والوجه الثاني: انه قال: (تقسم ثمره، وتحبس أصله)، ولم يقل: تقسم الثمر في باب يدوم، وإنماا أشار إلى قسمة الثمر، وتحبيس الأصل، فدل ذل على ما قلناه، وقفت، لأن كل واحد منهما أخراج لملكه لا إلى مالك قربة إلى الله عز وجل، فإذا ثبت ذلك ثبت أن الوقف يصح إذاا وقفه على رجل بعينه.
ويدل على ذلك ما روي: (أن عبد الله بن زيد الأنصاري جعل حائطاً له صدقة، وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجعله رسول الله لأبويه، ثم جعله له بعد ذلك)، فدل ذلك على ما قلناه: إنه يصير صدقة، وإن لم يذككر المصرف، وإن ذكره بعد ذلكك جائز.
قال ابن أبي هرية، إذا قال: تصدقت بدااري هذه، ولم يسبلهاا على قوم، على وجهين: أحدهما ـ باطل، والثاني: جائز، ويكون وقفاً على أقرب الناس بالمحبس.
قال ابن سريج: يرجع لورثة الواقف، فإذا وقفه على قوم بأعيانهم، أو رجل بعينه فما توا ومات، فهو لورثة الموقوف عليه مصوفاً إليهم، كما نصفه في هذه المسألة بقوله: إذا وقفه على ومات، فهوا لورثة الموقوف عليه مصروفاً إليهم، كما نصه في هذه المسألة بقوله: إذا وقفه على أولاده، كان وقفاً على ورثة أولاد بعدهم.
قال أبو يوسف: إذا انقرض أهل الوقف رجعت إلى الله مصروفة في وجوه القرب.
وقال الشافعي: ترجع إلى أقرب الناس بالذي تصدق به، وفرق ذلك على أقاربه الغني منهم والفقير، قالوا: وقال ي موضع آخر إلى أقرب الناس به من الفقراء، فكأنه على قولين.(92/7)


والدليل على صحة ما ذهب إليه يحي بن الحسين عليه السلام حديث عبدالله بن زيد: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما جعل صدته لأبويه وماتا وخلفاه صرفها إليه)، وفي بعض الأحاديث: (لما ماتا قال عبدالله: مات أبواي فهي حل لي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نعم فكلها وأيضاً وجنا حقوق الأموال وما يتعلق بها إذا مات اربابهاا وجب صرفها إلى ورثتهم)، فكذلكك ما اختلفنا فيه، لأنه من حقوق الأموال، فأما إذا لم يككن ورثة فسيجيء القول فيه.
فإن قيل:: فيما مضى إذا كان أصل الوقف هو القربة، فالأولى أن يصرف إلى وجوه القرب.
قيل له: فيما مضى إذا كان أصل الوقف هو القربة، فالأولى أن يصرف إلى وجوه القرب.
قيل له: والإحسان إلى ذوي الأرحام من جملة القرب، وهم أخص فوجب أن يصرف إليهم، ويؤكد ذلك بقوله: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض).
مسألة:
قال: فإن وقف ماله كله على بعض ورثته دون بعض، كان المال كله وقفاً، فإن أجازه الذين لم يقف عليهم من الورثة ككان وقفاً على الذين وقف عليهم، وإن مل يجيزه كان الثلث وقفاً على الذين وقف عليهم، والثلثان وقفاً على الذين وقف عليهم، والثلثان وقفاً عليهم، وعلى الذين لم يقفه عليهم على حسب موارثهم، هذا إن حمل على ماا قال في المنتخب من أنه لا يهب من ماله أكثر من الثلث في الصحة والمرض جميعاً.
ووجهه ما مضى، وإن حمل على رواية الأحكام من أن للصحيح أن يعمل في ماله ما يشاء فيجب أن يحمل على أنه أرد به إذا وقفه في المرض، وأما إن كان وقفه في الصحة فهو ممضي على ما وقفه على رواية الأحكام، وهو الصحيح الذي نختاره.
ووجهه أ، وقف المال عليهم حسن نظر لهم، لأنه قصد تبقيته عليهم، ومنعهم من استهلاك االأصول، فوجب أن يصح ذلك في المرض والصحة، فأما إذاا وقف على بعضهم وجب أن يصرف الثلث إليم دون ما عداه، إذ ليس له أن يزوي عن ورثته أكثر من الثلث.(92/8)


ألا ترى أنه لو أوصى لبعض ورثته بجميع ماله كان الثلث له، وكذا الوقف في المرض لأنه يجري مجرى الوصية.
مسألة::
ولو أن رجلاً وقف ضيعة له أو داراً على رجلا عشر سنين كانت وقفاً عليه إن كان حياً، أو على ورثته إن كان ميتاً.
قد مضى الكلام أن ورثة الموقوف عليه أولى بالوقف بعده إذا لم يذكر مصرف الوقف بعده، فأما إذا انقرض االورثة فالواقف أولى به، لتعلقه به، ألا ترى أن صدقة عبدالله بن زيد ردت إليه بعد موت أ[ويه، واحتمل ذلكك أن تككون ردت إليه لونه وارثاً، واحتمل أن تكون لككونه واقفاً، فحملنا الأمر على كل واحد منهما، وقدمنا الوارث لما بيناه، ثم جعلنا الواقف بعده أولى، ويمكن أن يقال: لو لم يجعله للواقف، وجب أن يجعله لسائر الملمين، وهو أولى به لتعلقه به، واختصاصه لولايته، كما نقول في ذي الرحم أولى بالإرث، وفي من غلب العدو على ماله وفي وصية من لا وارث له، وموالاة الحربي.
على أن ذككر المصرف إذا ثبت أ،ه إليه فهو له إن شاء صرفه إلى نفسه، وإن شاء إلى غيره كما كان له ذلك حين وقف، وإذا صار هو الأولى كان ورثته بعده هم الأولى به على ما مضى القول، وإنما جعلناه لورثة الموقوف عليه إلى عشر سنين لأن هذه المدة هي المدة التي يتعلق بها حق الموقوف عليه وهو منقطع بعدها إذا كان ذلك شرط الواقف، وهذا يدل على أن ما عرف من شرط الواقف لا يجوز أن يغير الوقف عنه على مذهبه، وهو مما لا أحفظ فيه خلافاً إذاا كان الشرط مما يجوز أن يشترط.
مسألة:
قال القاسم عليه السلام: ولو أن رجلاً جعل أرضه لمقابر المسلمين لم يجز له أن يرجع فيهاا، إلا أن يكون ذلك أكثر من ثلث ما يملكه، فله أأن يمسك الثلثين على نفسه، ثم يمضي الثلث لما جعل له، وهذا على قوله: إن من علق النذر بجميع ماله كان ذلك راجعاً إلى الثلث.
ووجهه ما مضى في كتاب الحد عند ذكر هذه المسألة، والأصح عندي أنه جائز في جميع ماله إذا كان فعله في حصة منه.
مسألة:(92/9)


قال: ويكره تقبيل الوقف أكثر من سنة أو سنتين، أو نحو ذلك.
ووجهه أنه إذا طات مدة ككونه في يد إنسان، وطال تصرفه فيه أشتبه بالملك، ولم يؤمن وقوع الإلتباس فيه، فهذا وجه الكراهة، فإن عمل خلافه، صح مع الكراهة.
مسألة:
قال: وكل من وقف أكثر من ثلث ماله على خلاف ما يقتضيه الميراث صح الوقف، وقسم على المواريث،يعني به الزائد على الثلث، وقد بينا شرحه على الروايتين، وبينا الصحيح عندنا في ذلك فلا غرض في اعادته.
قال: وله أن يقف الثلث وما دونه، على ما بيناه، على ما شاء كيف شاء، وما فعل من ذلك وجب امضاؤه، وهذا هو ما مضى.
قال القاسم عليه السلام: يجوز أن يقف الرجل ماله على نفسه، وولده إذا كان في سبيل من سبل الله عز وجل، نحو أن يقف على نفسه عندنا وعند أبي يوسف.
وقال محمد والشافعي: لا يجوز، ويبطل ذلك الوقف، حكى ابن أبي هريرة ذلك عن الشافعي.
ويدل على ذلك ما روي أن عثمان حين ااشترى بئر رؤمة، فوقفها على الناس اشترط أن يكون دلوه كدلاء المسلمين، وكذلك روي عنه أنه لما وقف استثنى نفقته، ومؤنة عامله، وفيما روي من وقف عمر أرض خيبر: لا جناح على من وليها أن يأحل منها غير متمول.
وروي غير متأثل، ولم ينكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا أحد من الصحابة، فجرى مجرى الإجمع من الصحاابة، فكل ذلكك يدل على أن للواقف أن يستثني ما شاء، فجااز أن يستثني لنفسه وولده ما شاء، وأيضاً هو ضيء له أن يضعه في الغني والفقير فوجب أن يجوز وضعه في نفسه وولده.
دليله لحوم الأضاحي. وذا عندنا وعند محمد لحوم هدي القارن والمتمتع.(92/10)


وقوله: إن كان ذلك في سبيل من سبل الله: معناه ـ أنه إذا كاان في اللفظ ما يدل على القربة، كأن يقول: صدقة أو قربة إلى الله، أو ما يجري مجراه، وهذا دل على أن من مذهبه أنه لا يجوز الوقف على ما يقرب، من مذهبه أنه لا يصح الوقف على ملا يجوز أن يتقرب به، وليس كذلك انفاق المرء على نفسه وولده، لأنه قد يقع موقع القربة.
وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: (الإكتساب من حلال جهااد، وإنفاقك إياه على عيالك وأقاربكس صدقة).
ولا يجوز على هذا الوقف على أبنية القبور وعماارتها، لأن ذلكك مككروه، ولا يجوز لوقف أيضاً على االبيع واالكنائس، وبيوت النار، لأن جميع ذلك من جملة المعاصي.
اختلف في وقف المشاع، فأجازه أبو يوسف، وأبطله محمد، ولا نص فيه لأصحابنا، ولاذي عندي أنه يصح في المشاع، الذي تتأتى فيه القسمة، لأنه ليس فيه إبطال حق الغير.
فإن قيل: ذلك يحط من قيمة نصيب الشريكك.
قيل له: فالجار قد يجعل بيته للمقابر، وللسبل ونحوهما، أو يجلس فيه طحاناً، أو حداداً، وكل ذلك يحط من قيمة دار الجاار، ولا يمنع منه فككذلكك الواقف، فأما في مالا يتأتى فيه القسمة فإنه يصح، وللشريك فيه الخياار في فسخه، لأنه يؤدي إلى اابطال القسمة عليه، وذلك حق له، لأنه إما أن يقال: إنه يجوز أن يقسم فيؤدي إلى أن يجري في الوقف بمعنى البيع وأما أن يقال: أنه لا يجوز أن يقسم فنككون قد أبطلنا حق الشريك.
ألا ترى أن الشفيع يبطل الوقف على المشتري لثبوت حقه، في باب الشفعة، فكذلك يجب أن يكككون حكمك الشريك.
قال أبو يوسف ومحمد: يجوز أن يباع العبد والبقرة، إذا هرما، ولم ينتفع بهما فيما قصدا له، وذلك إذاا وقفا على سبيل التبع لوقف ضيعة، وهو الصحيح عندي، ويجوز بيع كل مالا يجوز الإنتفاع به على الوجه الذي قصد إليه إلا باستهلاك عينه لهذا لم يختلفوا في جواز بيع ثمرة الأموال الموقوفة.(92/11)

96 / 149
ع
En
A+
A-