إعلم أن ما مضى من الكلام في المسألة الأولى هو الكلام في هذه المسألة، ونحن نزيده إيضاحاً، فنقول: إن الذبح والقطع ليس بإفساد بل ربما يتعلق الغرض بهما في الأكثر الأعم، فإذا اختار المغصوب منه أخذه فكأنه رضي بالذبح والقطع، فلا وجه لتضمينه للغاصب قيمة النقصان، وأما إذا لم يختر ذلك، فنقول في المسألتين، إنه يسلمها إلى الغاصب، ويأخذ قيمة كل واحد منهما صحيحاً، لأن الغاصب قد أتلف الكثير من منافعهما بالذبح والقطع، والغرض في الغين، هي المنافع، يدل على ذلك أن من غصب عبداً أو فرساً وماتا في يد الغاصب، ضمن القيمة، لفوات عامة منافعا، ولأن المذبوح مع قيمة ما نقصه الذبح، قد لا يسد مسد الحي في المنافع المبتغاة، وكذلك الثوب المقطوع، مع قيمة ما نقصه القطع قد لا يسد مسد الثوب الصحيح، فلا يمتنع أن يكون غرضه قد فات بما حصل فيهما من الذبح والقطع، إذ قد فاتت عظم منافعهما، فوجب أن لا يلزم صاحبهما أحدهما، بل جعلنا له تسليمهماا، إلى الغااصب، وأخذ قيمتهما حياً وصحيحاً، فإن قاسه الشافعي على الشق اليسير في أن صاحب الثوب لا يمكنه أن يدفعه إلى الغاصب، ويضمنه القيمة، وهو صحيح لم يصح ذلك، لأن الشق اليسير لم يفت أكثر منافعه، فإن فات اليسير منها فلم يبطل أكثر الأغراض المتعلقة بالثوب، ألا ترى أن من أخذ عبداً فشجه موضحة أو حيواناً فجرحه لم يكن لصاحبهما إلا ما نقصهما، ولو قتلهما الغاصب كان لصاحبهما القيمة.
فأما ما قال أبو حنيفة من أن الغاصب أن كان خاطيء حين قطعه، يعني الثوب فلا سبيل لصاحبه عليه لفوات أكثر منافعه لا معنى له، وذلك ان الخياطة لم تفت المنافع، إلا ما أفاته القطع، بل زاد، وهو متبرع في الزيادة على ما يجيء القول فيه بعد هذه المسألة.(89/6)


فأما الشق اليسير فقد ذكر في الأحكام فيما أفسده الصانع أن لصاحب المتاع أخذه، وأخذ قيمته، فقط إن كان الفساد أذهب أقل من النصف من قيمته، فإن كان أذهب أكثر من النصف من قيمته فله أن يسلمه إلى الصانع، ويأخذ قيمته صحيحاً فنبه على ان اليسير من الشق لا سبيل فيه لصاحب الثوب، إلا على أخذ قيمة النقصان، وهذا مالا خلاف فيه.
فإن قيل: فأنتم تقولون إذا قطع الغاصب الثوب، أو ذبح الشاة، فأخذهما لا شيء له غيرهما، وقلتم فيما أفسد الصانع أنه يأخذه، ويأخذ قيمة النقصان. فما الفرق بينهما؟
قيل له: الفرق بينهما أن الفساد لا يتعلق به الأغراض في العادة، فإذا رضي بأخذ الثوب الذي أحرقه القصار، أو الباب الذي كسره النجار لم يدل ذلك على رضاه بالحرق والكسر والقطع، والذبح مما يتعلق به الأغراض في الأغم الأكبر، ومجرى العادات، فإذا رضي صاحبهما بأخذهما دل ذلك على رضاه بالقطع والذبح، ولذلك لم يجعل لهما قيمة النقصان على الغاصب القاطع، والذابح، وجعلناهما على المحرق والكاسر.
مسألة:
قال: فإن اغتصب ثوباً فصبغه أو باعه فصبغه المشتري أخذه صاحبه مصبوغاً، ورجع المشتري على الغاصب بقيمة الصبغ إن كان المشتري لم يعلم ذلك، ولم يكن للغاصب أن يغسل الصبغ عن الثوب.
لا خلاف أن صاحب الثوب ياخذه مصبوغاً، لأنه وجد عين ماله المغصوب لم يجري فيه ما جرى الإستهلاك، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس لعرق ظالم حق)، وقوله: (على اليد رد ما أخذت).
وقلنا: يرجع المشتري على الغاصب البائع بقيمة الصبغ لأنه مغرور إذا لم يكن علم أن الثوب مغصوب كما نقول ذلك في ولد المغرور.(89/7)


وأما صاحب الثوب فقد اختلف فيما يلزمه للصبغ فحكى ابن أبي هريرة مثل قولنا: إنه لا شيء للصبغ على صاحب الثوب، عن المزني، وكان يحصل مذهب أبي حنيفة وأصحابه أن الصبغ إن كان نقص الثوب فلصاحب الثوب الخيار بين أن يسلمه ويأخذ قيمته أبيض، وبين أن يأخذه ويضمن للمغاصب قيمة صبغه، وقال الشافعي في الزيادة: يكون الغاصب شريكاً في مقدار الصبغ لصاحب الثوب في الثوب، وفي النقصان للغاصب غسله إن الثوب، على أن يضمن نقصان الثوب.
قلنا: لا شيء للغاصب على صاحب الثوب للصبغ زاد أو نقص، وليس للغاصب أخذه عن الثوب، لأن الغاصب كان متبرعاً بذلك، لأنه لم يصبغه بعوض على عقد ما قلناه ما أجمعوا عليه من أن الغاصب لو غصب عبداً مريضاً هزيلاً فأنفق عليه مثل ثمنه حتى اشتفى وبرأ وسمن لم يرجع بما أنفق على صاحب العبد للعلة التي ذكرناها، فكذلك ما اختلفنا فيه.
فإن قيل: لا خلاف أن من غصب سيفاً فحلاه بالذهب أو الفضة، ثم جاء صاحب السيف أن للغاصب أخذ الذهب والفضة عن السيف، فكذلك الصبغ.
قيل له: لا يشبه هذا ما اختلفنا فيه، لأن الصبغ مستهلك في الثوب، ألا ترى أنه لا يجوز بيعه منفرداً عن الثوب، وليس كذلك الذهب والفضة، لأنهما عينان قائمان لم يجر فيهما الإستهلاك، فكان الصبغ لما رددناه إليه من النفقة أشبه وعند أبي حنيفة لو غصب أرضاً فيها زرع، أو نخل أو شجر فسقى وأنفق عليها حتى انتهى، فإن المغصوب منه يأخذ ذلك أجمع، ولا شيء للغاصب، فكذلك ما اختلفنا فيه.
فإن قيل: لم يكن قصد الغاصب التبرع فيما أنفق في الصبغ؟
قيل له: لا معتبر بالمعقود في هذه الأشياء، ألا ترى أنه لم يقصد التبرع فيما أنفق على العليل والأرض والنخيل، ولكن حصل متبرعاً للوجه الذي بيناه.
قال: فإن نقصه الصبغ كان لصاحبه الخيار بين أخذه، وبين أخذ قيمته أبيض تخريجاً، ووجهه ما مضى فيمن ذبح شاة، أو قطع ثوباً ثم جاء المغصوب منه.
مسألة:(89/8)


قال: ولو اغتصب أديماً فدبغه أخذه صاحبه مذبوغاً، ووجهه ما قدمناه من أنه متبرع بما عمل، وهو أوضح لأنه ليس فيه ما يخيل أنه مال قائم للغاصب، فيكون مثل الإنفاق على العبد العليل، وما أشبه ذلك سواء.
مسألة:
قال: ولو أن مغتصباً زاد في المغصوب ما يمكن أخذه من غير إضرار بالمغصوب، كان للمغتصب أخذه عنه تخريجاً، وهذا مثل أن يحلي السيف بالذهب والفضة، ونحوه من الدواة واللجام، وهذا لا خلاف فيه لأنه عين قائم لم يستهلك، فإن لحق المغصوب بالقلع ضرر ضمنه الغاصب على نحو ما مضى القول في قليل الضرر وكثيره في أن المضرور يأخذ قيمة الضرر إن كان يسيراً إذا كان مما لا تتعلق به الأغراض في الأغلب، وفي الكثير له الخيار في تسليمه وأخذ قيمته صحيحاً.
باب القول في المغصوب يزيد أو ينقص
لو أن رجلاً اغتصب بقرة أو غيرها، من الحيوان من مملوكة، أو غيرها فنتج عنده، أو ولدت أخذها صاحبها، وأخذ نسلها، فإن هلكت الأم وبقي النسل أخذ قيمة النسل، إلا أن يكون النسل هلك بجناية من الغاصب، فتلزمه القيمة، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، والخلاف بيننا وبين الشافعي في الأولاد إن تلفت من غير أن يستحدث فيها الغاصب، أمراً يوجب الضمان، قال الشافعي: هي مغصوبة مضمونة كالأمهات، وقولنا: لا تكون مغصوبة بغصب الأمهات، ولا مضمونة بضمانها.
والوجه في ذلك أن الولد صار في يد الغاصب بغير فعله، وتلف بغير فعله، من غير أن توجهت عليه مطالبة من له الحق في مكالبته، فوجب أن لا يضمن إن تلف.(89/9)


دليله الثوب تلقيه الريج في داره، أو الطائر يسقط في داره، أو النواة يلقيها فتنبت إذ لا خلاف أن جميع ذلك لا يضمن للعلة التي ذكرناها، فكذلك ولد المغصوبة، وليس يلزم على هذا ما نقوله من أن من صاد ظبية من الحر وأخرجها من الحرم، ثم ولدت، ثم هلكا أنه يضمن الظبية وولدها، وذلك أن الله عز وجل قد أمره بإرسالها وإرسال ولدها، وردهما إلى الحرم فلما امتنع من ذلك مع توجه المطالبة عليه بردهما إلى الحرم حتى تلفا ضمنهما بل مثال هذا أن يطالب ولد المغصوبة صاحبها فيمتنع من ردها، ومتى كان ذلك كذلك ضمنه الغاصب.
على أن ضمان صد الحرم، وصيد المحرم عندنا لا يشبه ضمان الأموال، لأن عندنا أن جماعة لو اشتركوا في صيد ضمن كل واحد منم، وكذلك لو دل عليه غيره فقتل بدلالته ضمنه، وليس كذلك ضمان الأموال فبان أن ضمان صيد الحرم، وصيد المحرم لا يجوز أن يجعل لضمان الأموال أصلاً.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يسري الغصب إلى الولد كالكتابة والتدبير والإستيلاد كما قلتم ذلك في الرهن.
قيل له: نحن قلنا ذلك لأنا وجدنا الكتابة والتدبير حقين ثابتين في الرقبة، وكذلك الإستيلاد ثم وجدنا الرهن أيضاً حقاً ثابتاً في الرقبة فقسناه على ذلك في باب السراية، والغصب ليس بحق ثابت على الرقبة، فكيف نقيسه على ذلك.
على أنا قد بينا في مسألة ضمان فوائد الرهن أن الولد لا يصير مضموناً بضمان الأم حتى يشارك الأم في سبب الضمان، وولد المغصوب لم يشارك المغصوب فيما أوجب ضمانه، لأنه لم يجر عليه الغصب، كما جرى على أمه، ومتى جرى عليه الغصب كان أيضاً مضمونااً.
فإن قيل: إذا كان حفر البئر سبباً لجناية إذا وقع فيه إنسان أنكرتم أن يكون غصب الأم سبباً لغصب الولد.(89/10)

88 / 149
ع
En
A+
A-