قال: وإن مات الراهن، وعليه دين أو أفلس كان المرتهن أولى بالرهن، وإن كان فيه فضل رده إلى الغرماء، وإن كان له فضل على الرهن، كان في الفضل أسوة الغرماء، لأن حقه قد تعلق بالرهن فصار أولى كامحتا ملا تعلقق جقه بما على المحال عليه صار أولى به من سائر غرماء المحيل على أنه ممالا أحفظ فيه خلافاً عن العلماء، ولأن ذلك لو لم يكن كذلك لم يكن للرهن فائدة، وخرج من أن يكون وثيقة للمرتهن.
مسألة:
قال: ولو أن مرتهناً أرتهن نخلاً أو شجرة من شجر الفواكه أو أمة مملوكة، أو ناقة، أو غيرها من الحيوان، فأغلت النخلة أو الشجرة، أو ولدت المملوكة، أو أنتجت الناقة، كانت الغلة والولد واللبن رهناً مع الأصل، ولم يجز للراهن أن يأخذ شيئاً منه حتى يؤدي جميع ما عليه.
قلنا: أن حق المرتهن سرى إلى الولد والنماء، لأنه حق ثابت في الرقبة كالكتابة، والتدبير والإستيلاد، ألا ترى أن جميع ذلك لما حقاً ثابتاً في الرقبة سرى إلى الأولاد، وكذلك حق المرتهن، ويبين أن حق المرتهن ثابت في الرقبة أنه يستوفي حقه من قيمتها إن تلفت، أو ثمنها إن بيعت ويكون أحق بها من سائر الغرماء.
فإن قيل: يلزمكم ذلك في الجناية.
قيل له: حق الجناية ليس بثابت في الرقبة، فلذلك لم يسر في الولد كما وجب أن يسري حق الرهن إلى الولد والنماء الحادث، وليس يلزم على ذلك أيضاً حق الإجارة، لأنه غير مستقر في الرقبة وإنما هو مستقر في المنافع، وكذلك الموصى بخدمته حقه ثابت في المنافع، وأيضاً لما كان الرهن محبوساً لاستيفاء الحق المتعلق به على وجه الوثيقة وجب أن يثبت حق الحبس في الأولاد والنما.
فإن قيل: السَّرَايَةُ إلى الأولاد تكون في العقود التي تقتضي انتقال الملك كالبيع والهبة والرهن لا يوجب انتقال الملك.
قيل له: عقد المضاربة لا يوجب انتقال الملك، ومع هذا ولد مال المضاربة يكون من مال المضاربة، ويقاس على الزيادة المتصلة بعلة أنها نما حادث من الرهن.(88/6)
فإن قيل: الزيادة المتصلة لا يمكن إزالتها فلذلك كانت رهناً.
قيل له: كان يجب أن يكون الرهن بمنزلة المشاع وكان يجب أن تكون الزيادة في حكم ماليس برهن على أوضاعكم فلما لم يكن ذلك علم أن العلة ما ذكرنا.
فإن قيل: قد ثبت في الأولاد والنما حق الملك، وحق الوثيقة، فليس لأحد أن يجعله تابعاً للوثيقة ألا وللأخران يجعله تابعاً للملك بل جعله تابعاً للملك أولى لأن الملك أوكد من الوثيقة.
قيل له: الملك والوثيقة لا يتنافيان، وليس يمنع إذا جعل تابعاً لأحدهما أن يجعل تابعاً للأخر، فالأولى ان يجعل تابعاً لهما جميعاً كما قلنا به، ألا ترى أن المدبرة ملا كانت ملكاً ومدبرة صار الولد تابعاً لها في الملك والتدبير جميعاً، فكذلك الرهن، وإذا ثبت بما بيناه أن هذه الحوادث رهن مع الأصول لم يجز للراهن أخذ شيء منها لا من الأصول ولا من الفروع حتى يوفي جميع ما عليه مما تعلق بالرهن.
قال: وإن خشي المرتهن فساد الثمرة أو اللبن وكان الراهن أن يبيعه للراهن، ووجهه ما قدمناه من أن للمرتهن عليه ضرباً من الولاية في الحفظ والصلاح، فجاز كما يجوز لرفقة الميت في السفر أن يبيعوا عليه ما يخشون فساده من مال الميت لما لهم من التعلق والإختصاص في معنى الرفقة، فصح أن ما ذكرناه أولى لأن حال الراهن أوكد من حال الرفقا.(88/7)
قال: ولو أن رجلاً رهن رجلاً جارية تساوي ألفاً على خمسمائة، ثم قال المرتهن زدني مائة أخرى لتكون رهناً على ستمائة فأعطاه على ذلك ورضي به كانت امة رهنا على ستمائة ولو أنه رهنه عبداً يساوي ألفاً على ستمائة فأعطاه على ذللك ورضي به كانت الأمة رهناً على ستمائة ولو أنه رهنه عبداً يساوي ألفاً على ستمائة ثم أعطاه عبداً أخر يساوي ألفاً على أنه زيادة في الرهن فقبضه المرتهن على ذلك كان العبد الثاني رهناً مع العبد الأول على ستمائة، وتجوز الزيادة في الرهن عند الشافعي، والزايادة في الدين على قولين، وهي جائزة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد، ولا تجوز الزيادة في الدين في قول أبي حنيفة، ومحمد، وقال أبو يوسف مثل قولنا أن الزيادة في الرهن والدين جميعاً جائزة والوجه في زيادة الرهن أن الزيادة تلحق العقد حتى تصير كأنها كانت موجودة فيه ابتداء كما أن من اشترى عبداً بألف ثم زاده البائع عبداً آخر دخل في العقد بحصة الألف من الثمن، ولا يجوز اعتبار الزيادة على حيالها كأنها رهن مبتدا كما لا يجوز ذلك في البيع لأن عقد البيع لا يجوز بالحصة، وما بيناه يبطل قول من قال: إن الضمان إذا ثبت في الرهن الأول لم يجز أن يرتفع عنه، ويتعلق بالرهن الثاني، لأنا قد بينا أنه لا يعتبر حال الرهن ثبت ما ذهبنا إليه في الرهن الثاني على زيادة الدين، لأن لدين، أعني الزائد منه لا يجب أن يعتبر حاله على حياله، وإنما يلحق العقد الأول حتى يصير كأنه كان فيه، ألا ترى أن الثمن تلحقه الزيادة حتى تصير الزيادة كأنها كانت في أصل العقد، فكذلك زيادة الدين تلحق عقد الزيادة حتى تصير الزيادة كأنها كانت في أصل العقد، فكذلك زيادة الدين تلحق عقد الرهن حتى تكن الزيادة كأنها في أصل العقد، قال: فإن كان المرتهن قبض العبد الثاني لا على أنه رهن كان الأول رهناً على ستمائة دون الثاني، وذلك أنه بنفس القبض لا يصير رهناً، وإنما يصير رهناً بأن يلحقاه بالعقد(88/8)
الأول، أعني عقد الرهن ويتراضيا بذلك فإما إذا لم يكن فمجرد القبض لا يجعله رهناً.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً استعار من رجل ثوباً، ورهنه عليه خاتماً كان الرهن صحيحاً، وكان أخذ المرتهن للرهن تضميناً للعارية، ولا فصل بين أن يكون الراهن تبرع بالرهن أو طلبه المرتهن، الأصل في هذا أنا نحمل عقود المسلمين على الصحة ما أمكن، ونصرفها إلى وجوه تصح معها كما يجوز بيع المخيض بزبد يعلم أنه أكثر من الزبد الذي فيه بأن يجعل ما فيه يقابل من الزبد بذلك الزبد ويجعل الزايد ثمناً للبن، وكذلك جوزنا أن يبيع ثوباً بدينار إلا مكوك طعام، وحملناه على أنه باع ثوباً ومكوك طعام بدينار ليصح العقد، فإذا ثبت ذلك، وثبت عندنا أن العارية تكون غير مضمونة إذا أطلقت، ومضمونة إذا اشترط ضمانها، وثبت أن الرهن لا يصح إلا بحق واجب، وعقد الرهن بينهما فلم يمكن تصحيحه، إلا بأن يجعل العارية مضمونة، ويجعل تراضيهما للعارية بالرهن تضميناً.
فإن قيل: هب أن ما ذكرتم قد صح فلم صححتم الرهن على حق لم يجب، لأن العارية ما دامت قائمة بعينها فليس على المستعير قيمتها.
قيل له: قد حصل سبب الوجوب، وهو العارية المضمونة فجرى مجرى الوجوب.
فإن قيل: فهلا جوزتم أخذ الرهن على ضمان الدرك.
قيل له: لأن ضمان الدرك أمر لا يعرف له غاير، لأنه لا يدري هل يكون أم لا، ومتى يكون فلو جوزنا أخذ الرهن على ذلك كنا قد أتلفنا الرهن لأن افتكاكه كان لا يصح أبداً، وهذا خلاف قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الرهن لا يغلق)، وليس كذلك في العارية، لأن المستعير متى أأراد افتكاك رهنه رد العارية، فإن تلفت العارية اعطى قيمتها وافتك رهنه، فبان أن هذا خلاف ضمان الدرك، وقلنا لا فصل بين أن يتبرع بالرهن، وبين أن يطلب المعير لأنهما إذا تراضيا به، وتعاقدا عليه كان الأمر واحد جائزاً وجواز أخذ الرهن على الأعيان المضمونه بالقيمة نحو الغصب والرهن والمختلغ عليه، وبه قال أبو حنيفة.
مسألة:(88/9)
قال: وإذا أذن المرتهن للراهن في بيع رهنه كان ذلك فسخاً لرهن، فإن تلف قبل البيع لم يضمنه المرتهن.
إعلم أن هذا الإذن يكون على وجهين قد يكون له أن يبيعه، ويتصرف في ثمنه كيف شاء، وقد يأذن له ان يبيعه، ويجعل ثمنه رهناً بدلاً من العين، أو يوفي حقه من ثمنه، فإن كان على الوجه الأول فهو الذي أراد في المسألة فيجب أن يكون الرهن منفسخاً، ويسقط ضمانه على المرتهن، وذلك أنهما قد تراضيا بأن لا يتعلق حق المرتهن بالرهن، وليس الفسخ له أكثر من ذلك، وإن كان على الوجه الثاني فهو رهن بحاله إلى يقع البيع.
مسألة:
قال: وإن رهن أرضاً فيها زرع بينه وبين الزارع فأدخل الزرع مع الرهن كان ذلك فاسداً، وهذا على إبطال رهن المشاع وأن الرهن فيه يكون مشاعاً بين صاحب الأرض والزرع، وهو الصحيح الذي نقول به.
قال: وإن رهن الأرض وحدها كان ما يحصد له من الزرع رهناً مع الأصل، وهذا يجب أن يكون المراد به إذا كان الزرع كله لصاحب الأرض فرهن الأرض ولم يذكر الزرع فيدخل الزرع في الرهن كما يدخل سائر النما على ما تقدم القول فيه.
فإن قيل: فإذا لم يدخل الزرع في البيع فكيف يدخل في الرهن.
قيل له: لأن بيع الأرض يصح دون الزرع ولا يصح رهنها دون الزرع فحملنا عقد الرهن على الصحة وأوجبنا الرهن فيه لأنا نحمل عقود المسلمين على الصحة كما بيناه والأولى ان يحمل هذا على أنه رهن الأرض ولا زرع بها ثم زرع.
مسألة:
قال: ولو أنه رهن رجل أرضاً فغلب عليه العدو، وأخرجوا أهل البلد من البلد فلم يقدر الراهن، ولا المرتهن على الأرض بطل الرهن، وكان مال المرتهن على الراهن قلنا إن المرتهن لا يضمنها ويكون حقه على الراهن، لأن الأرض المرهونة لم تتلف، ولم تستهلك، وإنما حيل بينه وبينها مع أنها قائمة بعينها فلا معنى لتضمينها المرتهن، وهي قائمة بعينها لم تستهلك، ولم تتو، وإذا لم يضمنها المرتهن لم يتو حقه الذي كان على الراهن.(88/10)