قيل له: لو لم يكن الحفر كان، لا يجوز أ، يحصل الوقوع فيه، ومع الحفر لا بد من الوقوع إذا لم يحترز، وليس كذلك غصب الأم وغصب الولد، لأن كل واحد منهما يجونز انفراده عن صاحبه فلم يجز في الغصب أن يكون أحدهما سبباً للأخر، ووجب ذلك في الحفر والوقوع.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً اغتصب شجراً صغاراً فغرسها وسقاها حتى كبرت، كان صاحب الشجر أولى بقطعها وبأخذها، وهذا مما لا خلاف فيه، لأن الغاصب وجد عين ماله ليستهلك، ولم يجري فيه مجرى الإستهلاك، فكان أولى به على ما مضى القول في أمثاله.
مسألة:
قال: ولو أنه اغتصب شيئاً من الحيوان فسمن عنده، وكبر أخذه صاحبه بزيادته، وكذلك إن هزل ونقص أخذه بنقصانه ولم يرجع على المغتصب بشيء أما إذا وجده صاحبه زائداً فلا خلاف في أنه يأخذه، فأما إذا وجده ناقصاً من الهزال فأكثر العلماء فيما حفظت على أنه يأخذه ويأخذ قيمة النقصان.
وذهب يحي عليه السلام على أنه يأخذه بهزاله.
ووجهه أن الهزال لم يكن بجنايته، ولا هو أمر يختص بحكم، وإنما هو تبع للجملة، ولم يكن من الغاصب في القبض على التعدي، فإذا زال ذلك وجب أن يخرج عن ضمانه كما أنه لا خلاف في أنه لو نقص من جهة السعر أخذه صاحبه ولم يرجع على الغاصب بشيء لنقصان السعر فكذلك ما ذهب إليه.
فإن قيل: أرأيت إن عمي أو ذهبت يده، أكان لا يرجع بالنقصان؟
قيل له: هذه أعضاء يصح أن تفرد بالأحكام، ألا ترى أنها في العبد تختص بجزء معلوم من القيمة، فإذا رده على ما ذكرتم لم يرد العين كما كانت، ونقصان الهزال بنقصان السعر أشبه، والمسألة في الجملة فيها ضعف، ولا أحفظ عن غيره أن قال بها.
مسألة:
قال: ولو أنه اغتصب عبداً أو دابة أو حانوتاً فاستغلها قضي للمالك بالمغصوب وغلته، على ما نذهب إليه من إليجاب كراء المثل على الغاصب، وقد مضى الكلام فيه.(89/11)


والذي يقتضيه ما ذهبنا أن الغاصب يدفع إلى المغصوب منه كراء المثل، فإن كانت الغلة مثله لم يلزم شيء آخر، وإن كانت دونه كان على الغاصب يبلغه كراء المثل، وإن كانت فوقه دفع كراء المثل إلى المغصوب منه، ورده الباقي إلى بيت المال، لأن صاحب الشيء قد استحق على الغاصب كراء المثل، فعليه توفيره، وما زاد على ذلك مصروف إلى بيت المال.
لأنه ملكه من جهة محظورة.
قال: وكذلك إن استغل الغاصب من العبد بما علمه من الصناعة كانت الغلة لصاحب العبد، وهذا وجهه وتفصيله ما مضى قبله قال: فإن تلف العبد أخذ صاحبه قيمته لو لم يحسن تلك الصناعة.
ووجهه أ،ه لا يضمن الزيادة في جسمه إذا لم يكن تلفه بجنااية من كما قلنا في ولده، فإذا لم يضمن الولد والزيادة في جسمه مالم يكن التلف بجنايته، فأولى ان لا يضمن زيادة الصنعة، فإن كان هو المستهلك له بفعله فقياس قول يحي بن الحسين انه يضمن جميع ذلك.
مسألة:
قال: وكذلك إن أبق العبد ضمنه غاصبه إلى أن يقبضه صاحبه، ومت قبضه صاحبه على أي وجه قبضه عالماً به، أو غير علام فقد خرج الغاصب من ضمانه لأنه لا يجوز أن يكون عليه ضمان شيء هو في يد مالكه، فإن فر من يد المالك، أو خرج عن يده بالغصب لم يضمن الغاصب الأول إلا بأن يغصبه ثانياً.
كل ذلك يقتضيه ظاهر قول يحي عليه السلام، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، ولا أحفظ خلافه عن غيرهم.
باب القول في استهلاك المغصوب
إذا اغتصب الرجل شيئاً ثم استهلكه لزمته قيمته يوم استهلاكه، إن كان المستهلك حيواناً أو عرضاً أو مثلهما، فإن كان مما يكال، أو يوزن، لزم مثل ما اغتصبه.
إعلم أن الغاصب إن استهلك المغصوب لم يخرج المغصوب عن ثلاثة أحوال: إما أن يكون حاله يوم الإستهلاك كحاله يوم الغصب لم يتغير بزيادة ولا نقصان، فهذا قيمته يوم اغتصب، وقيمته يوم استهلك سواء، وعن أيهماا عبرت صحت العبارة، والمعنى في العبارتين سواء.(89/12)


أو يكون قد زاد جسمه فهذا قيمته يوم استهلكه، لأن الزيادة في جسم المغصوب مضمونة إذا كان تلفه بفعل الغاصب، لا أعرف فيه خلافاً، إلا إختلاف رواية عن أبي حنيفة نفسه.
وأظن أن التضمين أصح الروايتين عندهم، لأنه رواه محمد، عن أبي يوسف عنه، والآخر رواية أصحاب الإملاء، عن أبي يوسف عنه.
ووجهه أنه قد جنى على الزيادة كما جنى على الأصل فيجب أن يضمنها، كما يضمن الأولاد إذا تلفت بجنايته، أو يكون قد نقص جسمه، فالغاصب يضمن قيمته يوم اغتصبه، لأنه ضمن يوم اغتصبه قيمته بشرط أن يعجز عن رد العين لا خلاف فيه، فإذاا استقرت القيمة عليه يوم الغصب لم تنقص القيمة المستقرة عليه لنقصان المغصوب، وليس هذا النقصان كهو مع رد العين، لأنه إذا رد العين لم تلزمه القيمة، لأنها لزمته بشرط العجز عن الرد.
قال يحي بن الحسين عليه السلام: لو نقص لم يجب لنقصانه شيء ما دام حياً قائماً بعينه فجعل ذلك علة سقوط الضمان مع رد العين، فإن تلف المغصوب بغثر جناية ن الغاصب فالجواب واحد، إلا في وجه واحد من هذه الوجوه، وهو إذا تلف زائداً في جسه، فإن هذه الزيادة غير ممضمونة على قياس قول يحي، لأنه علل لسقوط ضمان الأولاد بأنها حدثت في ضمانه، وتلفت لا بجنايته، وهي أيضاً غير مضمونة عند أبي حنيفة، لأن حكم هذه الزيادة حكم الولد، لأنه إذا مات إنما حدث عنده كما حدث الولد فعلى هذا تكون قيمته قيمته يوم إغتصبه.
وما ذكرناه من أن الواجب القيمة في ذوات القيم والمثل في ذوات الأمثال مما لا خلاف فيه، لأنه أقرب إلى الصفة، وإلى ان يكون ذو الحق قد وصل إلى حقه، ولو أن حاملاً حمل قوله: إن القيمة قيمته يوم استهلك على النقصان أيضاً لقوله لا يضمن النقصان إذا كان قائماً بعينه أمكن، لكنه ضعيف، ولأن أصل القول في ذلك أيضاً ضعيف فكرهنا أن يعمل عليه غيره.
مسألة:(89/13)


ولو أنه اغتصب النوى فزرعه فنبت كان ذلك مستهلكاً، ولم يكن لصاحبه إلا مثله، أو قيمته يوم اغتصبه، فإن اغتصبه وأصلحه للعلف ودقه، أخذه صاحبه، ولو أنه ااغتصبه بيضاً فحضنه، فخرجت فراخ لم يكن لصاحبه إلا قيمته.
ما ذهب إليه أصحابنا في النوى المغتصب إذا زرع فنبت، والبيض المغتصب إذا حضن فخرجت فراخ، به قال أ[و حنيفة وأصحابه.
وقال الشافعي صاحبا النوى أولى بما نبت وصاحب البيض أولى بالفراخ، وبه قال الناصر.
والأصل فيما ذهب إليه أصحابنا حديث عااصم بن كليب يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه زار قوماً من الأنصار فذبحوا له شاة وصنعوا له طعاماً، فأخذ من اللحم شيئاً ليأكله فمضغه ساعة لا يسيغه، فقال: فما شأن هذا اللحم؟ فقالوا: شاة لفلان، قال: دعوه حتى يجي، فرضيه من ثمنها، فقال صلى الله علي وآله وسلم: أطعموها الأسرى، فدل ذلك على أن الغاصب للشاة حين ذبحها وصنع منها طعاماً ملكها بالإستهلاك، لولا ذلك لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بردها على مالكها، فلما لم يأمر بذلك، وأمر بأن يطعم الأسرى دل على انقطاع حقه عنها باستهلاك المغتصب لها، فصار ذلك أصلاً لكل عين أبطل الغاصب أكثر منافعها حتى زال عنها اسمها المطلق في أنه يصير ملكاً للغاصب، ويضمن هو للمغتصب منه قيمته، فعلى هذا قلنا في النوى إذا زرع، ونبت أنه صار للزارع، لأنه لما صار إلى هذه الحال زال أكثر منافعة، وكذلك البيض إذا حضنت، وخرجت فراخ ملكها لزوال أكثر منافعها قياساً على الشاة التي ذبحت فصنعت طعاماً، وهذه المسألة ليست تقوى في نفسي، لأنها لا أصل لها إلا هذا الخبر، وهو يحتمل أن يكون صلى الله علي وآله وسلم ضمنهم إياها وأمرهم أن يطعموها الأصرى لغيبة صاحبها إذ في الخبر ما يدل على ذلك فخشي أ، يفسد عليهم، وللحاكم أن يبيع على الغائب ما يخشى فساده، فإذا احتمل ما ذكرناه، واحتمل أن يكون فعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لانقطاع حقه لم يجب صرفه إلى(89/14)


ما صرف دون غيره، مما يحتمله، ثم الأصول تشهد أن صاحب الملك أولى بملكه والظواهر تنطق به، والله أعلم.
فأما إذا اغتصب النوى وأصلحه للعلف، فإن صاحبه يأخذه، لأنه لم يذهب من منافعه إلا الزرع، فلا يمكن أن يقال: إن أكثر منافعه قد زال ولأن اسمه لم يتغير فلم يكن ذلك استهلاكاً ولذلك قال أصحابنا إن صاحبه يأخذه، نص في الأحكاام على أن قيمتهما يوم اغتصبهما.
قال: وكذلك إن اغتصب شعراً أو وقطنا فنسجهما كان ذلك استهلاكاً، ولم يكن لصاحبه إلا قيمته، وهذا ووجهه ماا تقدم من ان أكثر منافعه قد زال بالنسج، وزال اسمه فصار مستهلكاً، ثم لا فصل بني هذا وبين البيض إذا صارت فراخاً، والنوى إذا نبت في يد الغاصب، لأن أحداً لم يفرق بينهما.
مسألة:
قال: وإذا اغتصب عبد مالاً ثم استهلكه لزم سيده، فإن شاء سلم العبد، وإن شاء سلم ما استهلكه، ووجهه أن سيد العبد مخير في جناية العبد إذا لم يكن فيها قصاص بين ان يسلمه بجنايته، وبين أن يلتزم بما وجب عليه بجنايته.
قال: وإن كان المغتصب مدبراً، أو أأم ولد لزم مولاهما قيمة ما استهلكا إن كان دون قيمتهما، أو مثلها، فإن كان أكثر من قيسمتهما لم يلزمه إلا قيمتهما، وذلك أن تسليمهما لا يجوز، لأن التسليم يتضمن معنى البيع، ولا يجوز بيع أم الولد، ولا بيع المدبر، فلزمته جنايتهما إلى قيمتهما.
قال: وإن كان المغتصب مكاتباً لزمه ما استهلكه يسعى فيه مع الكتابة، وذلك أنه في حكم الحر، في أن جنايته لا تتعلق إلا به ألا ترى أنه في البيع والشراء وسائر التصرف له حكم الحر، فكذلك في الجنايات.
قال: وإن كان المغتصب صبياً لزمته قيمة ما استهلكه في ماله، لأن الحقوق المتعلقة بالأموال الصبي فيها كالبالغ، كالنفقات وأروش الجنايات، على النفس، ولذلك أو جبنا عليه الزكاة في ماله.
مسائل في الغصوب ليست من التجريد(89/15)

89 / 149
ع
En
A+
A-