قال: وليس لصاحب السفل أن يبيع نقض سفله، وإن كان معسراً، وله أن يبيعه قائماً، غير منقوض، وذلك لأن في نقضه ابطال حق صاحب العلو، وهذا مما لا خلاف فيه، فأما إن باعه قائماً غير منقوض فذلك جائز، ولا ضرر على صاحب العلو فيه إذ حقه ثابت، لا مانع من استيفائه.
قالك وكذلك القول في العين والنهر يكون بين شريكين أو شركاء يعمره أحدهم بالكسح، أو بناء المسناة، أو غير ذلك مما لا بد منه لم يكن لمن لم ينفق فيه شرب حتى يرد على شريكه ما غرم في حصته.
ووجهه ما تقدم في المسألة الأولى فلا معننى لإعادته.
مسألة:
قال: وغذا اختصم الجيراان في عرض الشوارع والأزقة، فأحسن التقدير في الشوارع التي تجتازها المحامل والعماريات أن يكون اثنتي عشر ذراعاً، وأن يكون عرض الطريق التي هي دون ذلك سبعة اذرع، وأن يكون عرض الأزقة التي لا منفذ لها على عرض أوسع باب فيها، هذا الذي ذكره من التقدير هو ضرب من الإجتهاد، وما عرف من جهة العادة اأن فيه دفع ضرر عن المستطرقين، وعن الجيران، وهو على ما ذكره فيه، وهذا التقدير يحتاج إليه في موضعين: إما أن يلتبس حال الطريق، وحال ما حولها، من الأملاك، فيرجع إلى هذا التقدير.
وإما أن يكون حول الطريق أرض موات فيمنع من أراد الإحياء إلا بعد أن يجعل للطريق هذه التقديرات، فأما إذا كان حول الطريق أملاك متميزة عن الطريق لا التباس فيها فحكم الطريق أن يترك على ماهو عليه من الضيق والسعة.
ولتقدير الزقاق على اوسع باب فيه وجه آخر، وهو أن من أراد دخول داره فله أن يدخل من أي موضع شاء من بابه، وكذلك من أراد الخروج فيصير كلما اتصلت طريقاً، ولعلك هذا الوجه في عرض الدار التي في صدر الزقاق أوضح.
مسألة:(86/2)


قال: ويجب أن يمنع الناس من فتح الكنف إلى الطرق والشوارع، وأن تهدم الصوامع المشترفة على دور المسلمين من المساجد إذا كان تبدو حرمهم لمن ارتقى فيها، ومنع من ذلك كله لأنها أجمع ضرر بالمسلمين، وقال صلى الله عليه وىله وسلم: (لاضرر ولا ضرار في الإسلام).
فإن قيل: ألستم لا تمنعون الجار أن يبني لنفسه ما يمكن الإشراف فيه، على منزل جاره بل تقولون إن جاره هو الذي يعمل لنفسه الستر إن احتاج إليه، فكيف قلتم إن الصوام تهدم إذا أمكن الإشراف منها على دور المسلمين؟
قيل له: لأن الصوامع بنيت لمصالح المسلمين، فإذا حصل فيها الضرر لبعض المسلمين زال الوجه الذي بنيت له فوجب نقضها، والدور والمنازل لم تبن لمصالح المسلمين بل كل إنسان له أن يعمل في ملكه ما يريد، ويبني ما شاء لا يمنع منه، لأن في منعه منه إدخال الضرر عليه، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيبة من نفسه) ولا يحل هدم بنائه في ملكه، ولا منعه من بنائه.
مسألة:
قال: وإذا كانت مزارع ونخيل بعضها منخفض عن بعض، أمسك صاحب الأعلى الماء للزرع، إلى الشراكين، وللنخل إلى الكعبين، ثم يرسل الماء إلى من هو أسفل منه، ثم كذلك يفعل من هو أسفل منه حتى ينتهى إلى آخر الضياع إن كان كثيراً أو ينقطع أن كان يسيراً، هذا ذكره على ما عرف من حادة تلك الأرضين إلى الماء، وعلى ما جرت له عادات أهل تلك الديار، ولعى ما علم من كفاية هذا القدر لمزارعهم، فإن كانت مزارع تكون حاجتها إلى أكثر من هذا القدر أو أقل كان العمل على مقدار الحاجة، وهذا إذا لم يكن الجميع شركاء في المااء وكان حق الأسفل في الصبابات دون أصل النهر، فأما إذا كان للجميع حق في أصل النهر، وكان الكل فيه شركاء أصحاب الأصفل، وأصحاب الأعلى فيجب أن يقسم المائين الجميع على مقادي حقوقهم قل الماء أو كثر ليكون النفع عائداً على الجميع والضرر إن قل الماء لاحقاً للجميع.
مسألة:(86/3)


قال: وأحسن ما يعمل عليه في حريم رأس العين العظيمة التي يفور ماؤها أن يجعل خمسمائة ذراع من جوانبها الأربع، ولا يدخل على صاحبها غيره في حريمها، ولا يحفر فيه، وإن يجعل حريم البئر الجاهلية خمسين ذراعاً، من كل جانب وأن يجعل حريم البئر الإسلامية الحادثة أربعين ذراعاً، وهذه المقادير على ما مضى ذكرها، بحسب أحوال البئر، وتلك الديار، وما عرف من الحادة إلى ما ذكر، وهذا على ما قدمنا القول فيه يكون على وجهين إذا إذا إلتبس الأمر في الحريم، أو كان حول هذه الآبار والعيون أرضوان مباحة، فيمنع من أراد الإحياء في مقادير حريمها فأما إذا كان حولها أملاك معروفة ثابتة، فلا يمنع الملاك من أملاكهم.
مسألة:
قال: وإذا اشترك رجلان في عين أو بئر كان لكل واحد منهما أن يجري ماله من النصيب في الماء إلى أي أرضه شاء بعد إلا أن يكون مضاراً لصاحبه، وذلك أن الماء إما أن يكون ملكاً له، أو حقاً فأيهما كان فهو أولى به مالم يضار غيره من نحو أن يكون لغيه في صبابته حق يقطع عنه بإجراء الماء إلى غير ذلك الموضع، فلا يجوز أن يحتاج إلى سكر لأخذ الماء يضر بالنهر، أو لا يتم إلا بان يستعمل ملك غيره فإنه لا يجوز، فأما إذا سلم مما ذركنا وما أشبهه فصاحب الماء أولى به يخرجه إلى حيث شاء.(86/4)


باب القول في القسمة
إذا مات الرجل وخلف تركة، وورثة فيهم غيب وصغار، وطلب الكبار الحاضرون قسمتها كان للحاكم ان يقسمها بينم ويستحب إحضار الغيب فإن لم يفعل جاز.
إعلم أن القسمة كلها في معنى البيع وجارية مجراه لأن حق كل واحد من الشركاء شائع في الجميع فإذا فرز حق أحدهم كان قد جعل غيره عوضاً عما جعل من حقه لذلك الغير، وهذا هو البيع لأنه يملك كل واحد منما صاحبه ما ملك بعوض أخذه منه وذهب أبو بكر إلى أن القسمة فيما يكال أو يوزن ليس فيها معنى البيع، ومعنى البيع في سائر الأشياء التي تقوم للقسمة وليس ذلك كذلك لأن الذي بيناه حاصل فيما يكال ويوزن كحصوله فيما لا يكال ولا يوزن، ودخول التقويم فيما لا يكال ولا يوزن لا يخصصه بالبيع دون مالا يددخله التقويم مما يكال ويوزنه لأنه قد يقوم اشيء لا للبيع، وقد يباع بغير تقويمن وإنما يدخل التقويم في القسمة حيثث يدخل التعديل للأنتصباء فقط، وإما إذا أمكن التعديل بغير التقويم لم يحتج إلى التقويم، فإذا ثبت ذلك فالقياس ألا يجبر أحد على القسمة لأنها بمعنى البيع ولا يجبر أحد على بيع ملكه مع سلامة الأحوال لكن المسلمين أجمعوا على أن القسمة تجب وجيبر عليها من أبى من الشركاء إذا تعلق النفع والصلاح بها ولم يكن على الشركا فيها ضرر فعدلنا عن القياس واتبعنا الإجماع.
(فصل):(87/1)


فإذا مات الرجل وخلف تركة وورثه وطلب الورثة أو بعضهم القسمة نظر، فإن كان المال ثوباً واحداً أو عبداً واحداً، أو حيواناً واحداً أو فصاً واحداً، أو حانوتاً واحداً صغيراً لا ينتفع به مع القسمة، أو حماماً واحداً لم يقسمه الحاكم لأن الغرض بالقسمة نفع الشركاء وصلاحهم، فإذا أدت القسمة إلى الفساء والضرر لم يقسم الحاكم، وخلى بينم فإن اقتسموا هم على وجه التراضي ما يتأتى القسمة فيه لم يمنعهم، فأما ما عدى ما بيناه وما يجري مجراه مما يتأتى فيه القسمة، ويكون في القسمة نفع فإن الحاكم يقسم إذا طلبوا القسمة، أو طلبها بعضهم لا خلاف في ذلك، وكذلك إن كان فيهم صغار، أو غيب على ما نص عليه، وهذا من مذهبه يدل على أنه يرى الحكم على الغائب لأن القسمة تتضمن معنى البيع والحكم، وقد أجازهما على الغائب.
مسألة:(87/2)

77 / 149
ع
En
A+
A-