كتاب الرهون
باب القول في أحكام الرهن وتوابعه
لا يصح الرهن قبل وجوب الحق نحو أن يرتهن رجل من رجل رهناً على أن يقرضه مالاً، فإن رهنه على ذلك ثم قبض المال صح الرهن تخريجاً.
معنى قولنا أن الرهن لا يصح لأن الراهن يأخذه متى شاء، وليس للمرتهن منعه، وأنه إن تلف في يدا المرتهن لم يضمنه، وإنما قلنا أنه إذا رهنه قبل وجوب الرهن الحق إن الرهن لا يصح، لأنه إنما يجوز إحتباسه للمرتهن لتعلق حقه به، وضمانه لاحتباسه ولا لضمانه إذا لم يكن محتبسا في يده، فأما إذا رهنه على أن يعطيه مالاً قرضاً ثم أقرضه وجب أن يستقر الرهن لأن عقد الرهن كان قد حصل، ولم يكن استقر بل كان موقوفاً على الفسخ، أو التقرير كالبيع الموقوف يكون موقوفاً على الفسخ أو التقرير فكذلك ما ذكرناه من الرهن، فإن أخذه الراهن إنفسخ فإن أقرضه ما شرط له إستقر الرهن إذ قد حصل السبب المقرر له، وهو القرض.
قال: ولا يصح رهن المشاع ولا رهن مالم يقبضه المرتهن، وقال في المنتخب، يجوز رهن المشاع.(88/1)
أما كون الرهن مقبوضاً فهو قول زيد بن علي عيه السلام، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه والشافعي، ولا أحفظ فيه خلافاً بين العلماء، إلا شيئاً يحكى عن أبي ثور مذكور في تعليق ابن أبي هريرة أنه قال: إن الرهن يصح بمجرد العقد، والديل على ذلك قول الله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}، ونحن لم نعرف حكم الرهن إلا من الآية، والآية وردت بذكر قبض الرهن، فلم يثبت الرهن إلا مقبوضاً، وهذا يبطل قول من يقول أن الآية وردت على سبيل النكرة، فدل على جواز رهن غير مقبوض، إذ قد بينا أن حكم الرهن مأخوذ من الآية، ولم يرد إلا موصوفاً بالقبض على أن المحكي عن من أجازه غير مقبوض، أن الراهن لو مات لم يلزم الورثة تسليمه إلى المرتهن، وتخصيصه بالثمن دون سائر الغرماء، وهذا إزالة معنى الرهن فلم يكن معنى الرهن غير مقبوض فأما رهن المشاع فقد اختلف فيه، فذهب أبو حنيفة، وأصحابه إلى أنه لا يجوز، وهو رواية الأحكام، وهو الصحيح، وذهب الشافعي إلى جوازه، وهو رواية المنتخب، وهو قول الناصر، ووجه قولنا أنه لا يجوز رهن المشاع، أنا قد بينا أنه لا بد من أن يكون مقبوضاً وأن القبض متى لم يكن زال الرهن، لأن معناه الإحتباس وثيقة، ورهن المشاع يوجب استحقاق القبض بامهاياه، وهذا يمنع دوام القبض.
فإن قيل: أليس السلعة تكون في يد البائع على سبيل الوثيقة إلى أن يستوفي الثمن، ومع ذلك يصح في المشاع فما أنكرتم مثله في الرهن.
قيل له: الوثيقة في السلعة يقع التسليم للمشتري، وذلك مستدام، والوثيقة في الرهن أن يقبضه فيجب أن يكون القبض مستداماً، ويمكن أن يجعل هذا ابتداء دليل في المسألة.
فإن قيل: قد يصح عندكم بقاء الرهن مع خروجه عن يد المرتهن، وهو إذا استعاره الراهن فما أنكرتم مثله في رهن المشاع؟(88/2)
قيل له: يد العارية غير مستحقة على المعير المرتهن، فلم يشبه ذلك رهن المشاع، لأن يد شريكه مستحقة فلم يسلم القبض، ومع الإعادة يكون القبض سليماً إذا لم يكن ما يوجب زواله، ولم ينطوي العقد عليه كما انطوى عليه عقد رهن المشاع.
فإن قيل: فقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع مالم يقبض، ومع هذا يصح بيع المشاع، فبان أن قبض المشاع متأت.
قيل له: لسنا نمنع من تأتي القبض في المشاع، وإنما هذا يصح بيع المشاع، وإنما يمنع إستدامة القبض في المشاع، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع مالم يقبض، اقتضى النهي عن بيع مالم يحصل فيه القبض، فإذا حصل القبض خرج من عهدة الخبر، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يجعل القبض صفة لمبيع، وليس كذلك الرهن، لأن الله تعالى جعل كونه مقبوضاً صفة له فمتى خرج عن القبض خرج عن كونه رهناً، ووجه ما ذكره في المنتخب هو ما أوردناه على سبيل الأسئلة، والصحيح ما تقدم.
مسألة:
قال: وإذا أعار المرتهن الرهن إلى الراهن خرج عن ضمانه، ولم ينفسخ الرهن، كذا أجمع ذلك قول أبي حنيفة وأصحابه خروج المرتهن عن ضمانه، ولأنه لا وجه لأن يضمن شيئاً هو في يد صاحبه مالم ترجع يده عليه، ألا ترى أن الغصب إذا حصل في يد المغصوب منه، وتلف لم يضمنه الغاصب مالم يعد في يده ثانياً، وكذلك الرهن، وأما بقاء الرهن على ما كان عليه، فهو ظاهر على القول الذي قال أنه يجوز رهن المشاع، لأن صحة الرهن على هذا القول يتعلق بحصول القبض دون دوامه، وأما على القول الذي يقول أنه لا يجوز رهن المشاع فوجهه ان يد الراهن غير مستحقة كما يكون في المشاع، بل حكم يد المستعير حكم يد المعير لأنه يمسكه بيده، وينفذ رفع يده شاء.
مسألة:(88/3)
قال: ولو أن رجلاً كان له على رجل دين فطالبه بالرهن فتبرع آخر ودفع الرهن إلى صاحب الحق كان الرهن فاسداً، وإن ضمن عنه المال ثم دفع إليه الرهن كان صحيحاً، وذلك أن التبرع بالرهن من غير أن يكون على الراهن حق يمنع صحة الرهن على ما بيناه في صدر الكتاب، فإن قال: أرهنه عن فلان يعني المطالب بالدين فيجب أن يصح لأنه إذ ذالك يكون بمنزلة من أعاره حتى رهنه، فأما إذا ضمن المال ثم دفع الرهن فهو صحيح، لا إشكال فيه، لأن الحق قد وجب بالضمان، والرهن بذله على حق لزمه.
قال: ولو تكفل بوجهه ثم أعطاه الرهن كان فاسداً، وذلك أنه لا يلزمه لكفالة الوجه مال، فلا يصح الرهن، لأن الرهن يصح على المال، لأن الله تعالى أمر بالرهن على الدين، لأنه قال: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}، عقيب: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ}، وأيضاً لو مات المكفول به لم يلزم الكفيل شيء فيخرج الرهن عن أن يكون هل معنى، والذي يجيء على مذهبه ألا يصح الرهن في كل ما جرى مجراه من أوديعة، ومال المضاربة وأرقبة المستأجرة، وما أشبه ذلك وجه الذي قدمناه، وبه قال أبو حنيفة حكاه أبو بكر الكرخي، وقد بينا في صدر هذا الكتاب معنى قوه: لا يصح الرهن، فلا معنى لإعادته.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً قال لآخر إن لم يعطك فلان حقك عند رأس الشهر فهو عليَّ، وأعطاه الرهن لم يصح الرهن إلا بعد رأس الشهر وحين وجوب الحق عليه، وهذا قد مضى وجهه، وهو أن الرهن يصح بعد وجوب الحق، والحق لم يثبت على الراهن إلا عند رأس الشهر، فلا يكون الرهن صحيحاً، ويصح بعد رأس الشهر، وإن كان العقد متقدماً لأنه يستحق الرهن بحصو وجوب الحق على ما بيناه.
مسألة:(88/4)
قال: وامرتهن لا يملك شيئاً من الرهن إلا لزومه بحقه، وليس له أن يبيعه، ولا أن يرهنه، ولا أن يعيره، ولا أن يؤجره، ولا أن يزرعه إن كان أرضاً، ولا أن يركبه إن كان مركوباً، إلا بإذن صاحبه، وهذا مالا خلاف فيه، لأن الرهن في يد المرتهن لوثيقة، فقط دون ما سواها، فليس لله أن يتصرف فيه غير الحفظ والإحتباس له.
قال: وإن كان الرهن حيواناً كان علفه وأجرة من يقوم عليه ويرعاه ويحلبه إن كان له لبن، كل ذلك من مال الراهن، وإن كان زرعاً، أو ثمراً كانت أجرة من يحصده ويجذه ويسقه من مال الراهن، وكذلك إن كان مموكاً كانت نفقته من مال الراهن، وذلك لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه، وعليه غرمه)، فاقتضى عموم قوله: (وعليه غرمه)، أن تكون جميع هذه المؤن عليه، لأنها الغرم كما أن جميع تلك الزيادات له لأنها الغنم، وأيضاً الرهن من ما راهن فيجب أن تكون نفقته عليه، وإن كان في يد امرتهن كالعبد المستأجر، والجمل المستأجر، وهذا ممالا أعرف فيه خلافاً، وليس يشبه هذا العبد المبيع يكون في يد البائع لاستيفاء الثمن لأن ملك المشتري لم يتم بعد.
قال: وإن كان الراهن غائباً وإلتزم ذلك كله امرتهن ضمنه لله الراهن، وذلك أن للمرتهن على الرهن ولاية الحفظ والإصلاح، فأشبه ما ينفقه عليه نفقة الولي على من يلي عليه في أنه يرجع في ماله لأنه أنفق بحق الولاية، فكذلك المرتهن.
قال أبو حنفية إن كان أنفق بإذن القاضي رجع على الراهن، وإلا لم يرجع.
مسألة:(88/5)