كتاب الغصوب
باب القول في المغصوب يؤخذ بعينه
لو أن رجلاً غصب عبداً أرضاً فبنى فيها، أو غرس أشجاراً كان صاحب الأرض أولى بأرضه، وحكم على الغاصب بنقض بنائه، أو قلع غرسه، وابعادهما عن الأرض، وذلك لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق)، وعن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمثله رواه الكرخي.
قال عروة: حدثني صاحب هذا الحديث أنه رأى رجلين من بني بياضة يختصمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أرض لأحدهما، وللآخر فيها نخل، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله عنها، ولقد رأيته يضرب بالفؤس.
وهذا مما لا خلاف فيه بين المسليمن.
مسألة:
قال القاسم عليه السلام: فإن زرعها قضى لصاحب الأرض بالزرع، وللغاصب ما غرم في الزرع، فكان أبو العباس رضي الله عنه يحمل هذا على موافقة ما دلت عليه أصول يحي عليه السلام من ان الزرع للزارع، ولصاحب الأرض عليه كراء المثل.
والمراد بقوله: وللغاصب ما غرم، أي ما فضل عن كراء المثل، وهذا وجه، ويجوز أ، يكون ذهب إلى ظاهر ما روى رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء)، ويرد عليه نفقته، وروي: (له نفقته، وليس له من الزرع شيء)، فهذا يحتمل ان يكون أراد من زرع بذر قزم بغير إذنهم في أرضهم، كماله فيما زرعه في أرضه، أو في أرض أباح صاحبها له زرعها، لأن عليه أن يتصدق بالزرع، ويبعد وجوب التصدق به إذا كان البذر له، لأن ملكه لم يتجدد عليه فيقال: إنه ملكه من وجه محظور، وإنما هو قد زاد على أحوال محظورة، وذلك كجارية صغيرة يربيها بالحرام لا يلزمه التصدق بها، ونظائر ذلك كثيرة.
وقال أبو حنيفة: لا كراء على الغاصب لما استهلك من منافع المغصوب.(89/1)


ودلت أصول يحي عليه السلام على إيجاب الكراء، وبه قال الشافعي، ووجهه أن المنافع يجوز فيها الإباحة والإستعاضة عليها فوجب أن يلزم العوض باستهلاكها دليله الأصول.
فإن قيل: فيلزمكم أن توجبوا على من وطيء جارية غيره مهر المثل، كما أوجبتم على من سكن دار غيره كراء المثل.
قيل له: هذا لا يلزم على علتنا، لأنا عللنا بأن قلنا تصح فيها الإباحة، لا تصح في الوطء، على ان منفعة البضع لا تشبه سائر المنافع، ألا ترى أن من ملك البضع بعقد صحيح ثم لم يطأ، وبقي مدة، وطلق لا تستحق مهر المثل، وكذلك عندنا لو مات، وليس كذلك سائر المنافع، لأن من استأجر داراً مدة، ولم يسكنها استحق عليه الكراء، فدل ذلك على ان استحقاق عوض الوطء على خلاف استحقاق أعواض سائر المنافع، ألا ترى أن من ملك البضع بملك صحيح، ثم لم يطأ، وبقي مدة وطلق لا تستحق مهر المثل، وكذلك عندنا لو مات، وليس كذلك سائر المنافع، ألا ترى أن المرأة لو رضيت أن تتزوج وتوطأ بغير مهر لم يصح ذلك، ووجب فيه المهر، على أن المهر ليس هو عوض عن الوطء، لأنه سواء وطيء مرة، أو ألف مرة، فإنما يجب مهر واحد، فبان ا،ه عوض الوطء الأول الواقع على الإستباحة.
فإن قيل: فيلزمكم على علتكم الحر إذا احتبس ومنع التصرف أن يلزم له كراء المثل؟
قيل له: لا يلزم ذلك، لأنا قسنا المنافع على أصولها، والحر لا يصح فيه الإباحة بالإعتبار عليه، فلم يجب ان يقيس عليه منافعها، على أن منافع الحر لا يصح فيها الإباحة.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (الخراج بالضمان)، فإذا ضمن الغاصب المغصوب فيجب أن تكون مناافعه له.
قيل له: ليس من مذهبكم ا، المنافع تكون للغااصب، وإنما يقولون: إنه لا يضمنها بالإستهلاك، فلم يقولوا بموجب الخبر في هذا الموضع، ولم يقل به أحد من الأمة فبان أن المراد غير ما ذهبتم إليه.
فإن قيل: المنافع ليست مالاً فلا يستحق عيهاا العوض بالإتلاف.(89/2)


قيل له: فيلزمكم ان لا يستحق عليها العوض بالعقد، على أأن من فتق ثوباً مخيطاً لغيره، أو نقض باباً منحوتاً، فلا خلاف أنه يضمن ما أتلف من المنافع فقد بطل قولكم: إنها لا تستحق عليها الأعواض بالإتلاف، على أ، هذا يمكن أن نجعله أصلاً نقيس عليه با، نقول: إنها منافع أعيان مملوكة فيجب أن يضمن بالإتلاف كفقت الاثوب ونقض الباب، ولا يلزم منافع ولد المغرور، لأنه حر، ومنافع الحر لا تضمن بالإستهلاك لما بيناه، لأن منافعه مخالفة لأصلها، ولا تصح فيها الإباحة.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً اغتصب خشبة ثم بنى عليها قضى على الغاصب بتسليم الخشبة إلى صاحبها ونقض ماا بنى عليها إن كان لا يمكن ذلك إلا بنقضه، وبه قال الشافعي.
قال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجب تسليمها إذا لم تتم إلا بنقض البناء، ولصاحبها القيمة.
والدليل على ما ذهبنا إليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس لعرق ظالم حق)، وقوله: (على اليد رد ما أخذت)، وقول الله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}، وقوله: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ}، وقد يكون ذلك لليتيم، وقال: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدَقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}، وقد يكون ذلك صداقاً، وهو قياس مالم يبن عليه بعلة أنه ملك الغير لم يجر فيها مغنم ولا هبة ولا بيع ولا أجارة، ولا يؤدي إلأى إتلاف النفس، أو الخوف منه، وبهذا ينفصل عن الخيط يخاط به الجرح، أو اللوح يركب عليه السفينة فيطالب به صاحبه في اللجة، لأن هذين يؤديان إلى تلف الناس، أو يخاف ذلك، أو يقال: إنه مل مغصوب قائم بعينه، لا يؤدي أخذه إلى تلف النفس، أو الخوف منه.
فإن قيل: لو ألزمناه نقض البناء كنا قد أدخلنا عليه الضرر لا يستحق.(89/3)


قيل له: ليس كذل لأن ذلك القدر من الضرر مستحق عليه، ألا ترى إلى ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقلع النخل عن الأرض المغصوبة، وذلك مما يلزم الغاصب فيه ضرر لكنه مستحق لحق المغصوب منه، ولا خلاف في ان من زرع أرضاً مغصوبة يجب قلع االزرع، وذلك مما يضر بالغاصب، إذا لم يمكنه تخليص المغصوب، إلا بضرر يدخله على نفسه، وهكذا لو بنى في أرض مغصوبة، لزمه نقض بنائه.
فإن قيل: فإنه بناه على ملكه فهو غير متعد فلا يجوز إلزام نقضه.؟
قيل له: بناه على ملكه وملك غيره، وهو الخشبة المغصوبة، فكان قياسه قسياس ما بنى بناء بعضه على ملكه، وبعضه على ملك غيره ـ جارة ـ إذا لم يتم له تسليم أرض جاره إلا بنقضه كله يلزمه نقضه.
قال:ك وكذلك إن كان الغاصب دفعها إلى غيره، فبنى عليها عالماً بأنها مغصوبة، أو غير عالم بذلك، يقضى بالخشبة لربها، وإن كان الثاني لم يعلم أنها غصب، وغره الغاصب، رجع على الغاصب بقيمة ما فسد من بنائه.
أما وجوب رد الخشبة فقد مضى الكلام فيه، فلا وجه لإعادته. والثاني أيضاً غاصب ككالأول علم أو لم يعلم إلا في المأثم، فلا إثم عليه إذا لم يعلم.
وأما رجوعه على الغاصب بقيمة ما فسد إذا لم يعلم بأنه مغصوب فهو ما نذكره في باب ولد المغرور، وقياس عليه.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً اغتصب أمة مدبرة، ثم أولدها كان الولد مدبراً كالأم، ولم يلحق نسبه بالواطيء، ولو كانت المغصوبة ام ولد كان الولد في حكم الأم يعتق بعتقها، ولم يلحق نسبه بالواطيء، وعليه حد مثله، ولا عقر عليه، والعقر والحد لا يجتمعان.(89/4)


قلنا: إن ولد الأمة المدبرة وأم الولد يكون في حكها، لأن الولد يكون في حكم الأم في العتق والحرية، لا خلاف فيه إلا ولد أم الولد من سيدها لأنه يكون حراً، لأن الأب لا يملك ولده، ومنعنا لحوق النسب، لأن الواطيء زان، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، وهو مما لا خلاف فيه، وأوجبنا الد لارتكابه الزنا بغير شبهة، ولم نوجب العقر، لأن العقر لا يجب إلا بوطء يقع في عقد صحيحن أو شبه عقد، لأن ما خلا من ذلك يكون زنى محضاً، ولا خلاف أنه لا مهر في الزنا إذا لم يعرض فيه معنى آخر، ومنعنا إجتماع العقر والحد لهذه العلة، لأن الحد يجب في الزنا المحض، والمهر لا يجب فيه.
مسألة:
قال: ولو أ، رجلاً اغتصب نااقة فنحرهاا، أو بقرة فذبحها، أو غيرهما من الطيور ونحوها، كان صاحبه بالخيار، إن شاء أخذ مذبوحاً، وإن شاء أخذ قيمته، وأخذ قيمة ما نقصه الذبح، وإن شاء ضمن قيمته حياً.
ووجه قول أصحابنا أنه إن شاء أخذه على مابه، وإن شاء ترك وأخذ قيمته حياً، على أن الغاصب لم يتلف عينه، بل العين باقية، ولم يتلف من أاجزائه ما يجوز أن يكون هل قيمة، وإنما استهلك بعض منافعه، فإذا أمكننا أن نعيد الفاائت من المنافع، كأنه لم يفت بأن نعطيه قيمته حياً، إلا أن يرضى بأخذه مذبوحاً.
مسألة:
قال: فإن اغتصب ثوباً فقطعة قميصاً، أو غير قميص كان صاحبه بالخيار إن شاء أخذ الثوب على ما وجده، وإن شاء مخيطاً أو مقطوعاً غير مخيط، وإن شاء أخذ قيمته صحيحاً.(89/5)

87 / 149
ع
En
A+
A-