قال في الأحكام: إذا سرق مسلم من ذمي خمراً بحيث يجوز لهم ان يسكنوه قطعت يده إذا سرق ما يساوي عشرة دراهم في الخمر فأمره بالقطع وتقويمه إياها.
دل على انه يضمن المسلم قيمتها، وكذا يجب أن يقال في الخنزير، إذ لم يفرق بينهما أحد، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وقال الشاافعي: لا يضمن.
قلنا: إنهم عوهدوا على أن تكون أموالهم أموالاً لهم، فلو لم يضمن سارق الخمر كنا قد أخرجنا الخمر عن أن يكون من أموالهم،، وروي عن عمر أنه أمر من يأخذ العشور منهم، ألا يأخذ الخمر منهم، وقال: وتؤهم بيعها، وخذوا اثمانها، وأظن أنه روي عن علي عليه السلام أن رجلاً قتل لنصراني خنزيراً فضمنه قيمته.
مسألة:
قال أيده الله: حكي عن أبي حنيفة أنه من أرسل بهيمة في ملك غيره فإنه يضمن ما أفسده من فوره ويجب أن يكون هذا قولنا تخريجاً، من أرسال الكلب المعلم أن فعله في حال الإرسال يجري مجرى فعله على أن الأظهر على قول أصحابنا إنه يضمن ما أتلفه بعد الغور أيضاً. كما قالوا فيمن ترك الكلب العقور على طريق المسلمين فعقر إنه يكون ضامناً.
مسألة:
قال أيده االله: تنصيصه ي الارهن على أن من ارتهن أرضاً فغصب عليها أنه لا يضمنها للراهن دليل على أنه لا يضمن العقار بالغصب، وبه قال أبو حنيفة.
ووجهه انه لو ضمن لضمن لليد، أو لمنع مالكه، ولا يضمن لمنع مالكه، لأنه لو حبسه لم يضمن املاكه، واليد تقتضي النقل والتحويل، وذلك لا يتأتى في العقار، وليست سبيل اليد في الغصب، سبيل اليد في البيع، لأن التخلية في البيع تسليم، والتخلية والتسليم ليسا بغصب، فلا بد من النقل.(89/16)


كتاب الهبات والصدقات
باب القول فيما يجوز من الهبة ومالا يجوز
كل ما جاز بيعه جازت هبته، ومالم يجز بيعه لم تجز هبته.
الغرض بهذا بيان أن الهبة تتضمن معنى البيع، إلا أنها لا تتضمن بمجردها العوض فكلما جاز بيعه جازت هبته، وإن كان فيما لم يجز بيعه ما يجوز هبته لأمر يرجع إلى العوض كبيع الكلب، وبيع لحوم الأضاحي.
يبين ما قلنا أن البيع يتضمن نقل الملك عن مالكه، إلى غيره باختيارهما أو اختيار من يقوم مقامهما، وهكذا الهبة لأن الملك ينتقل في البيع بالعوض، وينتقل في الهبة بغير عوض، فما جاز أخذ العوض فيه جازت هبته، كما يجوز بيعه، وجاز بيعه مكا تجوز هبته.
مسألة:
قال: ولا يجوز هبة المجهول، وهذا مما لا أعرف فيه خلافاً، لأنه تقرير الملك، ونقله عن مالك قبله إلى مالك سواه، كالبيع فما لم يكن معلوماً بحيث لا يلتبس بغيره لا يصح ذلك فيه، كالإجارات والمناكح، وأموال الشركة والبيوع، وهذا واجب في جميع ما ذكرناه ليصح تناول العقد وتقرير الحق فيه ما أوجب انتقال الملك، ومالم يوجب مماا ذكرناه فكذلك الهبة إذ هي مما يوجب انتقال الملك فكان ما ذكرناه من وجوب كونه معلوماً أوكد.
وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنه قال: (لا تجوز هبة ولا صجقة إلا أن تكون معلومة مقبوضة).
مسألة:
قال: وإذا وهب رجل لرجل شيئاً معلوماً جازت الهبة، وإن لم يقبضه الموهوب له إذا قبله، فإن لم يقبل بطلت الهبة.
وهذا قول القاسم عليه السلام، والمحكي عن مالك، وكذا القول في الصدقة، وحكى أبو الحسن الكرخي، عن ابن أبي ليلى صحة الصدقة، وإن لم تكن مقبوضة، وعند عامة العلماء لا يصحان إلا بالقبض.
ويدل على عدم اشتراط القبض قوله تعالة: (أوفوا بالعقود)، وعقد الهبة إذا جرى من جملة العقود فيجب الوفاء به.
ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (العائد في هبته كالعائد في قيئه)، ولم يشترط القبض، فاستمر ذلك المقبوض عليه وغير المقبوض.(90/1)


وعن علي عليه السلام،: (الرجل أولى بهبته مالم يثب منها)، ولم يشترط القبض، والأخبار الواردة في العموم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعن علي ليس فيها ذكر القبض، فكل ذلك دال على صحة الهبة، وإن لم يجر فيها القبض.
فإن قيل: روي عن البي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (مالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت)، فلم يتمم الصدقة إلا بالإمضاء، وهو الإقباض والتسليم.
قيل له: ليس الإمضاء من الإقباض في شيء، لأن الإمضااء هو أن لا يتعقبه بالفسخ، والإرتجاع، ألا ترى أنه لو وهب وأقبض ثم رجع فاسترد ما وهب صح أن يقال: إنه لم يمض هبته، وإن كان الإقباض قد حصل، وهكذا إن باع وااشترط الخيار، ثم أبطل االخيار ثح أن يقال: أمضى بيعه، وإن لم يكن حصل القبض، فبطل تعلقهم بالخبر.
فإن قيل: روي عن أبي بكر أنه قال لعائشة: إني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقاً، وإنك لم تكوني حزتيه وقبضتيه وإنماا هو ماال الوارث.
قيل له: يجوز أن يكون أراد لم تكوني ملكتيه بالقبول ولا قبضتيه، فعبر عن التمليك بالقبول بالحوز، لأنه لا يمتنع أن يقال لمن ملك الشيء إنه حازه، وإن لم يكن قبضه، يدل على ذلك أن الحوز لو كان المراد به القبض لم يكن لتكرير لفظ القبض معنى، على أن يحي عليه السلام ذكر عن علي أجازته هبة غير مقبوضة.
فإن قيل: روى زيد بن علي، عن علي عليهم السلام: (لا يجوز هبة ولا صدقة حتى تكون معلومة مقبوضة)؟
قيل له: قد أجمعوا على أأن االقبض ليس بصفة للهبة، حتى تبطل ببطلان القبض، كالرهن، فلا بد من تأويل، فنقول: معناه أن تكون معلومة، حتى تكون في حكم المقبوض، كماا قال الله تعالى: {وَالأَرْضُ جَمِيْعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقَيَامَةِ}، أي احاط بها علماً وحكماً، حتى يكون موافقاً لما ذكره عن يحي عليه السلام.
ويدل على ذلك أنه عقد تمليك، فيجب أن يصح من غير قبض دليله البيع، والإجارة والنكاح والخلع، واالوصية.(90/2)


فإن قيل: الوصية لما كانت تبرعاً احتاجت إلى شيء سوى القول، فهكذ الهبة.
قيل له: الوصية صحت بغير القبض، فكذلك الهبة، ومعنى قولهم لا يصح الوصية، أي لا يصح التمليك بها بمجرد القول، على أن الصدقة قد تكون غير تبرع، فأنتم لم تفصلوا بينها وبين ما كاان تبرعاً، في إيجاب االقبض، فبان أن هذه العلة لا معنى لها، فأما القبول فلا خلاف في وجوبه، والعقود لا تتم إلا بالقبول والإجيجاب وابطال أصحابنا الهبة إذا لم تقبل يدل على أنهم يراعون المجلس، لأن المجلس لو لم يراع فيه لم تبطل إلى أن يقع االفسخ.
ووجهه أنه عقد تمليك مفتقر إلى الإيجاب والقبول فوجب أن يراعى في صحته المجلس دليله سائر العقود.
قال: ولا فصل بين أن يكون الموهوب معلوماً بنفسه، أو محدوداً، وهذا يريد به العقار، لأنها يصح بيعها إذا كانت معلومة بعينها، أو بحدودها، وكذلك الهبة، وإنما االغرض صحة تمييزها عما سواها، وذلك يصح، إذا علمت بعينها، أو بحدودها، فأما ما يتأتى فيه النقل فيجب أن يكون معلوماً بعينه، لأنه لا يعرف بذكر الحدود إذ لا حدود له.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً وهب شيئاً لمملوك غيره فقبله المملوك جازت الهبة، وكان الشيء ملكاً لمالك العبد، وإن أبى العبد قبوله بطلت الهبة، ولا معتبر بقبول سيد العبد.
حكى أبو الحسن الكرخي هذا القول مطلقاً، ولم يحك فيه خلافاً، فلا أدري أهو قول جميعهم، أم فيه خلاف.
ووجهه ان الموهوب له هو العبد، وإن أبى العبد قبوله بطلت الهبة فيجب أن يكون الإيجاب والقبول من جهته، وإن كان الملك ينتقل إلى سيده فكذلك الهبة، وهذا كالوكيل، يجب أن يكون الإيجاب والقبول إليه، وإن كان الملك يصير للموكل، والعلة في الجميع أن التصرف للمعقود عليه وإن كان عن غيره.
قال: وكذلك إن أوصى لعبد غيره بوصية فقبلها العبد صحت الوصية، وكان الشيء لمالك العبد، وإن لم يقبلها بطلت، ووجه هذه ما مضى في الأولى.
مسألة:(90/3)


قال في المنخب: ولا يجوز لرجل أن يهب في دفعه واحدة أكثر من ثلث ماله، وهذا خلاف رواية الأحكام، على ما يجيء في الباب الثاني والمعمول عليه هو رداية الأحكام، لأن هذا قول لا أعلم أحداً قال به قبله، ووجه هذا القول قول الله عز وجل: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُوْلَةً إِلَى عُنُقِكَ}، فنهى عز وجل عن الإسراف في الإمساك، وفي الإعطاء فوجب القصد في ذلك، وهو الثلث ليلحق جواز الوصية به، وعن النبي صلى االله عليه وآله وسلم أنه نهى عن الوصية بأكثر من الثلث، وقال: والثلث كثير، ولأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون االناس فنهى عن إخراج ما زاد عن إخراج ما زاد على الثلث لئلا يلحق الورثة ضرر وسوء حال، ولا فصل بين ان يذهب المال في حياة الإنسان أو بعد وفاته فيما يلحق الورثة من الضرر وسوء الحال، وأيضاً قصرت الوصية على الثلث لحق الورثة بدلالة أن من لا وارث له تنفذ وصيته في جميع المال، فيجب أن تكون الهبة كذلك لحق الورثة، وهذا القو يضعف لأن المسلمين أجمعوا على أن المرء أولى بجميع ماله في هذه الرواية أيضاً إجازة هبة جميع ما يملك، ولكن على التدريج، وذلك واحد فيما يلحق الورثة، قال: فإن وهب ثلث ماله، وسلمه إلى الموهوب كان له بعد ذلك أن يهب الثلث مما بقي، وعلى هذا القول يجب أأن يكون القول في الباقي يعد ذلك كالقول فيما مضى حتى لا يبقى شيء من المال فيعود الأمر إلى أن يكون الجميع موهوباً، فبان أن حكم الهبة ليس حكم الوصية.
قال: أيضاً في المنتخب: وإن وهب أكثر من الثلث كان له أن يرجع حتى هلك هو كان لورثته أن يرجعوا فيه إلا أن يكون وهب ماا وهب على الموصي فليس للواهب ولا لورثته على الموهوب له إلا العوض.
ووجه ما ذكر في الرجوع هو ما مضى، فإذا كانت على العوض فيجب أن تصح الهبة، لأن الهبة على العوض كالبيع على ما سيجيء القول فيه.
مسألة:(90/4)

90 / 149
ع
En
A+
A-