قال: وإن كان الراهن وفي المرتهن بعض دينه نقض به التسليط، فإن باع المرتهن بعد ذلك فعلم به الراهن، وسكت كان ذلك منه رضى ببيع المرتهن، وقوله: إن إيفاء بعض الدين نقض للتسليط، معناه أنه أمارة نقض التسليط لأنه إنما سلطه حين كان جميع دينه قائماً، فكان الإيفاء أمارة للنقض، ويككره له بيعه بحصول الأمارة، فأما النقض الصحيح فلم يقع، فإن رآه الراهن بعد ذلك يبيعه فسكت كان ذلك رضى منه بالبيع لأن سكوته على ذلك يدل على ان الإيفاء لم يكن للنقض ولم يقتضه لأن الإيفاء للبعض لو كان نقضاً لكان السكوت لا يصحح البيع، لأن الغير إذا باع ملكاً لغيره، فلا يصح البيع بسكوت المالك، ولا بد من إجازة تحصل منه زيادة على السكوت.
مسألة:
قال: فإن قال الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك إلى وقت كذا وإلا فالرهن لك كان ذلك باطلاً، وهذا ممالا خلاف فيه، لأنه ليس بتمليك صحيح كالبيع والهبة، وروي أن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يغلق الرهن)، ورد في هذا لأن هذا كان عادة في الجاهلية، فأبطله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (لا يغلق الرهن بما فيه).
فإن قيل: فأنتم قد جعلتموه على غير هذا؟
قيل له: ذلك لا ينافي هذا فلا يمتنع ان يكون ورد في هذا وما ذكرناه من انه يفيد ا،ه لا يهلك على صاحبه أيضاً مراد، لأن الغلاق هو الهلاك، ونحن نذهب إلى أن الخبر إذا ورد في سبب لم يجب القصر عليه.
مسألة:(88/31)
قال: وإن رافع المرتهن الراهن إلى الحاكم كان للحاكم أن يبيع رهنه، ويوفي دين المرتهن، وذلك انه منصوب للولاية على المسلمين وانصاف مظلومهم من الظالم، ولا خلاف أن الولي إذا عضل المرأة ككان الحاكم قائماً مقامه، وإن كانت الولاية حقاً للعاضل، فكذلك إذا امتنع من إيفاء الغريم حقه كان الحاكم قائماً مقامه في بيع ملكه عليه ليوفي الغريم حقه، على أنه لا خلاف أنه يبيع الدراهم للدنانير، والدنانير للدراهم، فكذلك سائر الأملاك، والمعنى انه ولي أمرهم لإنصاف المظلوم من الظالم كما يأخذ الإمام العشور، والصدقات ممن امتنع، أو يجعل أصلاً.
وبه قال أبو يوسف ومحمد والشافعي.
قال أبو حنيفة: لا يبيع الحاكم لكنه يحبس الراهن حتى يبيعه.
مسألة:
قال: وإن دفع الحاكم الرهن إلى المنادي ليبيعه فتلف على يديه ضمنه الرمتهن للراهن، وترادا فيه الفضل، وضمنه المنادي للمرتهن.
قلنا: إن المرتهن يضمنه لأنه لم يخرج عن قبضه، لأن الحاكم بإذنه دفعه إلى المنادي، فيد الحاكم فيه يد العدول، فلا يخرج الرهن عن ضمان المرتهن، لأن ولاية الحاكم على الراهن والمرتهن على سواءن والمرتهن متى أراد أخذه من الحاكم أمكنه فبان أن الشيء بعد على قبضه.
وقلنا: إن المنادي يضمن للمرتهن، لأن المنادي أجير مشترك، والأجير المشترك يضمن عندنا ما تلف على يده.
قال: فإن كان الراهن أذن للمرتهن في دفعه إلى من يبيعه فتلف على يده لم يضمنه المرتهن، وضمنه المنادي للراهن لأنه أجير مشترك، وهذا إذا رضي المرتهن على ان يبيعه الراهن لنفسه، وليتصرف في ثمنه على ما يريد، على ما مضى من القول في المرتهن إذا اذن للراهن في بيع رهنه.
مسألة:(88/32)
قال: وإذا سلط الراهن المرتهن على بيع رهنه فباعه المرتهن ففر المشتري قبل أن يوفيه الثمن كان حق المرتهن على الراهن، وذلك ان المرتهن قد أوجب فيه قبضاً فغيره بغذن البائع فخرج عن قبض المرتهن، وقد قلنا: إن خروجه عن قبه المرتهن يوجب انفساخ الرهن لذلك قلنا: إن حق المرتهن يكون على الراهن.
فإن قيل: الستم قلتم: إن الحاكم لو دفعه للبيع إلى المنادي فضاع من يده يككون على ضمان المرتهن فما الفرق؟
قيل له: لأنا قد بينا في تلك المسألة أن الرهن بعد لم يخرج عن قبض المرتهن، لأنه يملك رده إليه، فلحقه التلف وهو رهن، وفي هذه المسألة قد خرج عن كونه رهناً، لأنه قد خرج عن قبضه بحصول استحقاق قبض الغير، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه أيضاً مثل مذهبنا في أن المرتهن متى أوجب فيه حق القبض لغيره خرج عن كونه رهناً.
باب القول في ما يجدث الراهن في الرهن
ليس للراهن أن يحدث في الرهن شيئاً من مكاتبة ولا تدبير ولا بيع، ولا صدقة ولا هبة، ولا نكاح ولا مؤاجرة.
والوجه في هذا ما أجمع عليه من أن الراهن ليس له أخذ الرهن من المرتهن على وجه يخرجه عن كونه رهناً، إلا بإيفاء الدين، أو بإبراء المرتهن له، أو رضاء المرتهن بفسخ الرهن، وقد ثبت بما بيناه أن بطلان قبض المرتهن مخرج للرهن من كونه رهناً، وكل هذه الأشياء مما يبطل قبض المرتهن لاستحقاق قبض غيره، قوجب أن لا يصح ذذلك من الراهن، لأن ف صحته صحة أخذ الرهن من المرتهن على وجه يوجب اخراجه من الرهن، وذلك فاسد، وأيضاً لو أجزنا للراهن لم يكن لأخذ الرهن فائدة، ولم يكن الرهن توثيقة للمرتهن، لأن الراهن إذا جاز له أن يتصرف فيه خرج الرهن عن معناه.(88/33)
قال: فإن باعه بإذن المرتهن صح البيع، أما إذا باعه بإذن المرتهن فلا خلاف في صحة البيع لأنهما إذا تراضيا فيه بالفسخ، أو البيع أو غيرهما جاز ذلك، وأما إذا باعه بغير أذن المرتهن، فالأقرب على أو ضاعنا أن البع يقف على التسليم، ويكون ذلك كالعيب فيه كما نقول في بيع المغصوب والآبق، وبيع المستأجر، فإن شاء الشتري صبر إلى حين يمكن التسليم، وإن شاء فسخ البيع، وهذا معنى قولهك إن البيع فاسد، أي غير مستقر فللمشتري افساده، وهذا إذا كان ككالعيب في إمكان الرد فهو أوكد من العيب، لأن من اشتراه مع علمه بالعيب لم يكن له رده، ومن اشتراه وهو مغصوب او مرهون، أو آبق وهو يعلم أمكنه الفسخ إذا تعذر التسليم، والفرق بين هذا وبين العيب أن المعيب إذا قبضه المشتري فقد تم له ملكه، والمغصوب ونحوه مما إذا تغذر تسليمه لم يتم فيه ملك المشتري، ولا يجب عليه توفية الثمن إلا مع التسليم فمتى لم يتم ذلك كان له فسخ البيع وإن كان دخل فيه، مع العلم كما أن مشتري المغصوب إن دخل في الشراء مع العلم بانه مغصوب، وأعطى الثمن، له الرجوع في الثمن، لأن استحقاق البائع للثمن لم يحصل، ويبين أن الأقرب من مذهبه في البيع ما ذكرناه انه قال في مسألة العتق: لو أعتق عبداً يساوي ألفاً، وهو رهن بألف لم يعتق حتى يؤدي الراهن ما عليه، ولو أراد بعد العتق وقبل الفك بيعه، أو هبته لم يجز ذلك، فمنع من البيع للعتق، وكذذلك الهبة دون كون الرهن رهناً فدل ذلك على ما قلناه من ان كونه رهناً لا يمنع من البيع، ويكون كالعيب فيه، وكذا يجب أن يكون بيع المستأجر.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً أعتق عبداً رهنه على ألف، وهو يساوي ألفين، والرجل مؤسر عتق العبد، ووجب عيه الخروج من حق المرتهن، أو إبداله رهناً آخر، وإن كان معسراً عتق العبد بمقدار الفاضل من الدين، ونجم على الراهن مال المرتهن على حسب ما يمكنه، فإن أدى ما عليه عتق العبد.(88/34)
وقول أبي حنيفة: إن عتق الراهن ينفذ على كل حال، ثم ينظر فيما يلزم الراهن للمرتهن من الإيفاء أو الإبدال أو ما يلزم العبد من السعاية، فأما العتق فواقع تام عنده.
وأما الشافعي فحكى ابن أبي هريرة عنه في هذا الباب ما يطول شرحه، وجملته ان همرة يجعل الموسر على قول واحد في نفوذ عتقه، ويجعل المعسر على قولين، ومرة يجمع بين المعسر والمؤسر في أنهما على قولين.
ووجه ما ذهبنا إليه ما بيناه من ان الراهن ممنوع من التصرف في الرهن على وجه يخرجه من كونه رهناً يبطل قبض المرتهن، وكان القياس ا، لا يجوز عتقه لأنه يؤدي إلى ابطال رهنه، إلا أنا وجدنا للعتق مزية قوية على سائر ما ذكرنا جوازه من الأخطار ومع الجهالة، ولنفوذه في نصيب الشريكك بغير رضاه، ولنفوذه في البيع الفاسد، ولأنته لا يرتفع بعد حصوله في دار الإسلام، ثم وجدنا للرهن في تعلق حق المرتهن به مزية قوية، وذلك أن مالكه ممنوع من التصرف فيه.
ولا خلاف أن الموت لا يبطله بمصيره إلى الوارث، فإن المرتهن أولى به من سائر الغرماء، إن مات صاحبه مفلساً، أو فلسه الحاكم وكذلك إن باعه الحاكم عليه ككان المرتهن أولى به من سائر الغرماء، ولم يكن حكمه حكم سائر أملاك المرتهن لهذه المزية التي ذكرناها، فلما أجتمع هذان الأمران أوجبنا تعلق العتق على الفاضل عن الدين لقوة العتق، ولم نوجب تعلقه على ما دونه لقوة حق المرتهن.
ثم قلنا: إن كان الراهن موسراً استقر العتق في ذلك القدر، وسرى لأن حق المرتهن ليس بأقوى من حق الشريك، وألزمنا الراهن الخروج عن حقه، أو ابدال رهن مكانه كما يلزمه أن يغرم حق شريكه لو أعتق ما فيه شركة لغيره، وكما أن الراهن لو قتله لغرم قيمته، ولزمه ان يجعله بدلاً للرهن، وكذلك لو قتله غير الراهن فغرم قيمته تعلق بها حق المرتهن، وهذه المسألة ممالا يختلف فيه قولنا، وقول أ[ي حنيفة وأصحابه، وهو الأظهر عن الشافعي أعني إيجاب العتق دون سائر الشروط.(88/35)