قيل له: هو مقبوض لاستيفاء المنافع مع بقائه إذ يستحيل ذلك مع تلفه فلا يلزم ما ذكرت، ألا ترى أنه لو تلف على الوده الذي قلت كانت المدافع في حكم المستوفاة مدة بقائه، وإن لم تكن مستوفاة إذا تلف على الوده الذي قبض، ألا ترى أن من استأجر عبداً للخدمة فتسلمه ولم يستخدمه ثم تلف تكون الخدمة في حكم الحاصل مدة بقائه.
فإن قيل: فيما قلناه من حبس المبيع للثمن إن العلة في سقوط الثمن بتلفه أن الثمن مقابل للمبيع فلما لم يحصل المبيع للمشتري لم يحصل الثمن للبائع؟
قيل له: ليس الأمر كما قلتم، وذلك المبيع قد حصل للمشتري بالشراء، واستحق البائع عليه الثمن، ولكنه لما كان محبوساً للإستيفاء، وتلف تلف ما تعلق به، ألا ترى أنه لو سلمه البائع، ولم يحتبسه لم يتلف الثمن بتلفه، على أنا لو لم نضمن المرتهن كنا قد ألزمنا الراهن غرمين غرماً للدين، وغرماً للرهن، ولا يلزم غرمان لحق واحد.
ووجه ما قلناه من أنهما يترادان الفضل قوله: (لصاحبه غنمه وعليه غرمه)، فدل ذلك على انه يغرم النقصان، ويغنم الزيادة، ويتحصل عليها، وأيضاً إذا ثبت بالأدلة التي قدمناها أن الرهن مضمون وجب أن يكون جميعه مضموناً كالغصب والقرض والمبيع والثمن، يوضح ذلك أن مالم يضمن بعضه كالوديعة، ومال المضاربة لم يضمن باقيه، وما ضمنه بعضه مما ذكرناه ضمن باقيه، ولم نجد في الأصول مضموناً يضمن بعضه ولا يضمن باقيه، وإذا ثبت ذلك وثبت أن الرهن يضمن بعضه ثبت ان جميعه مضمونن وأيضاً لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة وأصحابه أن الرهن إذا كان مثل الدين أو دونه، يكون جميعه مضموناً فكذلك إذا زاد على الدين، والعلة أنه رهن صحيح فوجب أن كيون جميعه مضموناً.
او عين حصل فيه الضمان فوجب أن يكون جميعه مضموناً.
فإن قيل: إذا كان مقبوضاً للإستيفاء وجب أن يكون أميناً في الفضل لأنه لا يجوز أن يستوفي من جميعه بل ن مقدار الدين.(88/16)
قيل له: الجميع مقبوض للإستيفاء ومحبوس به، ألا ترى أنه لا يفك منه شيء إلا بإيفاء الدين فوجب أن يكون الجميع مضموناً لأنه أيضاً محبوس للإستيفاء ومقبوض لذلك، فكذلك الزائد على مقدار الدين يجب ان يكون مضموناً، لأنه أيضاً محبوس للإستيفاء، ومقبوض لذلك، فأما ما حككي عن شريح من قوله: الرهن بما قيه، فهو قول قد أجمع بعده على خلافه فوجب سقوطه، فلا وجه للإشتغال به، وحكى الكرخي هذا القول عن إبراهيم النخعي، وحكى رجوعه إلى قول أبي حنيفة، ويؤكد ما قلناه أنهما يترادان الفضل بأن الراهن لو أفلس أو مات مفلساً كان الحكم في الرهن ما ذهبنا إليه من غير خلاف فيه، وكذلك لو تلف بتعديه، لأن ما كان مضموناً فلا يتغير حكمه بان يتلف بتعدي الضامن، أو بغير تعديه في أن الضمان يتعلق بجميعه، فكذلك الرهن.
مسألة:
قال: والقول في فوائد الرهن كالولد والثمر الذي يصير رهناً مع الأصل إذا تلف كالقول في الأصل قال أبو حنيفة وأصحابه: إذا تلفت الفوائد تلفت بغير ضمان.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه أنه لا خلاف بيننا، وبينه أنها رهن مع الأصل محتبسه باحتباسه لا يفك منها شيء إلا بإيفاء جميع الدين، فإذا ثبت ذلك كان جميع ما قدمناه يتضمن الرهن من دلالة الكتاب والسنة والخبر أدلة على وجوب ضمان الفوائد.
فإن قيل: إن النماء دخل في الرهن على سبيل التبع فلا يجب أن تكون مضمونة كولد المبيعة.(88/17)
قيل له: ليس الإعتبار بكونه تبعاً بل الإعتبار في ان يشارك الأصل فيما أوجب الضمان، أو لا يشار له، وقد علمنا أن ولد المبيعة لم يشارك الأم فيما أوجب الضمان لأن ضمانها بالثمن إنما كان لأن الثمن ثمن لها، والولد لم يشاركها في ذلك، لأن الثمن ليس بثمن له، وفوائد الرهن قد شاركت الرهن في سبب الضمان فوجب أن تكون مضمونة، لأن سبب الضمان هو الإحتباس بالدين، ألا ترى ان ولد المغصوبة إذا لم يشارك الأم في الغصب لم يكن مضموناً، فإن شاركها بأن منع من صاحبه، أو تصرف فيه الغاصب صار مضموناً كالأم.
ومما يوضح الفرق بين ولد المرهونة، وولد المبيعة أن ولد المبيعة لا يصير مبيعاً فلا يجب أن تصير أحكامه أحكام الأم من كل وجه، وولد المرهونة يصير مرهوناً فيجب أن يصير أحكامه أحكام أمه.
على أنا قد علمنا أن للمبيعة والمرهونة حكمين أحدهما: الإحتباس بحق يعلق بهما وهو الحكم الذي اختص ذاتهما، فوجب سرايتهما سرايتهما إلى ولديهما لما بينهما من البعضية.
والثاني: الضمان، وهو أمر منفصل عنهما فيجب أن ينظر في سرايته، فالولد الذي شارك الأم فيما أوجب الضمان يجب أن يكون مضموناً، وضمان المبيعة يتعلق ثمنها بها، والولد لم يشاركها في هذا المعنى، لأنه لا يكون مبيعاً، ولا يكون الثمن ثمنه، فلم يجب أن يكون مضموناً، وولد المرهونة مرهون فقد شارك الأم فيما أوجب الضمان فيجب أن يكون مضموناً.
مسألة:(88/18)
قال: وليس للراهن ان يزرع الأرض المرهونة بغير إذن المرتهن، فإن زرعها كان الزرع رهناً مع الأصل، فإن تلف لم يضمنه المرتهن، وليس للراهن ذلك لأنه إخراج للرهن من يد المرتهن، ولا يجوز ذلك، فإن فعل الراهن بغير علمه، وزرع واحتمل وجب أن يكون الزرع رهناً مع الأرض، ولا يضمنه المرتهن إن تلف في يد الراهن، لأنه لا وجه لأن يضمن الشيء وهو في يد مالكه على ما بيناه في إعارة المرتهن الراهن رهنه، فغن زرعها المرتهن بإذن الراهن كان الزرع رهناً مع الأصل، ويضمنه المرتهن إن تلف، وهذامعناه أن يزرع للراهن بإذنه فيكون الزرع للراهن فيصير رهناً مع الأصل، ويضمنه لأنه في يد المرتهن، قال: فغن زرعها المرتهن بغير إذن الراهن كان للمرتهن ما للزراع، وما فضل من الزرع عنه كان للراهن فلا يكون رهناً، وهذا معناه ان الزرع يكون للزارع، والمراد بقوله ما فضل هو ما لزم الزارع المرتهن من كراء المثل، قال: ولا يكون رهناً لأنه في ذمة المرتهن، ولم يتحصل عيه.
مسألة:
قال: وإن رهن رجل رجلاً رهناً على دين له مؤجل فتلف الرهن قبل حلوله، وكانت قيمة الرهن دون لم يكن للمرتهن ان يطالب الراهن بالفضل الذي له قبل حلول الأجل، وذلك ان ادين لم يجب توفيره قبل حلول الأجل، وكذلك الباقي حكمه في ذلك حكم سائره.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً رهن رجلاً أكليلاً من ذهب فانشدخ الإكليل بغير جناي لأحد، نحو أن يسقط عليه جدار، أو ما أشبهه، ولم يكن نقص من وزن الذهب شيء، ولا كان فيه جواهر فانكسر لم يكن المرتهن ضماناً لانكساره، فإن كان نقص من وزنه شيء، أو كان فيه جوهر فانكسر ضمن المرتهن ما نقص من وزنه وانكسر من جوهه.
إعلم أن هذا إذا كان أكليل من ذهب مرهوناً على الدنانير، أو أكليل من فضة مروناً على الدارهم، فالأصل فيه أن الفضة إذا لاقت جنسها من الفضة أو الذهب إذا لاقى جنسه من اذهب لم يكن للصنة والجودة قيمة.(88/19)
يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الذهب بالذهب مثلاُ بمثل وزناً بوزن، والفضة بالفضة مثلاُ بمثل وزناً بوزن)، ألا ترى أن عشرة دنانير مضروبة لا يجوز أن يشترى بها أحد عشر ديناراً تبراً غير مضروب، وإن كانت قيمته عشرة دنانير لضربه وسكته وجودته بل لا يجوز الدينار بالتبر إلا وزناً بوزن، ولا الدرهم بالنقرة إلا وزناً روزن لما قلناه: إن كل واحد منهما إذا لاقى جنسه لم يكن للصنعة والجودة قيمة، فإذا ثبت ذلك فلو ضمن المرتهن مانقص من الإكليل المنشدخ من قيمة كان إنما يضمن بما لاقاة من الدين دون ما سواه، ألا ترى أنه لو كان عنده وديعة لم يضمنه، لأنه لم يلاق الدين، فإذا كان ذلك كذالك لم يجب أن يضمن قيمة الإنشداخ إذا سلم الوزن، وقيل للراهن: أد الدين، وخذ الإكليل المنشدخ، وبه قال أبو حنيفة، ورواه أبو الحسن الكرخي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وروى محمد أنه قياس قول أبي حنيفة، وقياس قول زفر، ووجهه ما بيناه.
فأما إذا نقص شيء من الوزن، او كان فيه جوهر فانكسر فإنه يضمنه المرتهن لأن نقصان الوزن مضمون على كل حال، ولأن الجوهر كسائر العروض ليس هو من جنس الذهب والفضة فيجب أن يكون مضموناً.(88/20)