وحكي للشافعي قول آخر، وهو أنه لا يعتق، فإن سئلنا عن ذلك القول كان تحرير العلة ان يقول: هو مؤسر أولى ببعض المملوك من غيره لككونه مالكاً، فأشبه الشريك المؤسر إذا أعتق نصيبه فقي أن العتق ينفذ.
قال: وإن كان معسراً أعتق العبد بمقدار ما فضل عن الرهن، ونجم على الراهن مال المرتهن على حسب ما يمكنه، فإذا أدى ما عليه عتق العبد.
معنى قولنا: إذا أدى ما عليه عتق العبد انه يرتفع حبس العبد، وإلا فالعتق حاصل لنفوذه في الفاضل عن الرهن فهذه المسالة كالأولى، وولا فرق بينهما إلا في تنجيم ملك المرتهن على الراهن.
ووجهه أنه بالسعاية أولى من العبد، لأن العبد يحتبس بحقه لا بقيمة نفسه، ولأن العبد أيضاً لو سعى لرجع عند أبي حنيفة في وجوب عتقه.
وللشافعي فيه قولان، ونحن إذا بينا أن حكمه حكم الشريك فلنا فيه طريقان ـ أحدهما: أنا ندل على أن الحرية لا تتبعض، وذلك نبينه في كتاب العتق.
والثاني: أنا نقيس المعسر على المؤسر إذ مذهب الشافعي أن المعتق إن كان مؤسراً عتق العبد، وضمن نصيب شريكه، وإن كان معسراً تبعض العتق، فيعتق نصيب المعتق، وسنبين فساده في كتاب العتق.
ووجه بقائه في يد المرتهن إلى أن يستوفي حقه انه اجتمع فيه حقان حق الحرية، وحق الإحتباس، فلم يسقط واحد منهما لقوة كل واحد من الحقين على ما بيناه.
مسألة:(88/36)
قال: وإن رهنه على ألف، وهو يساوي ألفاً وثمانمائة، ثم أعتقه لم يعتق حتى يؤدي الراهن حق المرتهن، فإن أراد الراهن بعد العتق، وقبل الفك بيعه أو هبته لم يجز ذلك، وهذا لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة وللشافعي فيه قولان، وهذا يشبه المدبر، والمعتق على شرط فينتظر في أن عتقه يقف ولا ينفذ في الحال، وذلك أن تصرفه غير جائز، والمرتهن أولى به وبقيمته إن استهلكه مستهلك، وبثمنه إن باعه الحالكم، والراهن ممنوع منه من كل وجه، فوجب أن لا ينفذ فيه عتقه، ولقوة العتق والحرية أوجبنا ألا يبطل، ويقف على افتكاكه كالمدبر والمعتق على شرط منتظر، وقلنا: إنه يمنع من بيعه وهبته، وإن كنا نجوز بيع المدبر عن ضرورة، لأنه أقوى من التدبير، والعتق على الشرط، لأنه لفظ منع من حصول العتق، وهاهنا المنافع منه لم يقع مع لفظ العتق، وإنما هو حكم منع من حصول العتق مع أن سبب العتق قد حصل فأشبه أم الولد في أن مالكها ممنوع من بيعها وهبتها على كل وجه.
قال: ولا يجوز له أن يؤخر افتكاكه مع القدرة عليه، فإن أخره أجبر على افتكاكه، وذلك لأنه أجتمع عليه حقان يتعلقان بفعله أحدهما: وجوب الدين، والثاني: العتق، فلا يشبه هذا أم الولد لأن عتقها لا يتعلق بفعله، وكذلك املدبر فلا يلزم ذلك على ما قلناه.
قال: وإذا أدى حق المرتهن عتق العبد، لأنا قد بينا أن المانع من استقرار العقت كونه رهناً، فإذا خرج عن كونه رهناً بتوفير الحق على المرتهن وجب أن يعتق إذ المانع قد زال.
باب القول في جناية الرهن
قال: ولو أن رجلاً رهن عبداً فقتل العبد المرتهن انتقض الرهن، وطالب ورثة المرتهن الراهن بما عليه من الحق، وحكم على العبد بما عليه من الحق، وحمك على العقد بما يحكم على العبد القاتل عمداً أو خطأ.(88/37)
معى قوله: انتقض الرهن ان ورثة المرتهن ااستحقوا رقبته إن كان القتل عمداً، وإن كان خطأ أيضاً استحق الورثة الرقبة إن لم يفده الراهن بالدية فيككون الرهن منتقضاً على الوجهين على ما بيناه، ولا ينتقض إن كان القتل خطأ وفداه الراهن بالدية، ولورثة المرتهن المطالبة بدينهم لأنم لا يضمنهون جناية الرهن على ما نبينه.
مسألة:
قال: وكذلك إن قتل أجنبياً عمداً أو خطأ حكم على العبد بذلك، ولم يضمنه المرتهن.
إعلم أن الوجده في أن المرتهن لا يضمن جناية العبد المرهون هو أن جناية العبد في الحكم كأنها جناية سيده، لأنه يلزمه غرمها، ألا ترى أنه لو قتل كان ذلك تلف ماله، وكذلك إن ساترقه المجني عليه، أو فداه الراهن بالدية، او سرق فقطعت يده كان ذلك غرماً يلحق مال السيد كما يلحقه بجنايته.
ألا ترى أنه لو كان ولده بدلاً منه لم يلحقه شيء من ذلك فبان أن جناية العبد في الحكم كأنها جناية سيده، فإذا كان ذلك كذلك لم يكن لتضمين الراهن لمرتهن ماهو جار مجرى فعله معنى، مكا أن الراهن لو كان المتلف له لم يضمنه المرتهن فلهذا أسقطنا الضمان في ذلك عن المرتهن.
ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لصاحبه غنمه وعليه غرمه)، وهذا غرم الرهن فيجب أن يكون على يسده، كما أن العبد لو اكتسب لكان ذلك الغنم لسيده، كذلك إذا غرم بالجناية كان الغرم على سيده.
قال: وإذا ككان الراهن معدماً انتظر بالعبد إلى ان يجد الراهن ما يوفر على المرتهن، فإذا وجد ذلك حكم على العبد بما يلزمه من قتل أو غيره.(88/38)
ووجهه انهما حقان تعلقا به على وجه واحد، لأنهما حقان تعلق برقبته فككان تقديم ما ليس فيه، أفاتة النفس أولى كالحدين إذا اجتمعا على رجل، وكان في أحدهما أفاتة النفس كان تأخيره أولى، كان سرق وزنى وهو محصن، وذلكك أن النفس إذا فاتت بطل الحق بالذذي هو غير أفاتة النفس، وليس يلزم عليه الفقير الذي عليه الدين، ويقتل عمداً فيأن القتل يقدم، لأن الحقين لم يتعلقا به على وجه واحد، لأن القود تعلق برقبته، والدين تعلق بذمته، ونحن إنما قلنا لك في الحقين المتعلقين به على وجه واحد، ألا ترى أن المعدم بعد القتل يجوز ان يظهر له مال يوفي ذمته، وإذا قتل العبد بطل حق المرتهن المتعلق برقبته من الإحتباس والتوثقة، فأما إذا كان القتل خطأ فهو مثله، لأنه لم يفرق بينهما أحد، ولأنه أيضاً في حكم أفاتة النفس في معنى بطلان حق المرتهن من التوثقة والإحتباس بحقه، إلا ان يفيده صاحبه بالدين فله ذلك، ويبقى العبد رهناً، فلا يككون على المرتهن ضرر.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً ارتهن عبداً فاغتصب العبد مالاً لرجل واستهلكه كانت جنايته على الراهن، ولم يضمنها المرتهن.
ووجهه هو ما مضى من أن جنايته في الحكم كأنها جناية سيده لرجوع غرمهاا عليه، كما يرجع بفعله فلا وجه لإعادته، وباقي الباب على هذا فلا معنى لذكر تفاصيله.
مسألة:
قال أيده الله: والذي اختاره في الرهن إذا اعتق عبده المرهون أن العبد يعتق على كل وجه كما ذهب إليه أبو حنيفة، لأن حق المرتهن ليس بأوكد من حق الشريك في ملكه، فإذا نقذ العقت في حق الشريك مع انه حق الملك كان نفوذه في حق المرتهن أولى.
تضمين المرتهن فوائده الرهن يقوى من جهة النظر إن كان به قائل قبل يحي بن الحسين عليه السلام، لككنه يضعف عندي لأني لا أعرف قائلاً به قبله.
معنى قولنا: إن الشيء مضمون على الإنسان أنه إن تلف تلف من ماله، ثم ينظر في الضمان فربما كان ضمان الشيء من الثمن أو الأجرة.(88/39)
فإن قيل: أن معناه أن عليه غرم تلفه، ثم الغرامات تختلف كانت العبارة اجود لأنه قد يدخل فيه النفس المضمونة بالقصاص والدية، وكذلك الخراج المضمون وغير ذلك.(88/40)