قال: وإذا وقعت القسمة صحيحة عادلة لم يكن نقضها للغائب إذا حضر ولا للصبي إذا كبر، وإن كانت وقعت غير صحيحة كان لهم أن ينقضوها، فإن كان بعضهم قد باع حصته انتقض البيع، إذا أجمعوا على ان القسمة وقعت غير صحيحة وعلى سبيل الغلط وأقروا بذلك انتقضت القسمة، فإن اختلفوا فالبينة على من يدعي الغلط، لأن الأصل في معاملات المسلمين الصحة، ألا ترى أن أحد المتبايعين إن ادعى فساد البيع، وادعى الآخر صحته كانت البينة على مدعي الفساد، واليمين على مدعي الصحة، وكذلك في القسمة، وما يدعلي من الغلط على سبيل التغابن لم يسمع كما لا يسمع من المتبايعين والقسمة مع التغابن تصح إذا رضي به الشركاء كما يصح البيع، إذا رضي به المتبايعان، إلا أن يكون في القسمة غائب، أو صبي لم يرض بها كما يكون ذلك في البيع، وإنما يكون الغلط فيها أن يدفع الثلث إلى من يستحق السدس، او السدس إلى من يستحق النصف، أو ما أشبه ذلك لو جعل لبعضهم مالا ينتفع به على سبيل الغلط، وما جرى مجراه فإذا كان ذلك نقض الحاكم القسمة كما ينقض البيع، إذا جرى فيه ما يفسده، فإن كان بعض الورثة باع نصيبه نظر في الغلط، فأن كان ثبت بإقرارهم لم ينتقض البيع بل يلزمهم تعديل القسمة فيما في أيديهم من المقسوم والثمن وإن ثبت الغلط بالبينة عند الحاكم انتقض البيع، لأن باقرار من خرج الشيء عن يده، ودعوى شركائه لا تفسد البيع كما أن رجلاً لو باع من أخرتم ادعى أنه كان في يده على سبيل الغصب، وأنه كان ملكاً لفلان، وصدقة فلان يكون المشتري أولى بما اشتراه لا ينظر إلى إقرار البايع ولا دعوى الآخر، وإن ثبت ذلك بالبينة عند الحاكم انتقض البيع، فهكذا القسمة.(87/3)
قال: وإذا كانت أرضين متفرقة بين جماعة وكان لبعضهم فيها يسير، ولبعضهم فيها كثير، وكانت حصة صاحب اليسير في كل موضع منها مالا ينتفع بها لقلتها كان له ان يقول لشركائه أجمعوا حصتي في موبضع واحد، وحكم له عليهم بذلك، وقال أبو حنيفة: تقسم كل قطعة منها على الإنفراد، وقال أبو يوسف ومحمد مثل قولنا، وقالا هو على ما يراه الحاكم من الصلاح لهم، وبه نقول، ووجه قولنا أن القسمة موضوعة لصلاح الشركاء وتحرِّي منافعهم، فإن ثبت عند الحاكم أن صلاح بعضهم أن يجمع نصيبه في بعض المقسوم دون بعض، ولم يكن في ذلك ضرر على الباقين، وجب أن تمضي القسمة على ذلك، ويحكم بها على الشركاء كما يفعله في الدار الواحدة، والقطعة الواحدة، والحانوت الواحد، لأنها قسمة وقعت على الصلاح ولا ضرر فيها على الشركاء.
فإن قيل: هذا يجري مجرى البيع ولا يجوز الإجبار على البيع.
قيل له: فكل قسمة تتضمن معنى البيع فكان الواجب ألا يجبر على شيء منها.
فإن قيل: فلا يمتنع ان تتفاوت أحوال الدور المتفرقة والأرضين المتفرقة، فلا يصح قسمة بعضها في بعض.
قيل له: يعدل التفاوت بالتقويم، ألا ترى أن العرصة الواحدة إذا كانت واسعة الأطراف يتصل بعض جوانبها بالعمارة، وبعضها في بعض فكذلك ما أنكرتموه.
فإن قيل: إذا ثبت أن الأجناس المختلفة لا يقسم بعضها في بعض لتفاوتها فكذلك ما اختلفتا فيه.
قيل له: قد أجبنا عن التفاوت بما كفى ونحن لا نقول أن الأجناس المختلفة لا تقسم بعضها في بعض على ما سنبينه من بعد.
مسألة:(87/4)
قال: ولو أن رجلاً كان له نصيب في جربة، أو عبد واضطر إلى بيعه وكان لا يشترى نصيبه منفرداً حكم على شركائه بابتياع نصيبه منهم أو بيع حصصهم معه هذا قول يحي عليه السلام، وإن كان له وجه في النظر فإني لا أقول به لأني لا أعرفه لأحد قبله ولا آمن أن يكون خارجاً عن الإجماع فإن كان له قائل ولم يكن خارجاً عن الإجماع فوجهه من النظر أن يقال أنه إجبار لبعض الشركاء على المعاوضة على ما يملكونه على سبيل الشركة توخياً للصلاح من حيث لا ضرر فيه فأشبه القسمة فوجب أن يلزم الحكم به كما يلزم احكم بالقسمة، ألا ترى أن إزالة الشركة لا ضرر فيها دليله الشفعة، فإنها موضوعه لدفع ضرر المشاركة والمجاورة، والله أعلم.
مسألة:
قال: ولا بأس بقسمة الأرض التي فيها ثمر هذا جائز لأن تعديل الأنصبا فيه بالتقويم، وكلما أمكن تعديل الأنصبا فيه بالتقويم جازت قسمته اختلفت الأجناس، أو اتفقت، ويدل على ذلك ما أجمعوا عليه من جواز قسمة البناء مع الأرض، والبناء مخالف للأرض أكثر من مخالقة الأجناس فيجب أن يكون ما ذكرناه جائزاً.
(فصل)
نص في المنتخب على أن بيع السقوف مزارعة لا يصح لما فيها من الإختلاف فاقتضى ذلك ألا يجوز قسمتها مزارعة كما أجازها أبو حنيفة وأبو يوسف على الإختلاف بينهما في كيفية القسمة، ويجب أن تكون قسمتها على التقويم كما ذهب إليه محمد وذلك ان التقويم أقرب إلى التسوية والتعديل.
مسألة:
قال: ولو أن شريكين اشتركا في كرم أو ما أشبهه فاقتسما الأصول دون الفروع كانت القسمة باطلة لهم ان ينقضوها متى لم يتراضوا بها حتى يقتسموا الفروع مع الأصول، ووجه أن البيع على هذا لا يصح فوجب ألا تصح القسمة لأن القسمة بمعنى البيع على أن لا إلتباس في أن قسمة القوائم من الحيوان دون الأعالي لا تصح كما لا تصح في البيع، وعلى هذا سبيل قسمة الأصول دون الفروع فوجب ألا يصح.
مسألة:(87/5)
قال: وإذا اعوجت النخلة فصار فرعها في غير أرض صاحبها حتى تسقط فيها ثمرها حكم على صاحب الأرض لصاحب النخلة تسليم ثمرها إليه، وحكم على صاحب النخلة بقطع ما صار في أرض ذلك من فروع النخلة، أو رفعها عنه إن أمكن، ويقتضي على صاحب الأرض بتسليم ما تساقط إليها من ثمر النخيل لأنه يملك أولى بما ملك، ويقضى على صاحب النخلة بقطع ما أشرف على أرضه من فروعها، أو رفعه لأن من ملك أرضاً كان أولى بهوائها إلى حيث انتهى ليس لأحد أن يتصرف فيه ببناء ولا غيره وهذا مالا خلاف فيه.
مسألة:
قال القاسم عليه السلام: ولا بأس ببيع الماء في العيون والأنهار، وقسمته بين الشركاء أما قسمة الماء بين الشركاء فظاهر بين المسلمين لا يتناكرونها، ولا يتدافعونها، فلا وجه لإنكار منكرها على أن التعديل فيه ممكن بالأجزاء كما يمكن فيما يكال ويوزن والعلة أن التسوية والتعديل بالإجراء فيه ممكن من غير أضرار فيه بأحد الشركاء فإذا صحت القسمة فيه بما بيناه، وجب أن يصح البيع، لأنا قد بينا أن القسمة تضمن معنى البيع.
فإن قيل: إنه مجهول فلا يصح بيعه.
قيل له: بل معلوم القدر فيما تمس إليه الحاجة، وما يضبط به مثله لأنه يجوز أن يضبط بالمجرى والأوقات التي يجري فيها، وإن لم يضبط مقادير أجزائه كما أن المكيل والموزون يضبطان بالكيل والوزن، وإن جهلت مقادير حباته، وكذلك الثياب تضبط بالذرع والأرضون بالحدود والمساحةن وإن جهلت مقادير إجرائها، فكذلك الماء مضبوط بما بيناه فيجب ان يصح بيعه، ولا يفسد من هذه الجهة.
فإن قيل: فهو في حكم المباح لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الناس شركاء في ثلاثة، في الماء والنار والكلام، وما كان كذلك لم يجز بيعه).(87/6)
قيل له: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أثبت فيه الحق للناس في مقدار ما يحتاج إليه للمنفعةن والوضوء، وما جرى مجراهماا دون ما سوى ذلك، ألا ترى أن المسلمين قد أجمعوا على أنه لا يجوز لأحد أن يسقي زرعه بماء صاحبه إلا بإذنه فبان أنه مما يصح تملكه، وأنه قد لا يجري مجرى المباح، وإذا صح ذلك صح بيعه قياساً على ماء الأبار، والمعنى أنه ماء مملوك.
مسألة:
قال: ولا اقتسم الشريكان أرضاً بينهما فوقعت بئر حدهما في نصيب صاحبه لم يكن لصاحبه منعه من الدخول إليها، فإن كان يضر به إستأنفا قسمة جديدة بينهما، وللبئر حرمتها، ووجهه أن الذي يستحقه كل واحد من الشريكين بحق ملكه هو تعديل الأنصباء على وجه ينتفعان به يبين ذلك أنه لا يقسم ما قسمته ضرر، فإذا وقعت القسمة على وجه يلحق الضرر أحدهما دون الآخر لم يكن فيها تعديل لأن التعديل هو المساواة فيما استحقاه بالملك ولا تجوز القسمة على هذا فإما أن تبطل، وتقسم قسمة جديدة، او يجعل لصاحب البئر طريقاً إليها لشريكه ليزول اللضرر ولا بد للبئر من الحرمة، لأن منافعها تتم بالحريم، لما بيناه.(87/7)