باب شركة الأبدان
لا بأس أن يشترك الصانعان في صناعتهما، ويقتسما ماا رزقهما الله تعالى من كسبهما بينهما نصفين، ويكون الضمان عليهما نصفين، فإن اشترطا في االربح لأحدهما الثلث، وللآخر الثلثين كان الشرط باطلاً، وكان الربح بينهما نصفين لأن االضمان عليهما سواء، وهذه الشركة تسمى شركة الأعمال، ولا يبعد ان يقال شركة الوجوه، وهذه أسمااء والمرجع إلى معنى واحد، قال أبو حنيفة هي صحيحة، وقال الشافعي لا تصح، وأبطلها، وهذه الشركة مثل شركة الوجوه في شراء الأموال، وكل واحدة منهما تتضمن التوكيل هذه في التقبل والعمل من كل واحد منهماا لصاحبه، ويدخل الضمان فيه على سبيل التبع للتقبل وتلك تتضمن التوكيل من كل واحد منهما لصاحبه في شراء الأموال وبيعهاا على سبيل التبع من حيث التمليك، ووجه صحة هذه ما ذكرنا في تلك، وذكر أبو بكر الجصاص ان هذه الشركة معقودة على الضمان، وما ذكرنا أولى بمذهب يحي بن الحسين عليهما السلام، لأنه أشار إلى تقبل الأعمال في العهدة التي ذكر انها تكثر بين هذين الشريكين، قال أبو بكر: ألا ترى أنه لا يجوز أن يقول تقبل أنت بعمل تعمله على ان يكون الربح بيني وبينك، وليس لهما ما يستحقان عليه الربح فإذا لم يكن هناك وجه يجوز أن يستحق عليه الربح غير الضمان صار عقدهماا للشركة متضمناً للضمان، وموجباً له، يقال له ما تنكر على من قال لك هاهنا وجه غير مااذكرت، وهو أن يوكل صاحبه بتقبل العمل، وبالعمل فيرجع إليه، ويصير العمل إليه فيستحق به الربح، ويدخل الضماان فيه من حيث حصل التقبل كما نقول في مثله في شركة الوجوه في شراء الأموال، وإذا صح ذلك بطل ماا اعتمته ثم يقال له: لو لم يكن هاهنا إلا الضمان لم يستحق الضامن الربح، ألا ترى ان رجلاً لو اشترى سلعة فضمنها عنه آخر لم يستحق الضامن من ربح السلعة شيئاً، كذلك إذا تقبل رجل عملاً وضمنه آخر فلا يستحق شيئاً من الكسب وأجرة العمل فبان به صحة ماا ذكرنا من أأن هذه(85/1)
الشركة تقتضي التوكيل مثل تلك، فإن الضماان فيهما جميعاً يحصل على سبيل التبع على ما بيناه على أن سائر االشركة تتعلق باالتوكيل دون الضمان فإن دخل الضمان فيها دخل على سبيل التبع إلا المفاوضة فإنها تتعلق بالتوكيل والضمان جميعاً، وذلك نحو شركة العنان، وشركة الوجوه في شراء الأمواال، وشركة المضاربة فوجب أن تكون هذه الشركة كذلك، والعلة أنها من شركة العقود لا على المعاوضة، ويدل على صحة ما ذكرناه أنهم قالواا أن هذه الشركة تصح فيما يصح فيه التوكيل من البيع والإجارة، ولا يجوز فيمالا يجوز فيه التوكييل نحو الصيد والإحتشاش لا يصح فيمها التوكيل، ولكن حكينا ذلك عنهم لتبيين صحة ما ذهبنا إليه.
مسألة:
قال: وإن أرادا تصحيح شرط تفضيل أحدهما في الربح بيناه في أصل الشركة أن أحدهما هو الضامن للثلث والآخر للثلثين، وأنهما يتقبلان العمل على هذاا الشرط، وقد بينا وجه هذا في مسألة شركة الوجوه في مسألة شركة الوجوه في شركة الأموال والكلام في هذه مثل تلك لأن التقبل في هذا يحصل على الثلث والثلثين، والتملك في تلك يحصل على الثلث والثلثين فيكون الضمان والربح بحسب ذلك في الشركتين جميعاً، قال: وإذا اشتركا على ما وصفنا كان لكل واحد منما أن يتقبل العمل ويعمله منفرداً، ومع صاحبه، وذلك أن التقبل نفع لهما جميعاً وكذلك العمل على حسب ما شرطا فلو أن أحدهما عمل ولم يعمل الآخر كان من لم يعمل شريكاً لمن عمل، لأن تقبل كل واحد منهما بينه وبين صااحبه، وكذلك عمله.
مسألة:(85/2)
قال: ولا بأس بهذه الشركة لصانعين، وإن اختفت صناعتهما، وبه قا أبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد، وقال زفر: لا تصح هذه الشركة مع اختلاف الصانعين ذكره الكرخي والصحيح ما ذهبنا إليه من صحتها مع اختلاف الصناعتين لأنها إن كانت معقودة على التوكيل على ما بيناه أو على الضمان على ما حكيناه فهي صحيحة مع اختلاف الصناعتين، ألا ترى أنه يصح من الصانع أن يتقبل الخياطة بنفسه ووكيله ثم يستعملها الخياط، ويصح من الخياط أن يتقبل الصناعة بنفسه ووكيله ثم يستعمها الصانع، وهكذا الضمان يصح من كل واحد منهما، فإذا صح ما ذكرناه على ما بيناه في ذلك، صح أن اختلاف الصناعتين في هذا الباب كاتفاقهما على ما ذهبنا إليه.
مسالة:
قال: وإن اختلف الشريكان بطلت شركتهما وذلك أنها شركة معقودة على الوكالة وليس فيها ماالا يتعلق الحق به فإذا أنكر كل واحد منهما ما يدعيه صاحبه فقد زال ما بينهما، ألا ترى أن رجلاً لو قال لآخر: وكلتك بشراء العبد فقال: بل وكلتني بشراء الفرس، أو من قال وكلتك بشراء هذا العبد بألف فقال بل وكلتني بشرائه بألف وخمسمائة لم يستقر بينهما التوكيل، فكذلك هذه الشركة.
مسألة:
قال: وهذه جائزة بين أهل كل صناعة وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن هذه الشركة لا تصح بين الصياادين والمحتشين والمحتطبين والعاملين في المعادن، قالوا: إن الإستئجار منهم والتوكيل لا يصح وعموم قول الله جائزة بين كل صناعة، يدل على عمومها فيهم وقد نص في الفنون على جواز الشركة في المعادن والإستئجار فيها جائز على مذهب الشافعي ذكره ابن أبي هريره في التعليق والذي يدل على جوازها فيهم أن كل ذلك عمل يصح فيه التوكيل والإستئجار بدلالة أنها كسائر الأعمال فإن لها نفعاً معلوماً.
فإن قيل: كيف يكون للإصطياد نفع معلوم، وهو يتعلق بالغرر، لأنه لا يدري هل يصيد أم لا؟(85/3)
قيل له: إنما يجوز ذلك في المواضع التي تجد ـ توجد ـ فيها كاصطياد السموك والطيور لأن المواضع والأوقات المعتادة لا يجري فيها من الغرر إلا اليسير الذي يقع مثله في التجارات وإذا ثبت أنه يصح التوكيل صحت الشركة فيه على ما بينا لأنها معقودة على التوكيل.
فإن قيل: فإنها قد يقع فيها غرر لأنه قد يتقدم الأمر فيه ويتأخر، ولا يمكن ضبطه؟.
قيل له: ليس يقع فيه إلا ما يقع في سائر الإستئجار، ألا ترى أن الإستئجار على ضرب اللبن قد يتقدم الأمر، وقد يتأخر، لغرض في ذلك باتصال الأمطار، فإن الغرض في ذلك باتصال الأمطار، ويتقدم لاستمرار الصحو، فيقان أن مثل هذا لا يوجب إبطال الإستئجار، وقد يجوز أيضاً أن يستأجر أجير الخاص على هذه الأعماال، ويستحق الأجرة بمرور الزمان مع تسليم النفس.(85/4)
باب القول في شركة العلو والسفل والشوارع والأزقة ونحو ذلك
إذا كان لرجل سفل بيت وآخر علوه، فانهدم البيت، وأبى صاحب السفل أن يبني سفله، وأراد صاحب العلو أن يرد مسكنه، قضي له على صاحب السفل ببناء سفله ليبني هو عليه علوه، فإن كان صاحب السفل معسراً أطلق لصاحب العلو أن يبني السفل، ويمنع صاحب السفل من سكنااه حتى يؤدي إلى صاحب العلو ما غرم في بناء السفل، وإن أحب صاحب العلو استغل السفل إلى أن يستوفي ما غرم فيه، قال أبو حنيفة: لا يجبر صاحب السفل على بناء السفل، ولكن صاحب العلو إذا بناه يمنع صاحب السفل من سكناه حتى يوفيه ما غرم فيه، ويكون ذلك في يد صاحب العلو على سبيل الرهن إلى أن يستوفي حقه.
ووجه ما ذهبنا إليه أنه لا خلاف في أن صاحب السفل ليس له أن يبيع نقض سفله لتعلق حق صاحب العلو به، فيجب ان يلزمه اعادته إذا اانتقض لتعلق حق صاحب العلو به، لأن كل من لم يكن له منع الغير من ملكه لتعلق حقه به يلزمه تسليمه إليه، لأن كل من لم يكن له منع االغير من ملكه لتعلق حقه به يلزمه تسليمه إليه، كالدار المستأجرة، وكاالرهن إذا صار في يد الراهن، وما أشبه ذلك.
ويقال لهم: إذا قلتم ـ إنه إذا أعيد السفل كاان في يد صاحب العلو على سبيل الرهن إلى أن يستوفي منه ما غرم، فقد أوجبتم ذلك على صاحب السفل، لأنه إن لم يكن ذلك الغرم لازماً لة، فلا وجه لأن يكون حقه في يد صااحب العلو على سبيل الرهن، وإن كان لازماً له، فلا وجه لقولكم إنه لا يجبر عليه.
وقلنا: إن صاحب العلو إن أحب استغل السفل إلى أن يستوفي ما غرم فيه، لأنه أنفع لهما، وأقرب إلى أن يصل كل ذي حق إلى حقه، من صاحب العلو وصاحب السفل، ولأن من مذهبنا أن الحاكم يبيع على المديون ماله بحق الغريم إذا تقاعد من إيفائه حقه، فالإستغلال أولى بذلك.(86/1)