باب القول في المزارعة
من دفع أرضه إلى من يحرثها ويزرعها على جزء من الزرع، كالنصف، أو الثلث، أو الربع، أو أقل من ذلك، أو أكثر كانت االمزارعة فاسدة فإن كان البذر لأحدهما كان الزرع لصاحب البذر، فإن كان هو العامل كان عليه لصاحب الأرض كرى الأرض وإن كان هو صاحب الأرض كان عليه للعامل كرى مثله، وبه قال أبو حنيفة حكاه الكرخين، قلنا: وإن كان البذر منهما كان الزرع بينهما، ووجب على الزراع نصف كرى الأرض، وعلى رب الأرض نصف أجرة العمل تخريجاً.(82/1)


وقال زيد بن علي عليهم السلام: تصح المزارعة على جزء من الخارج، وهو المروي عن جعفر بن محمد عليهم السلام، روته الإمامية، وبه قال الناصر وإليه ذهب أبو يوسف، ومحمد وأما قول الشافعي فهو مثل قولنا إلا ما كان من الأرض في أثناء النخيل، والأصل في فساد المزارعة، والمساقاه ما وروى زيد بن علي ، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله علي وآله وسلم: (من استأجر أجيراً فليعلمه أجره فإن شاء رضي وإن شاء ترك)، والمزارع أجير، وكذلك المساقي لإتفاق من أجازهما أنها لا تصح إلا بوقت معلوم فقد دل هذا الخبر على فساد المزارعة والمساقاة لجهالة الأجرة لأنه تضمن إيجاب كون الأجرة معلومة فمتى لم تكن معلومة وجب الفساد كما نقول مثله في السلم لما روي: (من أسلم فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم)، وأيضاً روي عن أبي الزبي،ر عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن المخابرة، وعن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من لم يذر المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله)، وعن زيد بن ثابت قال: نهى روسول الله صلى الله عليه آله وسلم عن المزارعة بالنصف والثلث وحكم على ذلك أهل اللغة وحكي عن ابن االأعرابي قال: هو مشتق من خيبر ثم صابت لغة، ومثل هذا لا ينكر فقد قيل أعرق الرجل من العراق، وأنجد وأتهم من تهامة وغار من الغور وباد من البادية، وأيضااً روي عن جابر وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن كرى المزارع، وروي عن رافع بن خديج، قال: مر بي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أزرع من البقول فقال: ما هذا؟ فقلت بذري ولي الشطر ولآل فلان الشطر قال: أربيت، رد الأرض إلى أهلها فدل ذلك على فساد المزارعة من وجهين: أحدهما للنهي والثاني أنه صلى الله عليه وآله وسلم سماه ربا.(82/2)


فإن قيل: روي عن زيد بن ثابت أنا والله أعلم بالحديث من رافع أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلان قد اقتتلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن كان هذا شأنكم فلا تنكروا المزراع فثبت بهذا الخبر جهة النهي وهو الإفساد، وروي عن رافع بن خديج، قال: كنا نزارع على الثلث والربع وما ينبت على السواقي فنهانا عنه صلى الله عليه وآله وسلم، وفي خبر آخر، ويشترط على الأرة ما ينبت على الجادول، وكذا وكذا وربما هلك هذا وسلم هذا فدل هذا أيضاً على جهة النهي.
قيل له: هذا النهي لا يدل على أنه ليس نهي عام عن الخابرة فلا يمتنع أن النهي المخابرة على العموم وينهى عنهاا أأيضاً إذا كانت هذه الجهالات.
فإن قيل: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطى خيبر بالنصف من الخارج.(82/3)


قيل له: هذا محتمل من جهتين: أحدهما ـ أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقاهم على الفئ فكانوا عبيداً للمسلمين فجاز ذلك فيهم لأن النصف المبقى عليهم يجري مدرى نفقاتهم ومؤنهم فلا يكون ذلك مزارعة على التحقيق، أو يكون صلى الله عليه وآله وسلم جعلهم ذمة وأقرهم على الأرضين وجعل نصف الخارج بمنزلة الجزية ويجوز في الجزية من الجهالة مالا يجوز في الجزية من الجهالة مالا يجوز في الإجارات ولا البياعاات، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وضف على أهل نجران مؤنة الرسل عشرين يوماً، وجعل عليهم عارية ثلاثين درعاً وثلاثين فرساً وثلاثين فرساً وثلاثين بعيراً ويؤكد أن ذلك كان على أحد وجهين: أنه لم يروى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ منهم الجزية ولا أبو بكر ولا عمر ويحتمل أن يكون ذلك صار منسوخاً بالنهي عن المخابرة، فإن ثبت أنها مشتقة من خيبر، فكأنه صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يعملوا بما عمل بخيبر على أنه روي أنه قال لليهود أقركم على ما أقركم الله ولا خلاف أن المزارعة والمساقاة لا بد فيها من التوقيت المعلوم وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (نقركم على ذلك ما شئنا)، وأما االشافعي فإنه ذهب إلى جواز المساقاة وجواز مزارعة الأرض التي بين النخيل مع مساقاة النخيل، ولا يجوز مزارعة الأرض البيضاء ويحجه سائر ما قدمناه ويقال له من أين لك أن مزاارعة خيبر كانت في أرض بين النخيل؟ ومن أين أنه لم يكن بخيبراً أرضاً بيضاء؟ ولمن نقيس الأرض التي بين النخيل على الأرض البيضاء لإفساد المزارعة بعلة أنها مزارعة بعلة أنها مزارعة على بعض ما يخرج من الأرض وبأن الأجرة فيها غرر نقيس المساقاة أيضاً على ذلك ونقيسهما على المساقاه في غير النخيل والكرم، ونقيسهما على ما أجمع عليه المسلمون من أنه لا يجوز دفع الإبل والغنم والرماك عىل جزء من النماء من الأولاد والألبان والأصواف والأوبار والعلة في ذلك جهالة الأجرة والغرر(82/4)


الذي فيها فلا يصح قول الشافعي إن الأرض التي بين النخيل تتبع النخيل فيجوز فيها مالا يجوز في الأرض البيضاء من المزارعة كما يجوز أن يدخل في البيع من الشرب والحقوق على سبيل التبع وإن كان لا يجوز أن تفرد بالبيع لأن الأرض التي بين النخيل يجوز أن تفرد بالعقود في البياعات والإجارات والهبات فلم يجز أن تكون الأرضون تبعاً للنخيل كما أن النخيل لا يجوز أن يكون تبعاً للأرض على أن المساقاة غير المزارعة وهما حكمان مختلفان فكيف تدخل مزارعة الأرضين في حكم مساقاة النخيل.
فإن قيل: فهلا قستموها على المضااربة.(82/5)

70 / 149
ع
En
A+
A-