قال: فإن كان انشداخه من المرتهن بجناية منه ضمن المرتهن ما نقصه الهشم من قيمته، وإنما كان ذلك كذلك لأن هذا الضمان هو ضمان الجناية، وليس لملاقاة الرهن الدين، ألا ترى أنه لو كان عنده على سبيل الوديعة لضمنه، فإذا لم يكن الضمان لملاقاة جنسه وجب أن تكون قيمة ما نقصه الهشم مضمونة، وإن كان من الذهب فقيمته من الفضة، وإن كان من الفضة فقيمته من الذهب، لأن الذهب يقوم بالفضة، والفضة تقوم بالذهب، ولا يقوم واحد منهما بجنسه قال: وإن كان بجناية من غيره ضمن الغير ما نقصه هشمه كما بينا أن المرتهن يضمنه، إن كان ذلك بجناية منه، لأنه ضمان الجناية، ولم يلاق الشيء جنسه، قال: ويكون الراهن مطالباً للمرتهن، والمرتهن مطالباً للجاني، لأن الشيء في ضمان المرتهن، فالخصومة فيه بين الراهن والمرتهن، ثم بين المرتهن والجاني، قال: وللراهن الخيار بين أخذ الرهن وقيمة ما نقصه الهشم من غير جنسه، وبين أن يتركه ويأخذ قيمته صحيحاً، وذلك لأنه ضمان الجناية وسبيله سبيل الغاصب، وعند أبي حنيفة ليس له إلا أخذه مهشوماً، أو قيمته من غير جنسه مصنوعاً، وأما إذا كان ألأكليل من ذهب مرهوناً بالدراهم، وأكليل من فضة مرهوناً بالدنانير فيجب أن يضمن المرتهن قيمته مهشوماً سواء كان بجنايته أو بغير جنايته لأن ما ذكرنا من ملاقاة الشيء جنسه قد زال.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً ارتهن ثوباً فقرضه الفار، أو لحقته آفة نقصته ضمن أرش النقصان إن كان له بعد النقصان قيمة، وإن كان لا قيمة له بعد ذلك ضمن قيمة الثوب كله، وهو صحيح، لأن ذلك ضرب من ضروب التلق يضمنه المرتهن.
قال: وكذلك إن ارتهن دار فتهدم بعضها، أو سرق بابها، أو انهدم كلها ضمنه المرتهن، وهذا أيضاً كما مضى يضمنه المرتهن لأنه تلف.(88/21)
قال: فإن سكن الدار المرتهن سقط عن الراهن مقدار اجرة سكناه، وإن استغرق الأجرة الدين سلمت الدارإلى الراهن، فهذا على قوله: إن الغاصب يضمن كراء المثل إذا انتفع بالمغصوب على ما نبينه في كتاب الغصوب، وهذه الدار وإن كانت رهناً فليس للمرتهن إلا احتباسها عنه، وهو فقي باب ليس له إلا الإمساك ولاحفظ بمنزلة الوديعة فإن تصرف فيه كان بمنزلة الغاصب، فإذا سكنها يلزمه من الكراء ما يلزم الغاصب من ذلك فسقط عن الراهن من الدين بمقداره لأنهما يتقاصان ذلك، فإذا بلغ ما يلزمه من كراء المثل مقدار الدين كله سقط جميعه لأن المرتهن يكون قد استوفاه، وخرجت الدار عن الرهن، لأنها لا تكون رهناً، ولا حق للمرتهن على الراهن لأنا لو قلنا: إن له حقاً، لكنا جعلناها محبسة لِلا شيء، وهذا فاسد بالإجماع، قال: وكذا القول إن أكرى الدار فاستغلها المرتهن، واستهلك غلتها، فإن لم تستهلك غلتها كانت الغلة رهناً مع الأصل على ما بينا من كون الفوائد رهناً كالأصل، فإن تلفت ضمنها المرتهن على ما بيناه من القول بان الفوائد مضمونة كالأصول على ما تقدم القول فيه.
قال: وليس للمرتهن أن ينتفع بالرهن نحو ان يركبه إن كان مركوباً، أو يلبسه إن كان ملبوساً، أو يسكنه إن كان له سكنى أو غير ذلك، فإن قعل شيئاً من ذلك سقط مقدار ذلك من الدين، وكل هذا قد تقدم بيانه، وجملة القول أن الرهن في يد المرتهن ككالوديعة إلا في أمرين أحدهما:ك الضمان، والثاني: أن للمرتهن منع الراهن من أخذه حتى يستوفي دينه، وإلا ففي باقي الأحكام هو بمنزلة الوديعة.
قال: ولا فصل في ضمان المرتهن بين ان يهلك الرهن، او يستهلكه المرتهن، ولا بين الرهن وفوائده في ذلك كله، وهذا كله قد بيناه إلا في رهن الذهب بالذهب، والفضة بالفضة فقد بينا الفصل فيهما بين ضمان التلف وبين ضمان الإستهلاك، وإلا فالأمر في غير هذه المسألة سواء.
مسألة:(88/22)
قال: ولو أن مرتهناً شج عبداً ارتهنه موضحة ضمن نصف عشر قيمة العبد، وهذا ضمان الجناية، لأنه لو لم يكن رهناً وكان وديعة ضمنه المودع وقال: إنه يضمن نصف عشر القيمة، لأن الحر إذا شج موضحة وجب نصف عشر الدية، والقيمة في العبد كالدية في الحر وهذا مما نستقصيه ونوضح الكلام فيه في باب الديات.
مسألة:
ولو انه رهنه عبداً يساوي الفاً على ألف، ثم جاءه الرهن بجارية تساوي ألفاً، وقال: خذها بدل العبد فرضي المرتهن فماتت قبل رد العبد سلم العبد إلى الراهن، وكانت قيمتها تسقط الدين.
تفصيل المسألة:
أن الرهن هو الثانية، والعبد قد خرج عن كونه رهناً قال أبو حنيفة: الرهن هو الأول والثانية أمانة حتى يقبض الأول، والأصل في هذا أن الرهن لا يككون رهناً إلا بحصول ثلاثة أشياء عقد الرهن على التراضي، ووجوب الحق، وحصول القبض، ويخرج الرهن عن كونه رهناً بزوال كل واحدة من الثلاث.
أما سقوط الدين بالإبراء والإستيفاء فلا خلاف أن الرهن خارج عن كونه رهناً، وكذلك إذا زال القبض خرج عن كونه رهناً كما نص يحي عليه السلام في الأرض المرهونة إذا غلب عليها العدو أنها تخرج عن كونها رهناً، ويدل على صحة هذا انه لا خلاف بيننا في القول الصحيح وبين أبي حنيفة أن رهن المشاع لا يصح، والعلة أن القبض لا يدوم بل يزول، فلولا أن زوال القبض يخرج الرهن عن كونه رهناً لم تصح العلة وصح رهن المشاع، فإذا ثبت ذلك وجب أن يكون رفع العقد والرضاء بالتفاسخ مخرجاً له من كونه رهناً لأنه أخذ مالا يكون الرهن رهناً إلا به، فإذا صح ما ذكرناه فالرهن الأول قد خرج عن كونه رهناً بحصول رضاهما بالتفاسخ، ورفع العقد وصار الثاني رهناً بحصول العقد والقبض مع وجوب الحق فصح ما ذهبنا إليه من أن الثاني هو الرهن دون الأول.
مسألة:(88/23)
قال: ولو أن رجلاً غصب عبداً، ورهنه رجلاً، وجاء صاحب العبد قضي له بعبده، وطالب المرتهن الراهن بحقه، فإن جاء صاحب العبد وقد تلف العبد في يد المرتهن، وهو لا يعلم أنه غصب قضى لصاحب العبد على الغاصب بقيمة عبده، وقضي للمرتهن بدينه على الراهن الغاصب لا خلاف انه يقضى لصاحب العبد بعبده، لأنه غصب عليه، وللمرتهن أن يطالب الراهن بحقه، لأن الرهن لم يكن رهناً، وقد أخرج بحق واجبن فإن تلف العبد في يد المرتهن وهو لا يعلم انه غصب قضى لصاحب العبد على الغاصب لقيمة عبده لا خلاف فيه كما يقضى عليه بسائر الغصوب التالفةن ولصاحب العبد إن شاء ان يطالب المرتهن الذي تلف العبد في يده ويرجع هو بقيمته على الراهن، لأنه مغرور وكونه مغروراً مما يجب ان ينظر فيه فضل نظر، ولم يذكره يحي عليه السلام إذا كانت القيمة تلزم الغاصب على الأحوال كلها، ويق ضى للمرتهن بدينه على الغاصب، لأن التالف لم يكن رهناً صحيحاً فلم يجب ان يضمنه المرتهن.
قال: ولو كانت المسألة بحالها، وكان قد علم المرتهن أن الرهن غصب كان المستحق بالخيار إن شاء طالب بقيمة العبد الغاصب الراهن، وإن شاء طالب بها المرتهن فإن طالب الراهن والمرتهن رجع المرتهن بدينه على الغاصب الراهن تخريجاً.
ووجهه أن الراهن والمرتهن غاصبان جميعاً فلصاحب العبد مطالبة من شاء منهما، وأيهما طالب كان حق المرتهن من الدين ثابتاً على الراهن لفساد الرهن، ولأن تلف الرهن الفاسد لا يوجب الضمان.
مسألة:(88/24)
قال: ولو ان رجلاً ارتهن ثوباً من رجل على عشرة دراهم ثم باعه المرتهن بخمسة عشر درهماً بغير أذن الراهن ففر المرتهن قضي بالثوب للراهن، وقضي للمشتري عليه بعشرة دراهم، وقضي بالفضل على من باعه يقضى للراهن بالثوب لأنه ملكه، وحكم الرهن قد انفسخ عنه بما كان من المرتهن من إخراجه عن قبضه على وجه أوجب القبض لغيره فلا وجه لحبسه عن الراهن، ويفضي الحاكم على المرتهن بما أخذه على المشتري وإن كان غائباً لأن القضاء على الغائب جائز، ويأخذ من الراهن ما عليه وهو عشرة دراهم، ويسلمه إلى المشتري، فإن وجد الحاكم للمرتهن الغائب مالاً وفر منه ما بقي للمشتري وهو خمسة دراهم، وإن لم يجد قضي عليه بذلك وترك إلى حين الإمككان.
قال: وكذلك القول لو كان المرتهن رهنه على خمسة عشر الحكم في هذا الحكم في الأول لاستواء الأحوال.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً استعار من رجل ثوباً يساوي خمسين درهماً، على ا، يرهنه بعشرين درهماً فرهنه على ذلك، فتلف عند المرتهن قضي للراهن بثلاثين درهماً على المرتهن وللمعير على الراهن بقيمة الثوب وهو خمسون درهماً، وذلك أنه حصل للراهن عوضاً من الثوب خمسون درهماً ثلاثون درهماً ما أخذ من المرتهن، وعشرون درهماً من ما سقط من ذمته فوجب ان يرده على المعير، لأنه بمنزلة رجل أذن لآخر في أن يقضي دينه وينتفع بوديعة له على وجه القرض فما حصل له من عوض الوديعة يلزمه رده على المودع، وككذلك إن تصرف فيه وباعه فكذلك العارية.
وكذلك لو أأن رجلاً أتلف عارية عند رجل فما أخذ من قيمتها لزمه ردها على المعير.
قال: فإن كان المستعير لما استعاره لبسه لبساً نقص من قيمته عشرة دراهم، ثم رهنه على عشرين درهماً، لأنه القدر الزائد على دينه.(88/25)