والأصل في هذا حديث النعمان، لأن الأخبار دلت على أنه قد كان وهب فأمره صلى الله عليه وآله وسلم بالرجوع فيها، وردها بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: فارتجعه، وبقوله: فاردده ودل بقوله: (أشهد غيري)، على أن أمره بالرجوع على سبيل الندب، وأن الهبة قد كانت ثابتة، وأن الرجوع فيها يصح، وذلك أنهم قد أجمعوا على أن الرجوع في الصدقة لا يجوز ولا أحفظ في ذلك خلافاً، والصدقة منها تطوع، ومنا واجب، والتطوع هو ما يتقرب به إلى الله عز وجل، ويوصل به الرحم من غير وجوب ذلك، وهذا القبيل من الصدقة يحل للغني ولبني هاشم، والهبة للأولاد من هذه الجملة، فلما ثبت تحريم الرجوع في الصدقة، وإن كانت متطوعاً بها قلنا به عموماً، وخصصنا الصغير برجوع الوالد عليه لحديث النعما، وعلى هذا يحمل ما روي: (لا يحل للواهب أن يرجع فيما وهب إلا الوالد فيما وهب لبنه)، ويحتمل أن يكون الوجه في ذلك ما عرف من شفقة الآباء خصوصاً على أصاغر الأبناء، وأنهم لا يتصرفون عليهم مما يضرهم في مجرى العادات إلا فيما لا بد منه، فخصوا ذلك بهذه الأحوال، ولما لهم من الولاية الثابتة عليهم التي هي أقوى الولايات، وما بينا من الهبة لذوي الأرحام في معنى الصدقة دليل على انه لا يجوز الرجوع فيما وهب لهم، ويدل على أن كل عطاء يتقرب به إلى الله تعالى يكون صدقة ما حكى الله عن أولاد يعقوب: {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا}، ولم يكونوا فقراء، وإنما اعطى على سبيل التقرب إلى الله عز وجل، وروي أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله أعطيت أمي حديقة وماتت، ولا وارث لها غيري، فقال: (وجبت صدقتك ورجعت إليك حديقتك).
مسألة:(90/10)
قال: فإن وهب لغير ما ذكرنا كان له أن يرجع ما دام قائماً بعينه، وحين يعلم باستهلاكه، فإن لم يرجع حين يعلم باستهلاكه فليس له ان يرجع بعد ذلك، والأصل في جواز الرجوع في الهبة تشبيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الراجع في هبته بالكلب يقي ثم يرجع فيه، وذلك أنه شبه الرجوع في الهبة بامر مستقبح مستكره وليس بحرام على فاعله، لأن عود الكلب فيه مستقبح، وليس بحرام على الكلب فعلم أن الرجوع في الهبة مستقبح، وليس بحرام على الراجع.
فإن قيل: روي ذلك بغير ذكر الكلب الراجع في هبته كالعائد في قيئه.
قيل له: أكثر الأخبار واردة بذكر الكلب، ولعل بعض لرواة حذف ذكر الكلب اختصاراً على أن الزيادت في الأخباار مقبولة، ومن حكمها أن تضااف إلى غيرها مما ليس فيها تلك الازيادة حتى تكون كالخبر الواحد، والمعنى معنى واحد في مثل هذه المواضع ليصح ألا تشبيه، ولا يشبه الحراام بالحلال، ولا الحلال بالحرام، لأن ذلك يتدافع.
وروى الجصاص حديثاً عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (مثل الذي يسترد ما وهب كمثل الكلب يقي فيأكل قيأه فإذا استرد الوهب فليوقف وليعرف بما استرد ثم ليدفع إليه ما وهب)، فدل هذا على صريح ما نذهب إليه، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم بين أن الرجوع في الهبة مستبح مكروه، وأن الرجوع مع ذلك صحيح يجب أن يمضى إذا طلبه الواهب.
وروي عن علي عليه السلام أنه قال: الواهب أولى بهبته مالم يثبت منها.
وروي نحوه عن عمر، وعن فضالة بن عبيد الأنصاري، رواه عنه الطحاوي أنه استقبح الرجوع، وأثبته في حديث ذكره، وهو قول زيد بن علي عليها السلام قاال زيد: (من وهب هبة فله أن يرجع فيها مالم يكافأ عليها وكل هبة لله أو صدقة لله فليس لصاحبها أن يرجع فيها)، قال زيد: (من الهبة لله عز وجل الهبة للأقارب المحارم).(90/11)
على أنا لو سلمنا أن الرجوع حرام لتشبيهه صلى الله عليه وآله وسلم بالقي كان لايمنع ذلك صحة الرجوع، لأن العائد في قيئه قد صح رجوعه في القيء، وعود القيء إليه، ولا يمتنع أن يكون الفعل حراماً، فإذا وقع موقع الصحيح كالبيع عود أذان الجمعة، والطلاق في الحيض.
ووجه قولنا: إنه يرجع فيها ما دام الشيء قائماً بعينه وحين يعلم باستهلاكه فإن علم باستهلاكه ولم يرجع بطل الرجوع بعد بذلك، لأنه يريد نقل ملك غيره إليه بحق له،، وهو كونه واهباً لذلك الشيء كما أن الشفيع يريد نقل ملك االمشتري إليه بحق له وهو الشركة أو الجاورة، فكما أنه لا بد للشفيع من أمر يضيق عليه الطلب حتى تفوت إن لم يطلب عند ذلك الأمر وهو عمله بحصول البع كذلك الوااهب لا بد من أمر يضيق عليه الاطلب حتى يفوت أن له يطلب عند ذلك الأمر للعلة التي ذكرناها، وهي أنه يريد نقل ملك الغير إلى نفسه بحق هو له، وليس هنا أمر يضيق عليه الطلب إلا العلم بالإستهلاك، فوجب أن يكون هو قياساً على الشفيع.
فإن قيل:: الشفيع لا يمكنه الطلب قبل العلم بالبيع، والواهب أمكنه الرجوع قبل العلم بالإستهلاك.
قيل له: هب أن هذا الفرق صحيح فما فيه ما يمنع قياسنا على أن الشفيع أمكنه الطلب أيضاً بخبر لا يغلب في ظنه أنه صدق، أو بأمارة تظهر من دون خبر يقع عليه، ومع هذا لا يضيق عليه الطلب حتى يحصل العلم بالبيع، أو ما يجري مجراه من الظن فكذلك ما ذهبنا إليه، وعند أبي حنيفة حتى يخبر الشفيع عدل أو عدلان.
(فصل)
أجمعوا على أن ذوي الأرحام المحارم لهم تخصيص بوجوب الصلة، لأن لهم ضرباً من التخصيص من دون غيرهم، وهو التحريم.(90/12)
وقال يحي في المرأة تهب لزوجها ما أخذته صداقاً منه فليس لها الرجوع فيه إن كانت فعلت ذلكك صلة للرحم، إن كانت بينهما فدل ذلك من مذهبه على أنه لا يقتصر بذلك على ذي الأرحام المحارم، فوجب أن يكون مذهبه مجوازة ذلك إلى الذين يلونهم بدرجة، وهم أولاد الأعمام، وأولاد العمات، وأولاد الأخوال، وأولاد الخالات لأن لهم ضرباً من التخصيص، وليس ذلكك لمن وراءهم، ألا ترى أنا لو اعتبرنا ما ذكرناه في جميع الأقارب من غير تخصيص كان لا ينتهي إلى حد، فإن الناس كلهم أقرباء يلتفون أكثرهم عند سام بن نوح والباقون يلتفون عند نوح ولا شك أنهم يلتفون عند آدم فلا بد من تخصيص ولا تخصيص غير ما ذكرناه.
ووجهه أن الله تعالى خصص هؤلاء ضرباً من التصيص فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ الآتِيْ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ}، إلى قوله: {وَبَنَاتِ خَالاتِكَ}، ثم قال: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِ}، فعم الأزواج وخصصهن، ثم قال ما يجري مجرى االعموم: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً}، فأشار إلى النساء أجمع بشرط الإيمان، فجعل لهؤلاء ضرباً من التخصيص ومن طريق العرف حصل لهم ضربااً من التخصيص في الحنو والشفقة، كما لذوي الأرحام المحاارم بالآيات فأما الزوجات.
فليست زوجيَّتها في باب التواهب بينهما جاارية مجرى الرحم عند يحي عليه السلام، وهي تجري مجرى الرحم عند أبي حنيفة.(90/13)
ووجهه أن ما بينهما من جهة السبب لا من جهة النسب، فأشبه الولاء، والولاء أوكد لقوله صلى الله عليه وآله وسلم الولاء لحمة كلحمة النسب ولأن الولاء لا ينقطع ولا يتبدل، وليست الزوجية ككذلك، فإنها تنقطع وتبدل، وأيضاً قول الله عز وجل: {الَّذِيْنَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ}، وقال: {وَإِيْتَاءِ ذِيْ الْقُرْبَى}، لم يحمل أحد من المفسرين على الزوجين، وكل حملة على ذوي الأرحام، فوجب أن تكون الزوجية في هذا الباب كاولاء في جواز الرجوع في الهبة معها.
قال: فإن وهب على العوض طالب بالعوض، إن كان معلوماً، وإن كان مجهولاً فالهبة فاسدة يرجع فيهاا ما دامت قائمة بعينها، وفي قيمتها بعد استهلاكها، قد ثبت أن الهبة على العوض جارية مجرى البيع، لذلك أوجبناا فيهاا الشفعة، وأن العوض ككالثمن، وكما أن للبائع أن يطالب المشتري بالثمن كان للواهب ن يطالب الموهوب له بالعوض إن كان معلوماً، فإن كان مجهولاً فيجب أن تكون الهبة فاسدة، كفساد البيع بجهالة الثمن، فإذا فسدت الهبة كان للواهب الرجوع فيها إن كانت قائمة، وفي قيمتها إن كانت تالفة، كمكا يجوز للبائع بيعاً فاسداً أن يرجع في المبيع وينقضه إن ككان المبيع قائماً، أو في قيمته إن كان تالفاً.
مسألة:
وككل من وهب ديناً له على رجل لم يجز له الرجوع فيه إلا أن يهبه على عوض مجهول فله الرجوع فيه تخريجاً، وذلك أن الدين في حكم المستهلك لأنه ليس بعين قائمة، وإنماا هو شيء في الذمة فليس له الرجوع فيه، لأن ما صح الرجوع فيه لقيام عينه يبطل الرجوع إذا علم باستهلاككه، ثم لم يطلب في الحال على ما سلف القول فيه، فأولى أن لا يثبت حق الرجوع فيما هو يوم الهبة في حكم المستهلك.
وقلنا: إلا أن يكون على عوض مجهول لأنه يصير في حكم البيع، فكما أن من باع شيئاً في ذمته بثمن مجهول يكون البيع فاسداً، ككذلك من وهب شيئاً في ذمته بعوض مجهول كانت الهبة فااسدة.
مسألة:(90/14)