قال: ولو أن حائكاً أخذا غزلاً على ان ينسجه عشرة أذرع فنسجه اثني عشر ذراعاً كان له أجرة عشرة أذرع وكان في الذراعين متبرعاً، وذلك أن الإجارة تناولت عشرة أذرع فوجب أن يكون المستحق هو أجرتها فقط، وأما الذراعان فلم تناولهما الإجارة على وجه الصحة، ولا على وجه يجري مجرى الفاسد، فلم يجب أن يستحق لهما شيئاً، وكان متبرعاً على أنه يجري مجرى أن يأخذه فينسجه له بغير أمره ومجرى سائر ما يتبرع به الإنسان لغيره مما يستحق به الأجرة.
قال: ولو أن صباغاً دفع إليه رجل ثوباً على أن يصبغه له لوناً بدرهم فصبغه له لوناً أصبغ كان الصباغ في الزيادة متبرعاً تعمده، أولم يتعمده، ووجه هذا هو وجه ما تقدمه، لأن الزيادة لم يتناولها عقد الإجارة لا على وجه الصحة، ولا على وجه الفساد، فوجب أن يكون متبرعاً في الزيادة.
قال: فإن قال الصباغ أمرتني بصبغ يساوي عشرة، وقال صاحب الثوب: أمرتك بصبغ يساوي خمسة كانت البينة على الصباغ واليمين على صاحب الثوب لأن الصباغ هو المدعي وصاحب الثوب هو المنكر، ألا ترى أن الصباغ يحاول أن يلزم صاحب الثوب حقاً لم يثبت عليه وصاحب الثوب يمانعه ذلك.
مسألة:
قال: وإذا دفع الرجل ثوباً إلى خياط ليقطعه قميصاً ويخيطه فقثطعه وخاطه ثم استحق الثوب كانت الأجرة على من امر بتقطيع الثوب ووجهه أن المستأجر له على ذلك دون صاحب الثوب فيلزمه الأجرة كالوكيل والمتبرع على غيره بذلك ولا معتبر بكون الشيء ملكاً لغيره إذا كان هو المستأجر وليس له أن يرجع على صاحب الثوب لأنه فعله بغير أمر صاحب الثوب كما قلنا في النساج والصباغ ويكون بذلك متبرعاً.
مسألة:
قال القاسم عليه السلام:(81/20)


ولو أن رجلاً كلم رجل في حاجة لرجل فأهدى إليه شيئاً جازله ذلكن يجوز ما قاله إذا لم يكن مشروطاً فإن كان مشروطاً فإن كان مشتروطاً لم يجز للنهي الوارد فيه فأما إذا لم يكن مشروطاً فهو جائز لأن ذلك مقابله الإحسان بالإحسان، ومكافأة على الإحسان، وقد قال الله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانُ إِلاَّ الإِحْسَانِ}، وقال: {وَإِذَا حُيِّيْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيِّوا بِأَحْسَنِ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}.
قال القاسم عليه السلام:
ولا بأس بكسب الحجام لأنه صنعةُ مباحة، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر حجام فحجمه، وروى محمد بن منصور بإسناده عن علي عليه السلام قال: إحتجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعطى الحجام أجرته.
مسألة:
قال: والرشا على الحكم حرام لا خلاف في كونه حراماً بين المسلمين لأن المرتشي آثم لأنه أخذ العو ض على ما لزمه، ووجب عليه.
فإن قيل: إنكم تجوزون أن يأخذ القاضي رزقاً من الإمام، وروي أن أمير المؤمنون عليه السلام أعطى شريحاً.
قيل له: هذا ليس بارتشاء لأن الإرتشاء أن يأخذ من أحد الخصمين إما ليظلم أو لينصف، وعلى كلا الوجهين هو حرام وما يأخذ القاضي على الإمام ليس على هذا الودده لنه يجري مجرى ما ياخذه الإمام لنفسه من بيت مال المسلمين يستعين به على ما هو فيه من تحري مصالح المسلمين.
وأجرة الكاهن والبغي حرام لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم روي عنه ذلك، قال الله عز وجل: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}، وهذا من أكل المال بالباطل.
وتكره أجرة االغازي في سبيل الله، وهو الذي لا يخرج إلا باجرة وذلك لأنه اخذ العو ض على ما هو قربة وطاعة بل وادب وذلك لا يجوز، وقوله وهو الذي لا يخرج إلا بأجرة تدل على أنه يجوز للغازي الذي يخرج متقرباً إلى الله تعلى أن ياخذ ما يهدى إليه إذا لم يكن ذلك مشروطاً كما يجوز للمؤذن ولمن يعلم القرآن، ولمن يعين إنساناً في حاجة له.(81/21)


قال عليه السلام:
ويكره عسب الفحل إتباعاً للأثر هو كما قال عليه السلام والأثر الوارد فيه مشهور قال: وتكره أجرة السمسار إلا أن يستأجر باجرة معلومة على شيء معلوم وذلك أن المجازفة فيه تعظم وتكبر وتخرج عن اجرة المثل، ولا يأخذ السمسار على شيء معلوم على قدر عمله وإنما ياخذ على قدر السلعة فأما إن أخذ بإذن صاحب المال على قدر العمل لم يكره ذلك، وجرى مجرى سائر الصناع.
باب القول في ضما الأجير
كل ما تلف على الأجير المشترط مما استؤجر على عمله فهو ضامن له سواء تلف بجناية أو يغير جناية، إلا أن يكون تلف بامر غالب لا قبل له بدفعه وهذا قول أبي يوسف ومحمد وغجماع أهل البيت عليهم الاسلام وقل أمير المؤمنين علي عليه السلام، وخالف فيه ابو حنيفة وسائر أصحابه غير أبي يوسف ومحمد وللشافعي فيه قولان، والأصل فيه ماا روي عن علي عليه السلام أنه كان يضمن الأجير المشتري ويقول لا يصلح الناس إلا ذلك ففيه وجهان من الدلالة: أحدهما على أصولنا: هو قول أمير المؤمنين عليه االسلام وعندنا يجب اتباع ولا يجوز مخالفته.
والثاني قوله: لا يصلح الناس إلا ذلك أن المصالح لا يعلمها إلا الله عز وجل والرسول بتعريف الله إياه، فكان ذلك دليلاً على أنه كان قال ما قال توقيفاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجرى مجرى النص عليه.
فإن قيل: لعله أراد أن الناس لا يصلحهم إلا ذلك بأكثر الرأي عنده.(81/22)


قيل له: حمل الخبر على ذلك حمل له على المجاز بغير دليل لأنه لا يكون صلاحاً على الحقيقة، وإنما يكون عنده أنه كذلك وهذا لا معنى له وأيضاً لا يجوز تضمين الأموال ولو غلب على ظن الإمام أو الحاكم أن ذلك أصلح لهم هذا مالا خلاف فيه، فلم يبق إلا ما قلناه وأيضااً قد ثبت أن الأدير المشترك مضمون عليه عمله الذي استؤجر عليه ولهذا يوجب عليه ضمان ما وقع بفعله فإذا ثبت ذلك وجب ان يضمن إذا ضاع عنده لأن الحفظ مضمون عليه لأنه لا ينال العمل إلا بالحفظ فإذا ثبت ذلك وجب أن يضمن إذا ضاع عنده لأنه قصر في الحفظ وهو دااخل في جملة ما أخذ الأجرة عليه.
فإن قيل: لو كان ذلك كذلك لوجب في الخياط إذا بقي الثوب عنده برهة ثم رده من غير أن يخيطه للعذر أن يستحق على الحفظ قسطاً من الأجرة فلما أجمعوا على أنه لا يستحق بذلك شيئاً من الأجرة دل على انه لم يدخل في جملة ماا أخذ عليه الأجرة.
قيل له: الحفظ دخل فيه على سبيل التبع فلم يجب أن يكون له قسط من الأجرة إذا انفرد، ألا ترى أن من اشترى ناقة حاملاً فنتجت قبل أن يقبضها المشتري وتلف الفصيل أنه لا يحط له شيء من الثمن وإن كان الفصيل داخلاً في جملة ما استحق به الثمن لأنه دخل في ذلك على سبيل التبع، ولم يكن مقصوداً إليه كذلك الحفظ دخل في جملة ما استحق عليه الأجرة على سبيل التبع، ولم يكن له حظ من الأجرة إذا انفرد، ولم يجب أن يدل ذلك أنه لم يدخل فيه.(81/23)


وتحرير القياس فيه أن يقال قد ثبت أن الحفظ من جملة ما استحق عليه الصانع العوض فوجب أن يضمن ما أتى من جهته كما يضمن ما أتى من جهة الصنعة، فإذا أتى من جهة امر غالب فلم يؤت من جهة الحفظ لن الحفظ لا يفير في ذلك شيئاً فلذلك قلنا أنه لا يضمن إذا أتى من ذلك فأما ما جنته يده فلا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة في ضمانه، وقال زفر لا يضمن إلا بالتعدي ويبطل قوله ما سلف ويوضح ذلك بان يقال أن الأجر لما كان مستحقاً على العمل كان العمل مضموناً عليه لأن عقود المعاوضات تقتضي الضمان فإذا ثبت أن العمل مضمون وجب أن يكون ما يحدث عنه مضموناً.
مسألة:
قال: وما تلف في يد الأجير الخاص فلا ضمان عليه فيه إلا أن يكون تلف بجناية منه وهذا ممالا خلاف فيه إلا ما يحكى عن الشافعي أنه أحج قوليه وذلك لا معنى له لأن الأجير الخاص لا يستحق الأجرة على العمل وإنما يستحقها على تسلم نفسه للعمل ألا ترى أنه لو سلم نفسه للعمل إلى المستأجر استحق الأجرة سواء استعمله المستأجر أولم يستعمله، وليس كذلك الأجير المشتري لأنه لا يستحق الأجرة بأن يعمل فبان أن الأجير الخاص عمله غير مضمون عليه إذ لم يستحق الأجرة عليه وإذا لم يكن مضموناً فلا معنى لت ضمينه ما ضاع على يديه بغير جناية منه فأما إذا كان بجانية منه فلا خلاف في ضمانه.
مسألة:
قال: وإذا ادعى المستأجر عليه التفريط وأنكر الأجير فالبينة على المستأجر واليمين على الأجير، ووجهه أن المستأجر هو المدعي لأنه يلزمه حقاً بجناية لم يثبت عليه والأجير منكر له فوجب أن تكون البينة على المستجر لكونه مدعياً واليمين على الأجير لكونه منكراً، وأيضاً قد بينا أن الأجير الخاص أمين والقول قول الأمين إذا أنكر الجناية مع يمينة كالمودع القول قوله مع يمينه.
مسألة:(81/24)

67 / 149
ع
En
A+
A-