قال: ويجوز العمرى والرقبى في الضيعة والنخلة والشاة والجمل وغير ذلك، مبهماً ومقيداً، وذلك أن المبهم من ذلك يكون هبة، وهبة هذه الأشياء تصح بمعنى المنافع، وذلك أيضاً يصح.
باب القول في السكنى
ولو أن رجلاً دفع عرصة إلى رجل ليبني فيهاا، ويسككنا إلى وقت معلوم، فبناها وسكنها إلى ذلك الوقت ثم طالبه الداافع بتفريغ العرصة حكم له عليه بنقض بنائه، وتفريغ العرصة.
وذلك لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (العارية مؤدااة)، وقوله: (على اليد ما أخذت حتى ترد)، وصاحب الأرض معير فوجب أن يكون له الرجوع في العارية، كما يرجع في سائر العوااري، لأنه بعد المدة بمنزلة الغاصب، وبمنزلة من وضع شيئاً في أرض غيره فيؤمر برفعه، وتفريغ ملك الغرير.
قال: وإن كان دفع العرصة إليه سكنى، ولم يؤقت له وقتاً فبناها المدفوع إليه فطالبه الدافع بالعرصة، قضي له على المدفوع إليه بذلك، وقضي عليه بقيمة بنائه إن أحب المدفوع إليه.
إعلم أن من دفع عرصة للسكنى، وأذن له في البناء فيهاا فإنه لا يخلو من ان يأذن له في البناء مؤقتاً أو غير مؤقت، ولصاحب العرصة على الوجهين االمطاالبة بتفريغ العرصة، وتسلمها إليه، فإن طالب بتفريغ المؤقت قبل انقضاء المدة، فإنه يغرم قيمة بنائه إن شاء صاحب البناء، وإن طالب بعد انقضاء المدة فلا غرامة عليه، ويأخذ بتفريغ عرصته، وقلع ما عليها، وإن طالب بتفريغ االعرصة، وقد أذن له في البناء مطلقاً غير مؤقت، فإن صاحب العرصة يغرم قيمة البناء إن شاء الباني.
قاال أبو حنيفة: لا يغرم البناء إلا على وجه واحد، وهو أن يأذن له في البنااء إلى وقت معلوم ثم يطالبه برفع البناء قبل ذلك الوقت، ولا يغرم في الوجهين االآخرين.
وعن الشافعي أنه يغرم في الوجوه الثلاثة، إلا أن يكون اشترط عليه القطع والرفع في المؤقت عند انقضاء الوقت.(91/5)
وحكي مثل قولنا عن المزني أن يضمن في الوجهين من الثلاثة، حصل الوفاق بين الجميع في ضمان وجه واحد، وهو إذا أعارها مؤقتاً ثم طالب برفع البناء قبل مضي الوقت.
ووجهه أنه غرم في البناء والغرسس، وفي تبقيتهما إلى المدة المضروبة، فلما طالبه برفعها وجب أن يغرم ماا لزمه من الضرر لغروره إذا طالب بذلك قبل انقضاء المدة كا يضمن البائع عند الإستحقاق ما دخل بغروره.
وأايضاً لم يكن الباني من حين بنى إلى حين طلبه بالنقض متعدياً فوجب أن يضمن ما غرم فيه، كمككا نقول في المشتري إذا بنى ولا شفيع يطالبه أن الشفيع إذا قام غرم قيمة بنائه، فإذا ثبت ذلكك لزم ذلك من أعار سكنى مطلقة خلافاً لما ذهب إليه أبو حنيفة من أنه لا يغرم، وذلك أن الإطلاق يقتضي التأبيد بظااهره فيكون الدوام حكمه مع الإطلاق حكمك المدة االمضروبة مع التوقيت.(91/6)
ألا ترى ان من حلف ألا يكلم زيداً شهرااً يلزمه الحنث مع كلامه في الشهر، كما أن من حلف أن لا يكلمه، وأطلق يلزمه االحنث متى كلمه، وإذا ثبت ذلك كان المعير إذا أطلق له البناء غير مؤقت كاان قد غره في البنااءس، وفي بتقيته على الدوام أبدا فمتى طلبه برفع البناء لزمه أن يغرم قيمة بنائه قياساً على المسألة الأولى واستلالاً عليها، كما استدللنا على المسألة الأولى، فإذا طالبه برفع البناء عند انقضاء المدة في الإعارة المؤقتة فإنه لا يضمن قيمة البناء خلافاً لما ذهب إليه الشافعي، لأنه لم يغره حين عرفه الوقت التي تنقضي فيه العارية، ولأنه بعد ذلك يكون متعدياً، وإن لم يطالب صاحب العرصة بالتفريغ، لأن الأذن له وقع إلى غاية معلومة، فليس له أن يسكنها بعد ذلك إلا بإذن ثان، فسبيله سبيل الغاصب في أنه لا يغرم له المغصوب منه قيمة بنائه، وأيضاً حككي عن الشاافعي أنه لا يضمن إن كان شرط له الدفع بعد المدة، وهذا يمككننا أن نقيس عليه ما اختلفنا فيه باانقضاء مدة الأذن، على أن ذلك الشرط لا يفيد أمراً، لأن الأذن له حصل إلى مدة، فبعد المدةيعود الأمر فيه إلى الخطر الذي كان من قبل، وإنما يكون الشرط مؤكداً، لا أنه يفيد أمراً لم يكن في ذلك، كقوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ}، فوقعت الإباحة إلى هذا الوقت، فكاكن ما بعده عائداً إلى الحظر الأول، وقوله عز وجل: {ثُمَّ اتَمِّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}، هو للتأكيد، وعلى هذا: {لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَى يَطْهُرْنَ}، لو خلينا وظاهره قلنا:: إنها تحل عند انقضاء الحيض، لكن دل الدليل على أنه لا بد من التطهر بعد ذلك.
قال: وككذا القول إن أعاره جداراً ليبني عليه مؤقتاً وغير مؤقت.
ووجهه ما ضى في إعارة العرصة فلا غرض في إعادته.
مسألة:(91/7)
قال: ولو أنه لما دفع إليه العرصة شرط أن لا يبرح منها هو وعقبه لم يجز له أن يخرجهم منا، إلا بحدث يحدثونه في الإسلام، فإن أحدثوا وأراد الدافع أو ورثته أخراجهم غرم لهم قيمة بنائهم.
قوله: لم يجز أن يخرجهم محمول على الكراهة لأنه لا خلاف في الوعد، وتغرير للمعار، وعدول عن الوفاء، فأما من طريق الحكم فله ذلك، لأن المرء أولى بملكه من المعار لا خلاف فيه، والكلام في غرامة قيمته هو ماا مضى فلا معنى لإعاته.
مسألة:
قال: ولو أن لم دفع العرصة قال له: اابنها لك سكنى إلى أن تموت فبناها وسكنها، ثم مات الدافع لم يكن لورثته إخراجه منها ما دام حياً، وإذا مات قضي على ورثة المدفوع إليه لورثة الدافع بتفريغ العرصة، وهذا كالأول المنع لورثة الدافع من اخراجه على سبيل الكراهة بيناه، وذلك أن الوارث يقوم الموروث فيما له وعليه فيستحب لهم ااتمام ما بذله من موروثهم فإذا ماات ارتفع الكراهة، لأن مدة الإعارة قد استوفيت، وهذا فيماا زاد على الثلث، فأماا مقدار الثلث فهو كالوصية له، وليس للورثة أن يمنعوه.
مسألة:
قال: وإن قال له: ابنها وسكنها بالبناء، فبناه ولم يسكنها وماات قضى على ورثة المدفوع إليه بنقض البناء، وكان النقض لهم، وإن كان بنااها وسكنهاا قليلاً أو كثيراً ثم مات كان البناء لصاحب العرصة إن كان حياً، ولورثته إن كان ميتاً، وإن كان الدافع لم يشترط لبنااء كان النقض لورثة المدفوع إليه إذا طولبوا بتفريغ العرصة.
قد مضى االكلام في وجوب تفريغ العرصة، فإذا كان قال للباني اسكن بالبناء فهو عمل استحق عليه أجرة المثل، لأنه يجري مجرى الإجاارة الفاسدة.
وقوله: البناء لصاحب العرص بما سكن الباني متأول على أنه سلمه عن أجرة المثل إن كانت الأجرة بلغته على سبيل الصلح، ليكون ذلك على ما وقع العقد به، وإلا فلا وجه له سواه.(91/8)
باب القول في الوقف
يجوز للرجل أن يقف ضيعته وداره وما يمكله من الحيوانات وغير ذلك القريب والبعيد مؤبداً وغير مؤبد.
معنى قولنا: مؤبداً وغير مؤبد، هو أن الوقف يصح سواء ذكر لمصرفه وجهاً يتأبد، أولم يذكر، وذكر وجهاً ينقطع، فإن كان ذكر لمصرفه وجهاً يتأبد، فلا خلاف في صحته بين القائلين بصحة الوقف، وإن لم يذكر صح الوقف على ما نبينه، ونبين الكلام في مصرفه.
ومن أصحابنا من ظن أن الشيء يكون وقفااً مدة ثم يرجع إلى المالك ملكاً له، وهذا فغلط، لأن الوقف إذا استقر لم يرجع ملكاً بتة لما نبينه.
وذهب العلماء بأجمعهم إلى صحة الاوقف غير [ي حنيفة فإنه يذهب إلى أنه لا يصح، وأن للواقف الرجوع إن شاء، ولورثته بعده إن شاؤا.
والأصل فيه ما ثبت من الروايات المتظاهرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقف.
ويدل على ذلك ما روي عنه: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة)، فبين أن شريعته وشريعة من مضى من الأنبياء أن الإرث لا يتناول ما تركوه على وجه الصدقة، فدل ذلك على صحة الوقف.
فإن قيل: ما تنكرون أن يكون المراد به لا نورث بتة؟
قيل له: ما ذكرناه هو حقيقة اللفظ، لأن الإنسان الحر لا يورث، وإنما يورث ما تركه، فنفي الإرث عن المتروك على وجه الصدقة، لأن ذلك لو لم يكن كذلك لكان الكلام يتم عند قوله: (لا نورث ما تركناه)، وكن يبقى قوله: (صدقة)، منفرداً لا يتعلق به ما قبله، وذلك أخراج له من الفائدة فصح ما قلناه.
فإن قيل: ما تنكرون على من قال: إن الكلام تم عند قوله: (لا نورث)، وما بعده ابتداء وخبره.(92/1)