قيل له: هذا يكون مجازاً، لأن االحر لا يورث على ما بيناه، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم محمول على الحقيقة لا على المجاز، على ا، هذا التأويل ينافي قول الله عز وجل: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ}، وقول حاكياً عن زكريا: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}، وقوله: {يُوصِيْكُمُ اللهُ فِيْ أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَضَّ الأُنْثَيَيْنِ}، فصار ماا تولنا هو الصحيح، وقد اشتهر أن علياً عليه السلام وقف من ماله بينبع، ووادي القرى وغيرهما، ورواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنه تصدق بهاا، وكتب كتاباً فيه، وأشترط فيه لا يباع ولا يوهب، ولا يورث أنا حي أو ميت، إلى آخر ما ذكره.
وروى اابن عمر أن عمر أصصاب أرضاً بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني أصبت أرضاً لم أصب ماالاً قط أحسن منها فكيف تأمرني؟ قال(ص): (إن شئت حبست أصلها لا يباع ولا يوهب)، قال الراوي، وهو أبو عاصم: وأراه قال: ولا يورث، قال: فتصدق بهاا في الفقراء والقرباء، إلى آخر الحديث.
وعن ابن عمر أن عمر استشار رسول الله صلى االله عليه وآله وسلم بمال له ذكر موضعه فقال صلى االله عليه وآله وسلم: (تصدق به يقسم ثمره ويحبس أصله لا يباع ولا يوهب).
وروي أن عثمان ااشترى بئراً ووقفها على جميع المسلمين وجعل دلوه فيها كبعض دلاء المسلمين.
وعن عبد الرحمن بن عوف أنه وقف فصار أنكار الاوقف أنكاراً لأمر مشتهر لا يخفى على من نظر في لاروايات.
فإن قيل: روي عن شريح أنه قال: جاز محمد بمنع الحبس.
قيل له: المراد بذلك حبس الجاهلية من الساائبة والوصلة والحام ونحو ذلك.
فإن قيل: هو على العموم ويدخل ما ذكرتم وما اختلفنا فيه.(92/2)
قيل له: ما قدمناه من االأدلة يخرج ما اختلفنا فيه من عمومه، لأنه لا يجوز أن يرفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحبس، ثم يقول لعمر: (حبس الأصل لا يباع ولا يوهب)، لأن ذلكك يتناقض، فصح ما ذكرناه من التخصيص، وعلى هذا يحمل ما روي عن ابن عباس لا حبس بعد سورة النساء.
فإن قيل: روي أن عبدالله بن زيد الأنصري جعل حاظطااً له صدقة، وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتى أبواه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجعلها لهما ثم ماتا فورثهما.
قيل له: يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل غلتهاا لأبويه، ثم صرفها بعد ذلك إلى الواقف، وذلك مماا يجوز عندنا، إذ ليس في الخبر أنه صلى الله عليه وآله وسلم ملكهما، ولا أنه ملكه بعد أبويه الأصل، وأزال حكم الوقف، ليكون ذلك موافقاً لسائر م ذكرناه.
ويجوز أن يكون معناه أنه جعلها صدقة للفقراء لا على وجه الوقف، بل على جهة التمليك، ثم ورثهما بعد موتهما عبدالله بن زيد كما روي أن رجلاً أعطى أمه حديقة ثم ماتت أمه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (وجبت صدقتك ورجعت إليك حديقتك)، حين عرفه أنه لا وارث لها غيره، ولا خلاف بين المسلمين أن من جعل أرضه مسجداً يصلي فيه لم يجز له الرجوع فيه، وكذلك من جعل أرضه مقابر للمسلمين، وأبو حنيفة قد أجاز الوقف في الوصية فيقاس على ذلك أجمع ما اختلفنا فيه بعلة أنه حبس للملك على وجه القربة، وذلك يبطل قولهم إن الوقف لا يصح لأنه اخراج الشيء عن ملكه لا إلى مالك سواه، وينقضه العتق أيضاً، لأن العتق إخراج العبد من ملك المالك لا إلى مالك سواه.
فإن قيل: في الأوقاف المروية عن الصحابة نحن لا ننكر أنهم قد وقفوا، وأن الوقف جائز، وليس هذا موضع الخلاف، والخلاف في الملك بحاله، وأن الرجوع فيه صحيح متى شاء الواقف، أو ورثته، وامضاء الجميع ذلك باختيار منهم لا يدل على أنهم كانوا لا يستجيزون الرجوع.(92/3)
قيل لهم: قد ثبت أنهم اشترطوا لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعمر: (حبس الأصل)، (لا يباع ولا يوهب)، فثبت أن ذلك هو الواجب، وأن ماا قاله من ذلك حكم، لأنه لا يجوز أن يكون خبراً لجواز أن يقع فيه الكذب، ثم قد علمنا أن عامتهم ماتوا عن ورثة صغار، لا تجوز المسامحة في اضاعة املاكهم، فلما لم تقرر حصصهم، وأمضى الجميع على ما كان علم أن الوقف كان قد استقر، وأنهم لم يملكوه، لأنه لو ملكوه ثم ضيع ملكهم، وهم أطفال كاان الذين فعلوا ذلك قد أثمواا فصح بم بيناه أن تلك الأوقاف أمضيت، لأنهم لم يكونوا يستحلون تغييرها، وتبديلها.
فأما ما عداا العقار، فقد اختلف في وقفه، فلم يجزه أبو يوسف ومحمد، إلا في الخيل تحبس في سبيل الله، فإنهما أجاازاه، وكذلك البقر والعبد يوقف مع الضيعة لمصالحها وعمارتها، فيكون ذلك وقفاً على سبيل التبع، وإن كان لا يصح افراده بالوقف.
ويجوز عند الشافعي الوقف في الرقيق والمااشية، وغيرهما مما يمكن الإنتفاع بها مع بقاء عينها، وهو مذهب أصحابنا.
والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمر: (حبس أصلها وسبل ثمرتها* فأمر بتحبيس ما ينتفع به، وأمر بتسبيل مالا يكون الإنتفاع به إلا في الإستهلاك، فصار ذلك أصلاً لما ذهبنا إليه، فأما الخيل وتحبسيسها فهو مما لا يختلف فيه.
وروي ذلك عن علي عليه السلام، وعن ابن عباس، ولا نحفظ فيه خلافاً عن أحد من السلف.
ويدل على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الخيل ثلاثة لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى آخر وزر، فأما الذي له أجر فالذي يحمل عليها في سبيل الله)، وعمومة يقتضي جواز حبسها، للحمل عليهاا في سبيل الله، وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (أما خالد فقد حبس ادراعه وأفراسه في سبيل الله)، فصح الوقف في الدرع والفرس.(92/4)
وأما وقف المصاحف والكتب فقد اشتهر بين المسلمين لا يتناكرونه، ولا يردون شيئاً منها على الأطفال من ورثة الواقف، فصار ذلك اجماعاً منهم، فثبت بهذه الجملة صحة ما قلناه.
فأما جوازه غير مؤبد فسيجي القول فيه.
مسألة:
قال: فكل من وقف شيئاً من ذلك وقفاً مطلقاً لم يجز له أن يرجع فيه، ولا أن يبيعه، ولا أن يهبه سواء أخرجه من يده، أو لم يخرجه.
قد مضى الكلام في أنه لا يصح الرجوع فيه، ولا البيع، ولا الهبة، فلا معنى لاعادته، وذهب أبو يوسف والشافعي إلى أن الوقف يصح، وإن لم يخرجه الواقف من يده، وهو قول يحي بن الحسين عليه السلام، وقال محمد: لا يصح إلا أن يخرجه من يده، وهو مذهب الإمامية.
ويدل على صحة ما ذه بنا إليه أن الواقفين من الصحابة كعلي عليه السلام، وعمر وغيره كانوا يلون صدقات أأنفسهم، ولم يرو أنهم أخرجوها من أيديهم، فصار ذلك اجماعاً منهم، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قال لعمر: (حبس أصلها وسبل ثمرها)، ولم يأمره بإخراجها من يده.
وأيضاً الوقاف يخرج ملكه لا إلى مالك، فيجب أن يتم بمجرد القول.
دليله العتق، ويدل على أنه لا معنىى لخروجه من يده، أنه لو أخرجه إلى غيره كان ذلك الغير وكيلاً في القبض ألا تعرى ان يقبضه بإذنه، وأمره لا لنفسه، ولا بأمر غيره، ويد الوكيل يد الموكل، فكأنه لم يخرجه من يدده، وإن أخرجه من يده فبان أنه لا فائدة.
فإن قيل: يقبضه الموقوف عليه لنفسه.
قيل له: قد يكون في الوقت ما هو وقف على المساجد والقناطر، وعلى مساكين لا بأعيانهم، فكيف يصح ذلك، ولم يفرق أحد من المسلمين في هذا الباب بين شيء من هذه الأوقاف، ولا يصح رد من خالفنا في ذلك إلى صجقة الأعيان، لأنا نصححها أيضاً بغير القبض.
مسألة:(92/5)
قال: ولا فصل في جميع ذلك بين أأن يقول: حبست، وبين أن يقول: وقفت، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمر: (حبس الأصل)، فأمره بالتحبيس، فمن قال: حبست، فقد امتثل لفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن يجب أن يكون معه من اللفظ ما يدل على القربة، ألا ترى أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: وسبل الثمر، وقال أيضاً: (فأما خاالد فقد حبس ادراعه وأفراسه في سبيل الله)، فلم يخل من لفظ يدل على القربة في الخبرين، وقد نبه القاسم عليه السلام فيما حكيناه عنه في آخر الباب.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً وقف ماله على أولاده جاز الوقف، وكان وقفاً على ورثة أولاده بعدهم.
اختلفوا في الوقف إذا لم يذكر لمصرفه أمراً يتأبد فأبطله محمد، وأجازه أبو يوسف، وهو قول يحي بن الحسين عليه السلام.
فأما الشافعي فاختلفت أقواله فيه، ثم اختلف المجيزون له في المصرف على ما سنبينه من بعد.
والأصل في جواز ذلك أن الوقف يستقر ويصير وقفاً بقوله:: حبست لله، أو وقفت لله، وإن لم يذكر المصرف فإذا ذكر المصرف فأولى ان يستقر وإن لم يذكره يتأبد.
الدليل على هذا حديث ابن عمر أن عمر أصاب أرضاً بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعرفه، فقال له: إن شئت حبست أصلها لا يباع ولا يوهب، ولم يذكر له المصرف فلولا أن الوقف يصح من دون ذكر المصرف لعرفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وم يقتصر به عى قوله: (إن شئت حبست أصلها)، وكذا الحديث الآخر الذي قال له فيه: (تصدق به تقسم ثمره، وتحبس أصله لا يباع ولا يوهب)، فيه وجهان من الدلالة.
أحدهما: أنه قال: (تصدق به)، ولم يقل على من، فلولا أنه يصير وقفاً بقوله: تصدقت به لم يقتصر عليه، حتى يقول: على كذا وكذا.(92/6)