وقلنا: إنه قد بطل الرهن لأن من شرط الرهن أن يستمر فيه القبض على ما تقدم القول فيه، ولهذا أبطلنا رهن المشاع فلما حيل بينه وبينها صارت خارجة عن قبضه، فخرجت عن أن تكون رهنا، وقد نص في الفنون على أن الرهن لو كان مما ينقل فغلب عليه العدو أن المرتهن يضمنه، فدل ذلك من مذهبه على أنه لا يوجب ضمان الرهن المغصوب، كما كان إليه أبو حنيفة.
مسألة:
قال: ولو أن ردلاً رهن رجلاً جارية فولدت، وأقر سيدها بالولد انفسخ الرهن، فكلما لم يجز بيعه لم يجز رهنه، لا خلاف بين المسلمين أن مالا يجوز بيعه لا يجوز رهوه، لأنه لا يجوز تعلق الحق برقبته، ومن حكم الرهن أن يتعلق الحق برقبته، فإذا كان ذلك كذلك لم يصح رهن أم الولد، وإذا أقر بعد دفعها إليه أنها أم ولد صح اقراره لأنه أقربها، وهي في ملكه فبطل الرهن، لا على أنه كان رهناً، ثم انفسخ ولكن على معنى أنه انكشف أنه لم يكن رهناً يوم عقد، والذي يقتضيه مذهب يحي أن الراهن إن كان موسراً كان عليه أن يؤدي إلى المرتهن دينه، أو يجعل قيمته رهناً بدلاً منها، فإن كان معسراً لسعت في قيمتها للمرتهن، ولم ترجع به على سيدها، فإن جعلت قيمتها رهناً بدلها سعى الولد أيضاً بقيمته ورجع بها على المقر به، وإن جعلت قيمتها قضاء للدين سعى الولد بالأقل من قيمته.
مسألة:
قال: ولو أن المرتهن اشترط على الراهن أنه لا يضمن الرهن إن تلف، أو لا يضمن بعضه كان الشرط باطلاً، وكذلك إن اشترط الراهن على المرتهن أنه لا يضمن للمرتهن ماله من الفضل عن الرهن إن تلف كان الشرط باطلاً.
إعلم أن عقد الرهن اقتضى الضمانين على ما سنبينه بعد، فإذا شرط اسقاطهما، وعقد الرهن قد اقتضاهما بطل الشرط كالمضارب لو اشترط الضمان بطل شرطه، لأن عقد المضاربة اقتضى أن لا ضمان، وكذلك المودع لو اشترط ضمان الوديعة بطل شرطه، لأن عقد الإيداع اقتضى أن لا ضمان.
على أنه لا خلاف فيما ذكرنا عند من رأى تضمين الرهن.(88/11)
باب القول في تلف الرهن وانتقاصه وانتفاع المرتهن به
كل رهن كان فاسداص في الأصل فتلف، أو تلف بعضه كان ذلك من مال الراهن، وكل رهن كان صحيحاً فتلف، أو تلف بعضه ضمنه المرتهن.
والمرتهن والراهن يترادان الفضل لا خلاف أن الرهن الفاسد لا يضمن لأن الحق لا يتعلق به فيكون بمنزلة الوديعة.
وأما الرهن الصحيح فقد اختلف فيه، ومذهبنا ما ذكرناه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه أن مقدار الدين منه مضمون، فإن نقص عن الدين رجع المرتهن على الراهن بما نقص، وإن زاد بطل، وكان المرتهن فيه أميناً، وقال الشافعي: هو أمانه، وبه قال الناصر، وقد أجمع الصحابة على ان الرهن مضمون، فروي عن علي عليه السلام: (أن الراهن والمرتهن يترادان الفضل)، وروي عنه عليه السلام مثل قول أبي حنيفة وأصحابه.
وعن شريح: الرهن بما فيه، ولو خاتم من حديد، فحصل منهم الإجماع على الضمان، وإنما اختلفوا في كيفية الضمان، والقول أنه غير مضمون خروج عن اجماعهم.
على أن قول علي عليه السلام عندنا حجة، وقد ثبت عنه التضمين، وإنما اختلفت الرواية في كيفية الضَّمان.
ويدل على ذلك قول الله تعالى: (فرهان مقبوضه فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي أؤتمن أمانته)، ففصل بين الرهن والأمانة، فعلم أن الرهن ليس بأمانة، وإذا لم يكن أمانة كان مضموناً.
وروي أن رجلاً رهن رجلاً فرساً على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنفق عنده، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فقال للمرتهن: (ذهب حقك)، دل على أن الرهن مضمون.
فإن قيل: يحتمل أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم أراد بقوله: (ذهب حقك)، من الرهن، والوثيقة، فلا يككون لك مطالبة برهن آخر.
قيل له: هذا بعيد لأنه لم يكن له مطالبة برهن آخر مع وجود الرهن، فلو ككان المراد ما قلت لقال: لا يعود حقك، ولم يقل: ذهب حقك، فإن الحق الذي اشترت إليه ككان ذاهباً مع وجود الرهن.(88/12)
وكذلك إن قيل: لعل الرجل كان معسراً لم يكن يملك شيئاً غير الرهن فلما تلف قال: ذهب حقك، أي لا تصل إليه؟
قيل له: وهذا أيضاً مجاز، لأن حقه ثابت عنده، وإنما منع الإعسار من الإستيفاء، فلما كان الأمر في هذين السؤالين على ما بيناه ثبت أن الصحيح ما ذهبنا إليه من ذهاب حقه من الدين، إذ هو الحقيقة، وخطابه صلى الله عليه وآله وسلم محمول على الحقيقة دون المجاز، فصح ما ذهبنا إليه، ويدل على ذلك أيضاً قوله: (لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه، وعليه غرمه)، والغلق الهلاك عند اهل اللغة. قال كثير:
... غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ... ... ... غلقت لضحكته رقاب المال
أي هلكت، فأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنها لا تهلك، ولا يخلو المراد من أن يكون لا تهلك عيناً أو حكماً، ومعلوم أنه لم يرد به أن عينه لا تهلك، فيجبأن يكون المراد به لا تهلك حكماً، ولا وجه لذلك غير ضمان قيمته.
فإن قيل: إنه صلى الله عليه وآله وسلم أراد إبطال حكم كان في الجاهلية، وهو ان الراهن ككان يقول إن لو أوفك حقك إلى يوم كذا فالرهن لك.
قيل له: وهذا التأويل تابع تأويلنا فنقول بهما جميعاً.
فإن قيل: فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (له غنمه وعليه غرمه)؟
قيل له: ككذلك نقول: إن النماء والفوائد تكون له ملكاً، وإن كان رهناً وما يغرم عليه من المؤن يككون من مال الراهن، ونقول أيضاً: إنه إن نقص الرهن عن ادين كان غرمه على الراهن أي عليه أن يجبر النقصان عن الدين بالإيفاء، فإن كان زائداً على الدين رجع به على المرتهن، فيكون غنمه له، وغرمه عليه، وهذا أحد ما يستدل به على أنهما يترادان الفضل، ونقول إن الغنم مأخوذ من الغنيمة فما زاد من الرهن على الدين فهو غنم للرهن.
فإنت قيل: روي أنه قال: (الرهن من الراهن)، ولا يجوز أن يككون المراد به انه ملك له لأنه مستفاد بالإجماع فيجبأن يكوه المراد تلفه من الراهن أي من عنده.(88/13)
قيل له: ما يستفاد بالإجماع يجوز ان يكون مستفاداً من الخبر، فيكون الإجماع صادراً عن الخبر فبطل تعلقهم به.
ويدل على ذلك أن المبيع لما كان محتبساً بالثمن كان الرهن محتبساً بالدين، والعلة أن كل واحد منهما محتبس بمال الحابس متعلق برقبته ولا يلزم عليه المستأجر لأنه ليس محتبس بمال.
فإن قيل: المبيع مضمون بالثمن والرهن عندكم مضمون بالقيمة فلا يصح القياس؟
قيل له: نحن إنما عللنا للضمان فقط، فأما كيفية الضمان فهو كلام آخر، وأيضاً احتباس الرهن لما لم يصح إلا بمضمون ككالدين ونحوه وجب أن يكون مضموناً كالمبيع لما لم يصح احتباسه إلا لمضمون وهو الثمن كان مضموناً ويقاس على العبد الجني فيقال إذا تلف العبد تلف الحق لتعلقه بمال، وكذلك إذا تلف الرهن تلف الحق بمال، ولا يلزم عليه تلف الضامن لأنه ليس بمال، ويجوز أن يكون غير مال.
فإن قيل: لو تعلق الرهن بالحق لكان في براءة المرتهن من الرهن ابطال للحق رأساً، كما أن براءة المجني عليه من العبد ابطال للحق.
قيل له: لا يمتنع أن يكون التعلق على وجوه، ألا ترى أن الحق يتعلق بالضامن، وابراؤه لا يسقط الحق، ويتعلق بالمحتال عليه، واراؤه يسقط الحق فبان أن التعلق يختلق، ونحن عللنا للتعلق.
فإن قيل: لو كان صحيح الرهن مضموناً لوجب أن يكون فاسده مضموناً، كالوادئع والغصوب، ومال المضاربة، لأن الصحيح كالفاسد فقي باب الضمان.(88/14)
قيل له: هذا غلط فاحش، وذلك ان الإعتبار في جميع ذلك بالمعنى الموجب للضمتان، أو المسقط، فإن جمع المعنى بين الصحيح والفاسد اجتمعا في الضمان والسقوط، وإن افترق افترقا، ألا ترى أن صحيح المضاربة لا يقتضي الضمان، وفاسده يقتضي الضمان عندنا وعند أبي يوسف ومحمد، لأنه يصحير في حكم الأجير المشترك، وعندنا وعنهما أنه ضامن، وإذا فسدت الوديعة ضمنت؛ لأنها تكون في حكم الغصب فلم يمتنع أن يكون فاسد الرهن يخالف صحيحه؛ لأنه بالفساد مخرج عن كونه رهناً، كما خرجت الوديعة بالفساد عن كونها وديعة، وكذلك العارية الفاسدة عندهم لا تضمن كعارية الحر.
فإن قيل: اعتلالكم بأنه محبرس بالدين يوجب أن تكون فوائد الرهن مضمونه كالولد والثمر، لأنها عندكم محبوسة كالأصل.
قيل له: كذلك نقول فلا سؤال علينا فيه، وهكذا إن سألوا عن زيادة الرهن على الدين، لأنها عندنا مضمونة، لأنما نوجبأن يترادا الفضل، وأيضاً لما لم يصح الرهن غلا بما يكون مضموناً من الدين ونحوه، ولم يصح بالإعيان كالوديعة ونحوها، إذ بهلاكه لا تهلك الأعيان علم أن بهلاك الرهن يهلك الدين إذ لو لم يهلك به، لم يصح كما لا يصح في الأعيان، وأيضاً الرهن بدل من الدين، والدين مضمون كالثمن، لما كان عوضاً للمبيع، والمبيع مضمون، وجب أن يكون الثمن مضموناً، ولا يصح قول من يقول: إن الرهن بدل من الكتابة والشهود لأنها قد تجتمع، وأيضاً الرهن مقبوض للإستيفاء، فإذا هلك وجبأن يحصل الإستيفاء لأن كل مقبولض على وجه إذا تلف حصل ذلك الوده، ألا ترى أن المقبوض من المبيع والغصب لما كان مقبوضاً على وجه المضان كان تلفهما موجباً للضمان.
فإن قيل: فالمستأجر مقبوض لاستيفاء المنافع، وإن تلف لا يوجب استيفاؤها؟(88/15)