قال: وكل من وهب شيئاً فلم يقبله االموهوب له أنت الهبة فاسدة، وجاز للواهب الرجوع فيه، وككذلك الصدقة.
قد بينا فيما سلف ان عقد الهبة يفتقر إلى الإيجاب والقبول كالبيع، ودللنا على صحته بما لا فائدة في إعادته، فكذلك الصدقة، ولا يمتنع أن يككون القبض يجري مجرى القبول خصوصاً في الصدقة، فإن العرف بين المسلمين جار بذلك، والتعالم به دائم.
قال: وما تصدق به على الصغير انتظر بلوغه، فإن قبل بعد البلوغ جاز، وإن لم يقبله لم يكن له، وهذا يجب أن يكون المراد به إذا قبل عنه من ليس بولي، لأنه إذا لم يككن قابل أأصلاً لم تقف الهبة أصلاً، لأن العقد لا يقف كما نقول ذلك في البيع والنكاح، فإذا قبله انعقدت ووقفت، وتكون باقية على ملكك الواهب إلى أن يبلغ الصغير فيجوز االقبول هذا معنى قوله: يقبله أو يفسخه فتبطل الهبة، فإن قبل وليه جاز قبوله عليه، وذلك مكا يجوز قبول سائر العقود كالبيع والإجارة.
مسألة:
قال: ومن وهب شيئاً لا يجوز للواهب الرجوع فيه، ثم مات الموهوب له ككان لورثته، ولم يرجع الواهب ولا ورثته على ورثة الموهوب له، هذا لا خلاف فيه، لأن ملك الموهوب له قد استقر فجرى مجرى سائر أملاكه، قال: وككذلك إن مات قبل أن يقبض ما وهب له لم يرجع االوااهب فيه، وذلك أنا قد بينا أن القبض ليس بشرط لاستقرار الهبة بما كفى فهو جار في هذا الباب مجرى البيع.
قال: ومن تصدق بصدقة لم يجز له الرجوع فيها سوى تصدق بها على صغير أو كبير، قريب أو بعيد، وهذا قد مضى القول فيه، ولا يحتاج إلى إعادته.
تم والله أعلم بالصواب.(90/15)
باب القول في العمرى والرقبى
العمرى والرقبى يجريان مجرى االهبة إن لم يقيدا بوقت، فإذا قال رجل لرجل قد أأعمرتكك جاريتي هذه، أو دااري هذه او غيرهماا ككان ذلك بمنزلة االهبة.
قول أأبي حنيفة: إن العمرى بمنزلة الهبة، وإن الرقبى بالطلة، وقد قاال: إنها عارية، ولعل المرجع بالعبارتين واحد.
وحكي عن أبي يوسف أن الرجل إذا قال لك: داري هذا رقبى أنها هبة، ويبطل قوله: رقبى.
والشافعي اختلف في قوله، فحككي عنه انه قال في القديم:: إنه يكون حياته له، ثم يرجع إلى المعمر، وحكي ذلك عن مالك.
وحككي أيضاً عن الشافعي في الجديد أن ذلك عطية صحيحة، وذكر أيضاً أن الرقبى صحيحة، وهي أن يقول: هي لك، فإن مت قبلي رجعت إليَّ، وإن مت قبلك كانت لك، فالشرط باطل، والعطية صحيحة.
وهذا قريب من قول أبي يوسف.
وتحصيل مذهب يحي عليه السلام أن العمرى والرقبى بمنزلة واحدة، إذا اطلقنا ولم تقيدا بوقت ككانتا بمنزلة الهبة الصحيحة، وإذا قيدتا لوقت كانتا بمنزلة العارية، ودل كلام االناصر على أنه يجعل العمرى المطلقة رااجعة إلى من ااعتمرها، وأن ذكر العقب كانت بعد المعمر لورثته.
وأعلم أن العمرى في اللغة مشتقة من العمر، ويجوز أن يككون عمر المعمر نفسه ككأنه عبر عن البقاء بالعمر، كأنه قال: هذه الدار أو الجارية ل ما بقيت.(91/1)
ولفظة الرقبى يجوز أن تكون مشتقة من الترقب، ككأن كل واحد منهما يترقب موت صاحبه، ويجوز أن تكون مشتقة من الرقبة، كأنه يقول: قد جعلت رقته لك، فلما احتمتا هذه الوجوه لم نحملها على اللغة، ورجعنا إلى قضية الشرع فيهما، وقلنا بموجبه من أنهما يقتضيان الهبة، إلا أن الهبة تنصرف تارة إلى الأعيان، وتارة تنصرف إلى المنافع والعين تكون كالعارية، فكان الأصل فيهما الحديث المشهور رواه الطحاوي في شرح الآثار وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا تعمروا ولا ترقبوا فمن أعمر شيئاً أو أرقبه فهو للوارث إذا مات)، فلم يفصل بين العمرى والرقبى، فأجراهما مجرى واحدااً، وهو نفس قول يحي بن الحسين خلاف ما ذهب إليه أبو حنيفة من التفرقة بينهما، وهذا الحديث رواه ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ودل هذا الخبر على أنهما إذا أطلقتا كانتا هبة باتة.
وروى الطحاوي عن أبي سلمة عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي يعطاها، لأنه أعطى عطاء أوقعت فيه المواريث)، فدل تعليله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه أعطى عطاءً أوقعت فيه المواريث، على أنها قد تككون على غير هذا الوجه، فصح بذلك ما ذهبنا إليه من أنها إذا اطلقت ككانت هبة، وإذا قيدت بوقت كانت عارية لأنهما لو ككانتا هبة على كل وجه وقعتا لم يكن لتعليله معنى، إذ كان يكون وجود العلة وعدمها سواء، ثم سائر الأخبار الوارجة في العمرى وردت ملقة، منها: حديث زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل العمرى ميراثاً، وهذا هو ما نذهب إليه إذا كانت مطلقة.
وعن أبي سلمة عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( العمرى جائزة لمن وهبت له).(91/2)
فإن قيل: روي عن جاابر بن عبدالله: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى في امرأة من الأنصار أعطاها ابنها حديقة نخل فماتت، فقال ابنها: أعطيتها حياتها فقال: هي لهاا حياتها وموتها، قال: فإني كنت تصدقت بها عليها، فقال ابنها:: اعطيتهاا حياتها فقال: فذاك أبعد لَكَ)، فأبطل صلى الله عليه وآله وسلم الشرط.
قيل له: يجوز أن يكون أبطل الشرط، لأن الإبن حاول إثباته بمجرد الدعوى، وكان الظاهر أنه أعطى عطاء مطلقاً، ليككون ذلك موافقاً لقوله المشهور صلى الله عليه وآله وسلم: (المسلمون المؤمنون عند شروطهم)، على إنا لا نمنع ان تكون الهبة إذا لم تكن بلفظ العمرى لم يثبت شرط التوقيت فيها.
على أن من قول أبي حنيفة أن الرجل إذا قال داري لك عمرى عارية أو سكنى اكن ذل عارية فنقيس عليه قوله: لك عمرى لوقت ككذاا، والعلة انه لم يتمم العمرى بل عدل بها إلى صفة الهبة قال: ويكره إن كانت العمرى جارية، أو الرقبى أن يطأها المعمر أو المرقب حتى تثبت، ويتيقن أن ذلك غير مؤقت، وذلك لما بينا أنهما مع التوقيت يككونان عارية، فيكره الإقدام على الوطء مع الشبهة حتى يحصل اليقين.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً أعمر رجلاً جارية عمرى مطلقة، ثم ادعى أنه أعمرها إلى وقت وجبت عليه البينة واليمين على المعمر، وذلك أن الظاهر فيها الإطلاق والإبهام، فإن ادعى المعمر وقتاً لم يظهر فعليه البينة، وعلى المنكر اليمين.
قال: وإذا ثبتت العمرى وككانت جارية لم يكره حينئذ وطؤها، وذلك كأنه قد استقر ملكه لها حككماً.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً قال لرجل: قد أعمرتك جاريتي هذه عمرى، أو عمرك كانت العمرى على ما شرطت، لأنها عمرى مؤقتة، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (المسلمون عند شروطهم).(91/3)
قال: وإن كانت العمرى جارية لم يحل للمعمر له أن يطأها لأن الهبة ليست صحيحة، وذلك لما بينا من أن العمرى المؤقتة عارية، فإن الجارية المعارة لا يحل وطؤها لا خلاف فيه بين المسلمين.
قال: فإن وطئها عالماً بالتحريم لزمه الحد، وإن كان أولدها كان الولد مملوكاً لسيد الجارية، وذلك أن الوطء إذا كان حراماً عنده، وعلم أنه كذلك كان ذلك زنى، إذا لم يعرض هناك شبهة، ولا يجعل الإختلاف فيه شبهة إذ لا يعتبر ذلك أحد، فإن كلا أوجب حداً ما على أمر فيه خلاف فصح بالإجماع أن وقوع الخلاف لا يوجب أن يكون الشيء شبهة إذا كان عند الفاعل أنه حرام، ولم يكن هو ممن اشتبه عليه ذلك فصار الفعل زنى محضاً، وسنزيد شرح هذا في كتاب الحدود.
وقلنا: إن الولد يكون مملوكاً لسيد الجارية، لأن النسب إذا لم يثبت لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (وللعاهر الحجر)، كان عن زنى فوجب أن يكون مملوكاً في حكم أمه.
قال: وإن وطئها لشبهة العمرى غير عالم باالتحريم سقط عنه الحد، ولزمه قيمة ولده لسيد الأمة إن كان أولدها، ويلزمه عقرها تخريجاً، لأن الوطء إذا وقع عن شبهة الملك لم يجب الحد، ووجب أن يثبت النسب، ويلزم العقر كما يكون ذلك في الوطء الواقع عن شبهة عقد النكاح لا خلاف فيه، وألزمناه قيمة الولد، لأنه في حكمك المملوك لسيد الأمة، لأن الولد في باب الحرية والرق يكون في حكم الأم، مالم يعرض أمر بغير ذلك، والنسب ثابت، وهو مع ذلك حر لكن لا يسقط حق سيد الأمة فوجب أن يلزمه قيمة الولد كما قلناه في ولد المغرور لا خلاف فيه.
مسألة:
قال: وإذا أعمر رجلا رجلاً جارية عمرى مبهمة صحيحة ومات المعمر قبل أن يطأها كان لولده من بعده أن يطأها، وذلك لأن الملك لا حرمة له مالم يقع معه الوطء كعقد النكاح يكون له حرمة، وإن لم يقع الوطء فلذلك أبحناها للولد، وهذا مما لا خلاف فيه.(91/4)