها غيره.
قال: وإن استعار ثوباً على أن يلبسه في البلد فسافر به ضمن ووجهه ما مضى.
قال: وكذلك إن أعاره غيره ضمن.
إختلف قول أبي حنيفة، ولم يصادم قولنا هو وأأصحابه في المستعير إذا أعار غيره، لا خلاف بيننا وبينهم أنه إن اشترط هو الإنتفاع بها بنفسه فأعارها أنه يضمن، وإنما الخلاف إذا استعارها مطلقاً، فأعار غيره، فقال أ[و حنيفة:: لا يضمن، لأن له أن يعير، وعندنا أنه يضن، لأنه ليس للمستعير أن يعير.
ووجه ما ذهبناا إليه أن منافع العارية مباحة للمستعير، ولست مملوكة له، وهذاا مما اختلف فيه أصحاب أأ[ي حنيفة، فذكر الاجصص أن الإعارة تقتضي تمليك المنافع، وذكر أبو الحسن الكرخي ـ أنه تقتضي إباحة المنافع.
والذي يدل على أنها تقتضي الإباحة أن له الرجوع في العارية، سواء أعارها ذا الرحم، أو على وجه القربة، فبان أن الإعارة تقتضي إباحة المنافع دون هبتها، وأيضاً لو ملك المنافع كان له أن يؤااجر العارية، كما يكون ذلك للمستأجر، لأنه مالك منافعها، فإذا ثبت ذلك لم يكن للمستعير أن يعير غيره، لأن من أبيح له شيء لا يجوز له أن يبيحه غيره لا خلاف فيه.
مسألة:(93/3)
قال: وإذاا ستعار الرجل شيئاً فرهنه بإذن صاحبه، أو بغير إذنه فتلف، ضمن المستعير للمعير قيمته، وهذا قد مضى شرحه فيكتاب الرهن، والفرق بين من رهنه بإذن المعير وبين من رهنه بغير إذنه: أنه إذا رهنه بغذن المعير وكانت القيمة للرهن زائدة، على الدين لم يضمن الزيادة، إلا إذاا أخذها من المرتهن، فإذا رهنا بغير إذن المعير ضمنها، أخذ أو لم يأخذ، لأن الراهن بإذن المغير غير متعد، فلا يضمن إلا ما يأخذه أو يحصل له بعوض دونه، والراهن بغير إذنه متعد يضمن على كل حال، وقولنا في الراهن بإذن المعير: إنه يضمن الزيادة، إذا أخذها معناه أنه يرده على المعير، وإلا فهو أمين فيه بمنزلة الوكيل، فذكر الضمان توسع في الكلام.
قال: والمستعير إذا استهلك العاارية على أي وجه استهلكهاا ضمن، وهذ ما لا خلاف فيه، لأنه متعد بمنزلة الغاصب.
مسألة:
قال: وإذا استعار رجل من رجل شيئاً، فأعطاه عليه الرهن، فقبضه المعير، كان ذلك تضميناً، فإن تلفت العارية، ضمنها، وقد بينا في كتاب الرهون أن ذلك يجري مجرى اشترااط الضمان، فلا وجه لإعادته.
مسألة:
قال: وإذا رد المستعير العارية إلى صاحبها مع مملوكه أو خادمه، فتلفت العارية لم يضمنا المستعير، فإن ردها مع الأجنبي فتلفت ضمنا، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه في غالب ظني.
ووجهه أن العارية إذا لم يشترط ضمانها، كانت في يد المستعر بمنزلة الوديعة، سيما على قولنا: إنه ليس له ان يعير غيره إلا بإذن المعير، فإذا ثبت ذلك فمتى ردها على يد مملوكه أو خادمه، أو بعض عياله، فتلفت لم يضمنها وإن ردها مع الأجنبي ضمنا لأن يد الأجنبي غير يد المستعير، فإذا سلمها إلى غيره ممن يده لا تكون في الحكم كيده، لا يكون ضامناً لها، كما يكون في الوديعة.(93/4)
قال: وإن تلفت بجناية من الحامل لها ضمنا الحامل، وذلك أنه يكون متعدياً، فيضمنها كما يضمن الغاصب، إلا أنه إن ككان الحامل من جملة عيال المستعير، كان المعير مطالباً للجاني دون المستعير إذا المستعير لا خيان له فلا سبل له عليه وأن كان الحامل أجنبياً فالمعير إن شاء طالب المستعير، وإن شاء طالب الحامل، لأن كل واحد منهما قد تعدى، فإن طالب المستعير رجع به على الحامل، وإن طالب به الحامل لم يرجع به على المستعير، لأن الحامل هو المتلف.
إنتهى الجزء الرابع من كتاب شرح التجريد للإمام الأعظم المؤيد بالله عليه السلام يليه الجزء الخامس، وأوله أبواب العتق.
... ... ... تم بحمد الله(93/5)